
تجد صناعة السيارات الأوروبية نفسها اليوم في مفترق طرق حاسم، مشتتةً بين التركيز على تصنيع السيارات الكهربائية الصديقة للبيئة أو العودة إلى الاعتماد على سيارات البنزين التقليدية. وبينما حسمت الصين خيارها مبكرًا لصالح السيارات الكهربائية، وعززت الولايات المتحدة من صناعة سيارات البنزين، تبدو أوروبا عالقة بين المسارين، دون قرار واضح، ما يضعها في موقع ضعيف أمام منافسين يتقدمون بسرعة.
بحسب تقرير لصحيفة الغارديان، تحذر أوساط صناعية من أن شركات السيارات الأوروبية ترتكب خطأ استراتيجيًا كبيرًا من خلال تقليص استثماراتها في السيارات الكهربائية وزيادة تركيزها على السيارات ذات محركات الاحتراق الداخلي التي تعمل بالبنزين أو الديزل، في ظل ارتفاع أسعار النفط مجددًا. هذا التوجه يعيد إلى الأذهان ما حدث في ثمانينيات القرن الماضي، عندما خسرت شركات السيارات الأمريكية مكانتها بسبب عدم استعدادها للتحولات في السوق.
في المقابل، تواصل الشركات الصينية التوسع بسرعة، حيث نجحت علامات مثل BYD وLeapmotor في جذب زبائن في أوروبا وخارجها بفضل سيارات كهربائية منخفضة التكلفة وموثوقة. وتمكنت BYD من تجاوز تسلا لتصبح الشركة الأكبر عالميًا في مبيعات السيارات الكهربائية، مدعومة بتفوق تقني واضح، من أبرز مظاهره تطوير بطاريات بمدى يصل إلى 960 كيلومتر، مع إمكانية شحن يتيح السير لمسافة 400 كيلومتر خلال 5 دقائق في ظروف شحن متقدمة.
في الوقت نفسه، تكبدت شركات غربية خسائر مالية كبيرة في استثماراتها بالسيارات الكهربائية، بعدما تبين أن هذه المشاريع لن تحقق العوائد المتوقعة. فقد أعلنت مجموعة Stellantis خسائر تتجاوز 25 مليار دولار، بينما سجّلت فولكسفاغن هي الأخرى خسائر مماثلة في هذا المجال، وهما تسيطران معًا على حوالي 40% من سوق السيارات في أوروبا. وفي الولايات المتحدة، خسرت فورد 19.5 مليار دولار بعد إلغاء مشاريع وخطط تتعلق بالسيارات الكهربائية وإيقاف تطوير بطاريات لها، ما دفع هذه الشركات إلى تقليص استثماراتها في هذا المجال.
ويعزى هذا التراجع جزئيًا بحسب التقرير إلى ضعف أرباح السيارات الكهربائية مقارنة بسيارات البنزين، إلى جانب ارتفاع أسعارها وضعف انتشار البنية التحتية للشحن. وقد شكّلت السيارات الكهربائية 20% فقط من مبيعات السيارات الجديدة في أوروبا خلال العام الماضي، ما عزز تردد الشركات في الاستمرار بهذا المسار.
على المستوى السياسي، يزيد الغموض من تعقيد الصورة. فقد قرر الاتحاد الأوروبي التراجع عن حظر بيع سيارات البنزين والديزل في 2035، والسماح باستمرار إنتاج سيارات بانبعاثات تصل إلى 10% من مستوياتها الحالية، ما يعني أن نحو 25% من مبيعات السيارات الجديدة في عام 2035 ستبقى تعمل بالوقود التقليدي. هذا التردد يجبر الشركات على الاستثمار في السيارات الكهربائية وفي سيارات البنزين في الوقت نفسه، ما يزيد التكاليف ويضعف قدرتها على المنافسة.
ويرى خبراء تحدثوا للصحيفة أن هذا الخيار هو “الأسوأ من بين جميع الخيارات الممكنة”، إذ تحاول الشركات الأوروبية الجمع بين البنزين والكهرباء دون تحقيق تفوق في أي منهما. في المقابل، تستفيد الشركات الصينية من تركيزها الكامل على الكهرباء، ومن سيطرتها على سلاسل الإنتاج، بما في ذلك استخراج المواد الخام وتصنيع البطاريات والرقائق.
كما بدأت الشركات الغربية تفقد حضورها في أسواق ناشئة مثل الهند والبرازيل والمكسيك، حيث تزداد شعبية السيارات الكهربائية الصينية هناك، في وقت لا تملك فيه الشركات الأوروبية سيارات قادرة على المنافسة بشكل كافٍ في هذه الأسواق.
ويحذر التقرير من أن استمرار هذا التردد سيمنح الصين تفوقًا طويل الأمد يصعب على أوروبا اللحاق به لاحقًا. ويرى خبراء تحدثوا للصحيفة أن الحل هو اتخاذ قرار واضح والتوجه الكامل نحو السيارات الكهربائية، مع زيادة الاستثمار في تطوير التكنولوجيا، خاصة البطاريات، بدل توزيع الاستثمارات بين البنزين والكهرباء. ومع استمرار هذا الوضع، تتراجع قدرة أوروبا على المنافسة تدريجيًا، ما يهدد مستقبل صناعة السيارات فيها.
مقالات ذات صلة: الصينيون يحققون الأرباح ببيع السيارة نفسها، بأسماء مختلفة











