لم يكن طريق شيماء زياد ججيني (31 عاماً) نحو ريادة الأعمال مفروشاً بالورود؛ فابنة قرية دبورية التي انتقلت للعيش في طرعان بعد زواجها، خاضت معركة مزدوجة: الأولى مع مرض “الجلد الفقاعي” الجيني النادر، والثانية مع سوق عمل لم ينصف كفاءتها المهنية بسبب مظهرها الخارجي. اليوم، تدير ججيني مشروعاً تجميلياً يضم فرعين، مقدمةً نموذجاً في الإدارة الاقتصادية والإرادة.

عقبات التوظيف: المحرك نحو العمل الحر
بدأ المسار المهني لشيماء بمحاولات حثيثة للاندماج في سوق العمل التقليدي، إلا أنها واجهت رفضاً ممنهجاً من قبل أصحاب العمل. تقول ججيني لـ “وصلة”: “كنت أتقدم للوظائف في بلدتي وفي القرى المجاورة، وأقدم سيرتي الذاتية التي تعكس خبرتي، لكن الرفض كان يأتي دائماً بناءً على مظهري الخارجي. كانوا يكتفون بقول ‘سنعود إليكِ’ دون أن يفعلوا ذلك حقًا”.
هذا الإقصاء المهني دفعها لاتخاذ قرار حاسم بالتوقف عن البحث عن وظيفة وتأسيس مشروعها الخاص. عن هذه المرحلة تقول شيماء”: طرقت أبواباً كثيرة للعمل، وكانوا ينظرون إلى شكلي ويتجاهلون خبرتي. حينها قررتُ: أنا من سيفتح المشروع، وأنا من سأدير عملي بنفسي. بدأت بخطوات خجولة، لكنني اليوم أفتخر بما وصلت إليه”.
افتتاح الصالون الأول رغم المخاوف
في ذروة أزمة كورونا والركود الاقتصادي، افتتحت شيماء صالونها الأول في دبورية. ورغم المخاوف التي اعترتها بالبداية من عدم إقبال الزبائن بسبب الجهل بطبيعة مرضها، إلا أنها استطاعت بناء قاعدة زبائن من الدائرة القريبة منها ثم التوسع نحو زبائن جديد. وبعد نحو أربع سنوات من النجاح في الفرع الأول، أدركت شيماء وجود حاجة لصالون مماثل لصالونها في منطقة طرعان (حيث تسكن حالياً)، فافتتحت فرعها الثاني قبل شهر واحد فقط، مستفيدةً من اسمها التجاري الذي بات معروفاً.
تتخصص شيماء في تركيب الرموش، وهو عمل يتطلب دقة عالية ووقت طويلاً. وبفضل الممارسة، استطاعت تقليص وقت الجلسة من 3 ساعات إلى ساعة ونصف فقط، ما ضاعف من أعداد الزبائن الذين تستطيع استقبالهم، وحسّن العائد المادي للمشروع.

التسويق الرقمي كأداة لكسر الحواجز
واجهت شيماء في بداية مشروعها مخاوف من “التنمر” أو “خوف الزبائن” من مرضها، فاعتمدت على السوشيال ميديا كمنصة تسويقية وتوعوية في آن واحد: شاركتْ طبيعة مرضها وتفاصيل حالتها الصحية التي تتسبب بآلام شديدة وتؤدي إلى فقدان الرموش والحواجب، ما حول حالة “الاستغراب” لدى الناس إلى “دعم”. كما تقوم بتصوير مراحل عملها ونشر فيديوهات احترافية، وهو ما يُرسِل رسالة للناس مفادها أن شيماء تجيد عملها جيّدًا، وهو المعيار الأهم لجذب الزبائن. “دعم بعض الصديقات المؤثرات على السوشيال ميديا ساعدني كثيراً في بناء اسمي. اليوم أنا أصوّر شغلي وأنشر فيديوهات لعملي باستمرار، والزبائن يأتون إليّ ليس فقط من أجل تركيب الرموش، بل لأنهم أحبوا شيماء وقوتها”. تقول شيماء.
تؤكد شيماء أنها تتجاهل التعليقات المتنمّرة وتركز على الرسائل الإيجابية التي تخدم نمو عملها: “في طفولتي، كانت معاناتي شديدة جداً؛ لم أكن متقبلة لنفسي ولا لشكلي. لم يكن المجتمع المحيط بي يتقبلني، وكنتُ أسمع كلمات قاسية من الناس. واجهتُ في حياتي تنمراً هائلاً جداً ولا زلت أواجهه حتى اليوم، لكنني قررتُ عدم الاهتمام بالعليقات السلبية والتركيز فقط على الرسائل الإيجابية التي تمنحني القوة”.

دعم العائلة والزوج
“أهلي لم لم يتركوني أبداً طوال حياتي، ودعموني بكل قوتهم حتى وصلت لمرحلة تقبَّلتُ فيها نفسي”، تقول شيماء، التي تنتظر اليوم مولودها الأول، وتضيف مشيرةً إلى دور زوجها (الذي ارتبطت به في أغسطس الماضي) كشريك في الحياة والنجاح المهني: “زوجي تعامل معي كإنسانة متكاملة، لم ينظر يوماً لمرضي أو لمظهري، بل أحب شيماء لذاتها. كان يهون عليّ أوجاعي، وهو من شجعني ودعمني مادياً ومعنوياً لافتتاح فرع طرعان، وكان يرافقني في الدورات التدريبية لتطوير مهاراتي. صالوني كان هو الدافع الأكبر لتعزيز ثقتي بنفسي، وعندما رأيت إقبال الزبائن في دبورية ثم طرعان، شعرت أنني حققت ذاتي فعلاً”.
الطموح المستقبلي والرسالة الإنسانية
لا يقتصر طموح شيماء على صالونها فحسب، بل تسعى لتأسيس “أكاديمية تدريبية” تحت اسمها، تهدف من خلالها إلى نقل خبرتها المهنية لفتيات أخريات، وتمكين النساء اللواتي يواجهن عقبات مشابهة في سوق العمل، وتعزيز حضورها كمؤثرة اقتصادية واجتماعية على منصات التواصل الاجتماعي.
وعن الرسالة الإنسانية التي تؤمن بها، تقول شيماء: “تصلني رسائل كثيرة من أمهات لديهن أطفال يعانون من نفس مشكلتي الصحية، وأنا أحاول جاهدة مساعدتهن وتقديم النصائح لهن لكي لا يقعن في الأخطاء التي وقعت فيها. ورسالتي لكل امرأة فقدت الثقة بنفسها بسبب مظهرها: الجمال ليس كل شيء، نحن من نجمل أنفسنا من الداخل. اهتمي بنفسك، كوني متصالحة مع ذاتك، وآمني بأنكِ جميلة مهما كان شكل جروحك”. وتختتم حديثها قائلةً: “عندما تملكين الثقة، ستتغير نظرة الناس إليكِ من ‘مريضة’ إلى ‘ناجحة رغماً عن كل الظروف‘”.
مقالات ذات صلة: تعرّفوا على عهد الخطيب، حلّاقة أطفال تقص شعرهم على “التريند”












