الخميس, مارس 26, 2026 22:13
/
/
الصينيون يحققون الأرباح ببيع السيارة نفسها، بأسماء مختلفة

الصينيون يحققون الأرباح ببيع السيارة نفسها، بأسماء مختلفة

"تعددت الأسماء والموتور واحد".
أيقون موقع وصلة Wasla
366716 5 Women Day Arabic baners 43 1513x188px 72 ppi 1
1 2
Lepas L8. مخصّصة لـ”نخبة حضرية ثرية وكاريزمية محبة للإنفاق”. تصوير: Andra Febrian

 

مؤخراً، قامت شركة “شيري” (Chery) يشيءٍ لا يمكن تصديقه، حيث كشفت عن سيارة جديدة باسم “ليباس” (Lepas)؛ وما يثير الدهشة هو أن شيري تمتلك بالفعل ما لا يقل عن ثماني علامات تجارية أخرى. وتبدو الهوية التسويقية للعلامة الجديدة غامضة بعض الشيء، حيث دمجت في اسمها كلمات “نمر” و”قفزة” و”شغف” (Lepard, Leap, Passion)، وبحسب شركة شيري، فهي تستهدف “النخبة الحضرية الثرية والكاريزمية المحبّة للإنفاق، والتي ترغب في سيارة ذات تصميمٍ شبابيٍ وعصريٍّ وقدراتٍ تكنولوجية”. وتستند النماذج الأولى من “ليباس” إلى موديلات تشيري التي تُباع بالفعل في إسرائيل، مثل “تيجو 4” و”تيجو 8″، ولكن بتصميم أكثر انسيابية وجاذبية.

يمكن القول ببساطة إن هذا السيْلَ من الكلمات التسويقية الرنّانة عن “النخبة الحضرية” يخفي خلفه فكرة واحدة: سيارة Lepas هي أفخم قليلًا من باقي سيارات شيري، الهدف منها بيع نفس السيارات تقريبًا ولكن بسعر أعلى، رغم أن التكنولوجيا المستخدمة فيها قديمة ومطوّرة مسبقًا.

2 1
جايكو وأومودا وiCar (في الصورة) وأكسلانتيس وجيتور. جميعها سيارات كروس أوفر تتنافس فيما بينها. تصوير: بلومبرغ / Qilai Shen

 

ما المشكلة أن يكون لدى شيري عدد من السيارات المتشابهة، مثل جايكو وأومودا وiCar وإكسلانتيس وجيتو، والتي هي جميعها سيارات كروس أوفر، تمزج بدرجات متفاوتة بين الفخامة والتكنولوجيا والتصميم الرياضي وتتنافس فيما بينها؟

شيري ليست الوحيدة التي تتبع هذا النهج، إذ تطرح شركات صينية أخرى المزيد والمزيد من العلامات التجارية. فعلى سبيل المثال، تبيع شركة “جيلي” سياراتها في إسرائيل تحت أسماء “لينك أند كو”، و”زيكر”، و”سمارت”، بالإضافة إلى علامة “جيلي” نفسها، كما أنها تمتلك شركة “فولفو”. وتمتلك شركة “GAC”، علامتي “آيون” و”هيبتك” وغيرها. أما شركة “SAIC” فتبيع سياراتها تحت أسماء “MG” و”IM” و”ماكسوس”، ولديها في الصين العديد من العلامات التجارية الأخرى. وبينما يتقلص عدد العلامات التجارية في أوروبا والولايات المتحدة، لا يتوقف الصينيون عن تقديم المزيد منها؛ فبدلاً من الاستثمار في عدد كبير من الطرازات والفئات الجديدة فعلًا، تُطلِق الشركات الصينية علامات تجارية جديدة متشابهة باستمرار، وأحياناً يبيعون السيارة ذاتها تماماً، حتى دون تغيير تصميمها، تحت أسماء مختلفة.

لم يخترع مصنعو السيارات الصينيون فكرة تعدد العلامات التجارية، بل استخدوها إلى أقصى حدٍّ ممكن. إذ غالبًا ما تُنسب هذه الاستراتيجية في عالم السيارات إلى “ألفريد سلون”، الذي أدار شركة “جنرال موتورز” بين عامي 1923 و1956. وقبل انضمام سلون إلى جنرال موتورز، كانت الشركة قد استحوذت بالفعل على شركات سيارات مختلفة مثل “بيوك”، و”أولدزموبيل”، و”كاديلاك”، ولاحقاً “شيفروليه”. لكن سلون هو الذي رتّب هذه العلامات التجارية بشكلٍ هرميٍّ، فبدلاً من تركها شركاتٍ منفصلة تتنافس فيما بينها، حولها إلى ما يُشبه “سلم النجاح”. فكلما زادت قدرة الزبون على الإنفاق أكثر لشراء سيارة، انعكس ذلك على الشعار الذي تحمله سيارته؛ وبتعبير آخر: الفكرة تشبه سلّمًا: إذا كان لدى الزبون مال أقل، يبدأ بسيارات مثل شيفروليه المنافسة لـ”فورد” والتي تقدم مواصفات جيدة مقارنة بسعرها، وامتلك الزبون أموالًا أكثر، فيمكنه الانتقال إلى علامات أفخم مثل “بونتياك” أو “أولدزموبيل”، وإذا كان الزبون أغنى يمكن شراء سيارة “بيوك” المحاظفة أو “كاديلاك” الأغلى والأكثر لفتًا للانتباه.

3
كاديلاك، 1958. لم يخترع مصنعو السيارات الصينيون فكرة تعدد العلامات. تصوير: Ken Morris / Shutterstock.com

 

نجح ذلك بشكل رائع في الخمسينيات والستينيات، ولكن لاحقاً بدأت هذه الاستراتيجية بالتعثر. فبدلاً من تصميم طرازات منفصلة تشترك في أجزائها الداخلية غير الظاهرة من الخارج (مثل المحرك والشاسيه وغيرها)، حاولت “جنرال موتورز” توفير تكاليف الإنتاج وبدأت في بيع سيارات متطابقة تقريباً بشعارات مختلفة. عُرفت هذه الظاهرة باسم Badge Engineering، أو “هندسة الشعار”، وكان مصطلحاً يُستخدم بشكل سلبي للإشارة إلى السيارات التي لا تختلف عن بعضها البعض سوى بالشعار. ووصل هذا “الانحدار” إلى ذروته في عام 1981، عندما قدمت “جنرال موتورز” خمسة طرازات جديدة لم تكن سوى السيارة ذاتها؛ حيث صُممت وأُنتجت معاً كل من “شيفروليه كافالير”، و”بونتياك سانبيرد”، و”أولدزموبيل فيرينزا”، و”بيوك سكاي هوك”، و”كاديلاك سيمارون”. وكانت “كاديلاك سيمارون”، الفئة الأغلى في هذه التشكيلة، أغلى بنسبة 75% تقريباً من سيارة “شيفروليه” الرخيصة (التي كان سعرها 7,000 دولار). ورغم أن “سيمارون” كانت أكثر تجهيزاً، إلا أنها امتلكت المحرك نفسه بقوة 88 حصان فقط، وحتى التصميم كان متطابقاً تقريباً. لم تفشل “سيمارون” في المبيعات فحسب، بل ألحقت ضرراً قاتلاً بسمعة “كاديلاك”، واستغرق تعافي الشركة سنوات بسبب ذلك. كما انضم مصنعون أمريكيون آخرون لهذا النهج؛ حيث طرحت “فورد” سيارات تحت علامتي “ميركوري” و”لينكولن”، وطرحت “كرايسلر” سيارات تحت أسماء “بليموث”، و”دودج”، و”ديسوتو”، و”إيجل”، وغيرهم الكثير.

من السلالم إلى المنصّات

تعلمت فولكسفاغن من تجربة جنرال موتورز؛ ففي الثمانينيات والتسعينيات، استحوذت الشركة الألمانية أيضاً على شركات مثل “سكودا” و”سيات” اللتين انضمتا إلى “أودي”، بالإضافة إلى مجموعة من العلامات التجارية الفاخرة مثل “بنتلي” و”لامبورغيني” و”بوغاتي” التي أُعيد إحياؤها. لكن فولكسفاغن لم تنتج السيارة ذاتها بشعارات مختلفة، بل استثمرت مبالغ طائلة في تطوير “المنصة” (Platform)، وهي القاعدة أو الأساس الميكانيكي والهندسي المشترك الذي تُبنى عليه عدة سيارات (مثلًا سيارتان شكلهما مختلف، لكن من الداخل (الهيكل، المحرك، التكنولوجيا) مماثلة، أي نفس المنصّة). وكانت علاماتها التجارية تتمتع بمواقع تسويقية مختلفة قليلاً؛ فسكودا هي العلامة العملية و”الشعبية”، وسيات رياضية، وفولكسفاغن أكثر رصانة وأغلى ثمناً، وأودي فاخرة. ومع ذلك، وعلى عكس جنرال موتورز، كان الهدف هو خلق منافسة داخلية، حتى وإن كانت محدودة وتحت السيطرة.

لقد أصبحت منصات فولكسفاغن شهيرة للغاية لدرجة أن عشاق السيارات عرفوا أسماءها؛ فعلى سبيل المثال، كانت منصة MQB هي القاعدة لسيارات “فولكس فاجن جولف”، و”سيات ليون”، و”سكودا أوكتافيا” العائلية، بل حتى سيارة “أودي TT” الرياضية، ولسيارات “كروس أوفر” ضخمة مثل “فولكس فاجن أطلس”.

4
كوبرا. لم تتمكن سيات من التميّز بما يكفي عن الآخرين، لذلك يتم استبدالها تدريجيًا بكوبرا. الصورة: Seat

 

لكن ماذا يحدث إذا لم تنجح إحدى هذه العلامات؟ ببساطة يتم استبدالها. لم تنجح “سيات” في تمييز نفسها بما يكفي عن الآخرين، ولذلك تم استبدالها تدريجيًا بـ”كوبرا”، وهي علامة رياضية أغلى وأكثر جرأة، وتقدم أيضًا سيارات كهربائية.

وتُعد كوبرا مثالًا على علامة جديدة أنتجتها فولسفاغن من الصفر، وليس عبر شراء شركة سيارات أخرى. وهناك أمثلة أخرى على ذلك؛ فعلامة “لكزس” (التابعة لتويوتا اليابانية) كانت في أواخر الثمانينيات محاولة جرئية لإطلاق علامة يابانية فاخرة، في وقت كانت فيه السيارات اليابانية تُعتبر بسيطة في الولايات المتحدة، واليوم تحاول هيونداي القيام بالأمر ذاته عبر علامة جينيسيس.

5 1
شيري تيغو 9. تصوير: User3204

الغزو الصيني

استغرقت شركات السيارات اليابانية والكورية عقوداً لإنتاج سيارات عالية الجودة وفاخرة. أما الصينيون فبم ينتظروا؛ فمنذ عام 2009 كانت لديهم علامات تجارية فاخرة بأسماء صريحة ومباشرة مثل “ريتش” (Riich) أو “إمجراند” (Emgrand). ومنذ ذلك الحين، يشهد قطاع السيارات في الصين انفجاراً؛ حيث توجد العشرات من شركات السيارات الصينية التي تمتلك مئات العلامات التجارية، والتي بدأت تغزو الأسواق الغربية.

في البداية، كان هدف الشركات الصينية من ابتكار علامات جديدة هو الابتعاد عن الصورة السلبية للشركات الصينية القديمة، التي كانت سياراتها تُعتبر غير موثوقة وضعيفة الجودة. أما اليوم، فيمكن القول إن هذا التعدد في العلامات مستمر لأنه ينجح بالفعل.

وعلى عكس الفكرة السائدة في صناعة السيارات في الغرب، والتي تقوم على الاستثمار في العلامة لسنوات طويلة عبر الإعلانات والتسويق وبناء “هوية” و”قصة” لها، فإن النهج الصيني يرى أن هناك ميزة في إغراق السوق بالعلامات التجارية؛ فإذا عرضت منتجات متشابهة جدًا تحت أسماء مختلفة وبأسعار متقاربة، تزداد فرص أن يختارك الزبون. وفي الصين، حيث تضم المعارض عددًا كبيرًا من السيارات من علامات متعددة، يكون التركيز على المنتج نفسه، بينما تقل أهمية الشعار الموجود على السيارة.

6
جاكو 8. الصورة: Retired electrician

 

في العقد الماضي، شهدنا هذه الظاهرة أيضًا في صناعة الهواتف الذكية الصينية؛ فهناك شركات تمتلك عدة علامات تجارية (مثل أوبو، ووان بلس، وريلمي)، أو شركة واحدة تمتلك مجموعة من العلامات الفرعية (شاومي، مع ريدمي وبوكو). فمهما كان المبلغ الذي ترغب في إنفاقه على هاتفك القادم، ستجد عدة هواتف تحت أسماء مختلفة تناسبك. هذا الإغراق يعمل لصالح الصينيين، على الأقل في السوق الصينية؛ وعندما تفشل بعض العلامات التجارية، فإنها تختفي ببساطة. على سبيل المثال، أول سيارة من شركة “جيلي” في إسرائيل كان اسمها “جيومتري C”. في الواقع، كانت “جيومتري” (Geometry) علامة تجارية منفصلة للسيارات الكهربائية، لكن جيلي قررت التوقف عن استخدام الاسم بعد خمس سنوات، في عام 2024. وقد قررت الشركة المستوردة، “مجموعة يونيون”، بشكل ذكي بيع السيارات تحت العلامة التجارية “جيلي”.

في المقابل، قلص مصنعو السيارات في الغرب عدد علاماتهم التجارية بشكل متزايد؛ فأسماء أمريكية ذات تاريخ طويل مثل “أولدزموبيل”، و”بونتياك”، و”ميركوري”، و”بليموث” لم تعد موجودة.

كما أن اندماج الشركات مع وجود عدد كبير من العلامات يجعل الوضع أكثر تعقيدًا. فشركة ستيلانتيس، التي نتجت عن دمج بيجو وفيات وكرايسلر، لا تعرف كيف تتعامل مع 14 علامة لديها. وفي عروضها للمستثمرين تطرح خططًا طموحة للمستقبل، إلى جانب توضيحات مفادها أن العلامات التي لن تنجح سيتم إنهاء نشاطها. وفي الوقت نفسه، تحاول الشركات الصينية دخول السوق الأوروبية عبر مجموعة كبيرة من العلامات التجارية. ويمكن الافتراض أنه في المستقبل سيتم تقليص عدد العلامات الصينية، وسيركز كل مُصنِّع على عدد قليل من العلامات ذات الهوية الواضحة. لكن صناعة السيارات تمر بتغييرات كبيرة وسريعة وواسعة النطاق لدرجة أنه لا يمكن افتراض أي شيء، سوى أن نتمنى لكم أن تتمكنوا من الانتماء إلى “النخبة الحضرية والكاريزمية”.

المقال مترجم ومنشور في وصلة بإذن خاص من The Marker.

366716 5 Women Day Arabic baners 43 1513x188px 72 ppi 1

مقالات مختارة

Skip to content