في قلب مدينة أم الفحم، وتحديداً في منطقة “الشاغور”، افتتحت ميسون مراد جبارين مطعم “التفاح الأخضر”، كأول مطعم مخصّص للسيدات فقط في المجتمع العربي. يُجسِّد المشروع رحلةً بدأت من “الصفر”، ليصل اليوم إلى إعالة 15 عائلة فحماوية، من خلال طاقم نسائي متكامل أثبت أن الإدارة لا تحتاج إلى شهادات جماعية، بل إلى “نَفَسٍ طيّبٍ” وإخلاص في العمل.

من موظفة في محلّ ملابس إلى صاحبة مطعم
قبل 13 عاماً، وتحديداً في عام 2013، أبصر “التفاح الأخضر” النور كأول مطعم للسيدات فقط في المجتمع العربي، يراعي الخصوصية الاجتماعية ويمنح النساء مساحتهن الخاصة. اختارت ميسون اسم “التفاح الأخضر” تيمناً ببرنامج شهير على قناة MBC، ليرمز للأكل الصحي والبيتي. تولدت الفكرة أثناء عملها في محلّ للملابس مع شقيقتها، حيث كانتا ترغبان في تقديم شيءٍ جديدٍ في المجتمع العربي.
في حينها، واجهت ميسون معارضة من بعض أفراد عائلتها، خشية نظرة المجتمع وكلام الناس، لكنّ ميسون أصرّت على التمسك بمشروعها، وبدعم من والدتها وإخوتها، بدأت رحلتها.
من التبولة المالحة إلى “الفاهيتة على طريقة ميسون”
بميزانية متواضعة بلغت 10 آلاف شيكل، انطلق الرحلة بفضل تكاتف العائلة؛ فزوج أختها تولى أعمال النجارة، وشقيقتها تولت الدهان، وصديق أخيها تولى تمديد الكهرباء. المفارقة أن ميسون لم تكن تمتلك أي خبرة في الطبخ، حيث كانت شقيقاتها هنّ المسؤولات عن الطبخ في البيت. “في بداية المشروع كنا أنا وأخواتي نأكل الوجبات التي نطبخها لأنه لم يكن هناك إقبالٌ من الزبائن على مطعمنا”، تقول ميسون، وتروي بابتسامة كيف كانت ردة فعل الزبائن حينها على طبخها الذي لم يكن متقنًا بعد: “صحن التبولة أول مرة طلع مالح، وثاني مرة حامض، والناس كانت تلاحظ”. لكن إصرارها على التعلم جعلها تتطور “خطوة خطوة”، حتى تحولت تلك الأخطاء إلى “خلطة سرية” و”نَفَسٍ” مميزٍ بالكل، جعل الزبائن اليوم يزورونها من رهط والقرى البعيدة.

يشتهر المطعم بتشكيلة واسعة من الأطباق، لكن تظل “لفة الفاهيتة على طريقة ميسون”، التي كانت من أولى الوجبات التي أتقنت ميسون إعدادها، هي الوجبة الأكثر طلباً وشهرة، وهي أساس نجاح المنيو. ويُقدِّم المطعم أيضًا وجباتٍ بيتية يتطلب إعدادها وقتًا طويلاً، مثل الفول، البامية، الشوشبرك، والدجاج المحشي، وهي وجبات يصعب على زبونات المطعم العاملات إعدادها في البيت.
طاقم من “ستات البيوت”: 15 عائلة تحت سقف واحد
تطور المطعم تدريجياً في عدد موظفاته؛ بعد أن اقتصر طاقم العمل في البداية على ميسون وشقيقاتها. ومع زيادة إقبال الزبائن وتوسع العمل، استقطبت ميسون جاراتها ونساء بلدتها ليصل العدد اليوم إلى 13 صبية وسيدتين (بإجمالي 15 موظفة). هؤلاء النساء لسن مجرد عاملات، بل هن “ستات بيوت” فحماويات مسؤولات عن إعالة أسرهن بالكامل من معاشاتهن في المطعم، ما يجعل المشروع شريان حياة لـ 15 عائلة.
يعمل المطعم بنظام “الشفتات” لضمان استمرار العمل من الصباح حتى المساء، وتتنوع أدوار الموظفات داخل المطبخ، بين من تتخصص في “لف الكبة” ومن تبرع في الحلويات، وأخرى مسؤولة عن “الوجبات البيتية الثقيلة”، وثالثة مسؤولة عن الحلويات. هذا التنظيم في العمل وتقسيم الأدوار يضمن الحفاظ على “المتكون” (السر المهني) الذي يميز التفاح الأخضر عن غيره.

تشير جبارين إلى أن المطعم بات اليوم ملاذاً للمعلمات والموظفات اللواتي يعُدن إلى منازلهن في ساعات متأخرة ولا يجدن وقتاً للطهي. ويشكل ذلك جزءًا من رؤية المطعم، الذي يراعي ظروف المرأة في مجتمعنا العربي، ويهدف إلى أن يوفر بيئة آمنة وصحية لهنّ: فالمطعم “للسيدات فقط”، يمنح المرأة خصوصيتها الكاملة في الجلوس والحديث براحة تامة بعيداً عن الاختلاط، وهو ما جعل الأهالي يثقون في المكان كمتنفس آمن للنساء. كما اتخذت ميسون قراراً جريئاً منذ اليوم الأول بمنع “الأرجيلة والدخان” تماماً، ليوفر المكان بيئةً صحيةً ونظيفة، بعيداً عن أجواء المقاهي التقليدية، وهو ما شجع الأمهات على اصطحاب أطفالهن أيضاً.
التسويق والتوسع
عن سر شهرتها التي وصلت إلى “رهط” والقرى البعيدة عن أم الفحم، تعزو ميسون الفضل لوسائل التواصل الاجتماعي. وتقول: “كنت أستحي أطلع على الكاميرا، بس اتضح لي إن السوشيال ميديا هي سبب نجاح جميع المشاريع”. اليوم، يناديها الناس في الشارع بجملتها الشهيرة: “يا ميت وردة على الندى”، التي أصبحت علامتها التجارية عند المتابعين.

ورغم التكاليف وارتفاع أسعار المواد، ترفض ميسون دخول مستثمرين خارجيين، وتُصرّ على أن يبقى “التفاح الأخضر” مشروعاً نسائياً خالصاً. وتخطط ميسون لافتتاح فروعٍ جديدة قريبًا في الطيبة وكفر قرع، إضافةً إلى إنشاء معمل لإنتاج الكبة والمعجنات بتراخيص من وزارة الصحة لتتمكن من توسيع التوزيع.
الرسالة الأخيرة
اليوم، لا تندم ميسون على أي خطوة خطتها خلال هذا الطريق، مؤكدة أن أكبر مكسب لها ليس المال، بل “محبة الناس” التي تعتبرها المكسب الحقيقي لها على مدار 13 عامًا. وتختتم ميسون حكايتها برسالة موجهة للنساء: “أنتِ مش بس للغسيل والجلي، أنت قادرة تعملي كل شيء بنفسك”.
مقالات ذات صلة: “مرض الجلد الفقاعي لم يوقفني.. وصالوني هو رسالتي للناس”












