الإثنين, مارس 30, 2026 19:46
/
/
بين الحرب والانهيار المالي: كيف يمنح تعديل قانون الإفلاس الجديد فرصة إنقاذ حقيقية للشركات؟

بين الحرب والانهيار المالي: كيف يمنح تعديل قانون الإفلاس الجديد فرصة إنقاذ حقيقية للشركات؟

أيقون موقع وصلة Wasla
366716 5 Women Day Arabic baners 43 1513x188px 72 ppi 1
خالد تيتي
المحامي خالد تيتي، مختص في مجال الإفلاس والإشفاء الاقتصادي للأفراد والشركات

 

في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها المنطقة، لم تعد الأزمات الاقتصادية مجرد تقلبات دورية، بل تحولت إلى واقع يومي يضغط بقوة على الشركات، الصغيرة منها والكبيرة. الحروب، وما رافقها من تراجع في النشاط الاقتصادي، انقطاع سلاسل التوريد، ارتفاع تكاليف التمويل، وتراجع الطلب، كل ذلك أدى إلى موجة متسارعة من التعثر المالي.

لكن في قلب هذه الأزمة، ظهر تطور قانوني مهم قد يشكّل نقطة تحوّل حقيقية: تعديل رقم 9 لقانون الإعسار وإعادة التأهيل الاقتصادي، الذي أدخل أداة جديدة فعالة: أمر تجميد الإجراءات المؤقت كوسيلة لإنقاذ الشركات قبل الانهيار الكامل.

الحرب كعامل تسريع للانهيار الاقتصادي

الحروب لا تدمّر فقط البنية التحتية، بل تضرب أيضًا أساسات النشاط الاقتصادي. الشركات تواجه اليوم تحديات غير مسبوقة: تراجع حاد في الإيرادات، صعوبة في تحصيل الديون، ضغط بنكي متزايد، ارتفاع تكاليف التشغيل، عدم يقين اقتصادي يجمّد الاستثمارات وغيرها من العوامل التي تعرقل الحاله الطبيعية للشركات والمصالح التجارية. 

في مثل هذه البيئة، كثير من الشركات لا تنهار بسبب سوء الإدارة، بل بسبب ظروف قاهرة خارجة عن إرادتها. المشكلة أن النظام التقليدي كان يضع هذه الشركات أمام خيارين فقط: إما الاستمرار تحت ضغط خانق، أو الانزلاق سريعًا إلى إجراءات إفلاس كاملة.

من “الإفلاس” إلى “الإنقاذ”: التحول في فلسفة القانون

التعديل الجديد والذي اقر نهائيًا قبل الحرب، يعكس تحولًا مهمًا في النظرة القانونية: لم يعد الهدف هو تصفية وإفلاس الشركات التي تمر بصعوبات، بل محاولة إنقاذها قبل فوات الأوان.

الأداة الأساسية في هذا التحول هي: إمكانية الحصول على أمر قضائي مؤقت يجمّد جميع الإجراءات ضد الشركة من دعاوى، حجوزات، وتنفيذات لفترة قصيرة ومحددة. هذا “التجميد” ليس هدفًا بحد ذاته، بل وسيلة لخلق فرصة حقيقية لإعادة ترتيب الأمور.

ما الذي يقدمه أمر تجميد الإجراءات؟

في الواقع العملي، هذه الأداة تغيّر قواعد اللعبة:

1. وقف سباق الدائنين نحو أصول الشركة

في الأزمات، يسارع كل دائن لتحصيل دينه، ما يؤدي غالبًا إلى تفكيك الشركة بسرعة. التجميد يمنع هذا “السباق”، ويحافظ على قيمة الشركة ككيان قائم.

2. خلق مساحة تفاوض حقيقية

    بدون ضغط يومي من حجوزات وإجراءات، يمكن للإدارة الجلوس مع الدائنين وبناء خطة تسوية واقعية.

    3. الحفاظ على النشاط الاقتصادي

    بدل إغلاق الشركة، يمكنها الاستمرار في العمل، دفع الرواتب، والحفاظ على علاقاتها التجارية.

    4. رفع فرص نجاح التسوية

    التجربة العالمية تثبت أن التسويات المبكرة قبل الانهيار الكامل، هي الأكثر نجاحًا.

    تغيير مهم: الوقت أصبح عنصرًا حاسمًا

    على عكس الأنظمة السابقة، التعديل الجديد فرض إطارًا زمنيًا صارمًا: فترة أولية: حتى 40 يومًا تمديد إضافي: حتى 20 يومًا فقط، بدلا من 90 يوم عندما كان القانون مؤقتًا، هذا يعني أن القانون لا يسمح بالمماطلة.

    إما أن تكون هناك خطة جدية وقابلة للتنفيذ أو لا. وهذا بحد ذاته رسالة واضحة: هذه الأداة مخصصة للشركات التي لديها فرصة حقيقية للإنقاذ، وليس لتأجيل الانهيار.

    في زمن الحرب: لماذا هذا التعديل مهم الآن أكثر من أي وقت؟ في الظروف العادية، قد يكون التعثر نتيجة قرارات داخلية. أما في زمن الحرب، فالوضع مختلف:

    • شركات سليمة ماليًا قبل الحرب أصبحت فجأة عاجزة عن الدفع
    • قطاعات كاملة تضررت بشكل جماعي
    • المخاطر أصبحت نظامية وليست فردية

    هنا يأتي دور القانون: ليس لمعاقبة الشركات، بل لحمايتها مؤقتًا حتى تعبر الأزمة. التعديل الجديد يمنح هذه الشركات أداة حقيقية للنجاة، إذا تم استخدامها في الوقت المناسب.

    الرسالة الأهم للشركات: لا تنتظروا الانهيار

    أحد أكبر الأخطاء التي تقع فيها الشركات هو التأخر في اتخاذ القرار. وعندما تصل الشركة إلى مرحلة العجز الكامل، تصبح الخيارات محدودة جدًا. أما إذا تم التحرك في مرحلة مبكرة، مع وجود خطة واضحة؛ فإن فرص النجاح ترتفع بشكل كبير.

    أزمة الكورنا والحروب خلقت واقعًا اقتصاديًا صعبًا، لكنها في الوقت نفسه دفعت نحو تطوير أدوات قانونية أكثر مرونة وواقعية. تعديل قانون الأخير لا يغيّر الواقع الاقتصادي، لكنه يمنح الشركات أداة ذكية لإدارته، ليس للخروج من الأزمة فقط، بل للخروج منها بشكل منظم، عادل، وربما أقوى.

    *المحامي خالد تيتي، مختص في مجال الإفلاس والإشفاء الاقتصادي للأفراد والشركات.

    ** المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر موقع وصلة للاقتصاد والأعمال.

    366716 5 Women Day Arabic baners 4 4617x577px 72 ppi 1 scaled

    مقالات مختارة

    Skip to content