
في قلب مدينة كفر مندا، تعيد عهد الخطيب، تعريف مهنة حلاقة الأطفال في المنطقة. عهد التي كانت في طريقها لتصبح محامية، اختارت أن تتبع شغفها وتصبح “حلاقة أطفال”، مدفوعة بدعم لا محدود من والدتها التي تبلغ من العمر 52 عاماً، والتي كانت الحصن والداعم الأول لها في غياب والدها المتوفى.
نجحت عهد في تحويل صالونها إلى “حيّز دافئ” يجمع بين البهجة والاحترافية، حيث استبدلت كراسي الحلاقة التقليدية بسيارات كهربائية ملونة تُدخِل الطفل في أجواء المغامرة وتزيل خوفه من الحلاقة. ويطغى على التصميم ألوان الأصفر والزهري والأزرق السماوي مع إضاءات “نيون” وردية خلف المرايا المقوسة، ما يضفي لمسة من الأناقة. كما يوجد مساحة آمنة مجهزة بالألعاب وشاشات تعرض فيديوهات للأطفال، لتوفير تجربة مريحة للأهالي والأطفال.
“تقول لي العديد من الأمهات إنهنّ يحضرن لأول مرّة حلاقة أبنائهن. في السابق كنّ ينتظرن في الخارج، الآن حتى الجدّات يأتين لمشاهدة حفيدهنّ وهو يحصل على أوّل قصّة شعر له”
تقول عهد خطيب في حديثها مع وصلة:” أنا عهد الخطيب، عمري 20 سنة من الناصرة، ومحل الحلاقة موجود في كفر مندا. اخترت كفر مندا لأن المدينة تتطور يومًا بعد يوم، وأصبحت الآن مركزاً تجارياً بزوّار أكثر من الناصرة. ويوجد سبب آخر دعاني لاختيارها، أن أمي من كفر مندا”.
من المحاماة إلى الحلاقة: تغيير 180 درجة
وعن تغيير مسارها المهني من المحاماة إلى الحلاقة، تقول عهد: “لم أكن أفكر في هذه المهنة من قبل. في البداية، كان واضحًا أن مساري المهني سيكون في مجال المحاماة، لكن مساري تغيّر 180 درجة، بسبب محادثة بين زوجة أخي وأمي عن حلاقة الأطفال. فبسبب كثرة مشاغل أخي، لم يكن يجد الوقت لأخذ أطفاله إلى الحلّاق، فتمنت زوجته لو كان هناك صالون حلاقة تديره فتاة، لتأخذ أطفالها إليه وتشعر بالراحة فيه. ومن هنا تولّدت فكرة الصالون لديّ”.
وعن اختيارها أن تكون حلّاقة للأطفال تحديدًا، تقول عهد: “أحبّ الصغار وأجيد التعامل معهم، إذ أجد فيهم شيئاً يشبهني، ولا أزال أحتفظ ببراءة الطفولة. ويُسهِّل صغر سنّي التواصل معهم”.
موقف العائلة ورأس المال ونظرة المجتمع
وعن تقبّل عائلتها لمهنتها الجديدة، تقول عهد: “في البداية، لم يتقبل أخي الفكرة بالكامل. من منطلق أن المهنة ‘للشباب’، لكن عندما رآني أتطور في هذه المهة وأدرك حبّي لها، تغيرت نظرته كثيرًا، ودعمني ووقف إلى جانبي”.
تقول السيدة ليلى خطيب والدة عهد: “نحن كأهل دعمناها بقوة، بالرغم من أن الناس في البداية استغربت أن تعمل فتاةٌ في الحلاقة. بدأ هذا المشروع بغرفة صغيرة مستأجرة في حي شعبي، وعندما بدأ المشروع بالتوسع انتقلنا إلى هذا المشروع الأكبر والأكثر تنظيمًا”.

وتضيف والدة عهد: “كلفتنا المحلقة مبلغاً كبيراً، لكن لم يكن ذلك همنا الأول، بل أردنا خلق بيئة مريحة للطفل لكي لا يخاف، ووفرنا ركناً للقصص والألعاب. تستخدم عهد أساليب ذكية للتعامل مع الأطفال، مثل إعطائهم ماكينة معطلة للعب بها، وتقديم الشوكولاتة لهم، واختيار أغاني يحبونها”.
“الأطفال يأتون وهم يعرفون أي قَصَّةِ شعر يريدون لأنهم يتابعوني، وهم يُحبّون الألوان مثل اللون الأزرق. يطلب منّي الطفل قصّة شعر ‘ترند’ ويتصور ويشاهد نفسه على تيك توك”
واجهت عهد في البداية تحديات اجتماعية، تتعلق باعتبار بعض الوظائف لا تصلح للنساء.. أو حتى للمحجبات، تقول عهد: “في البداية، كان هناك تحدي نفسي لصعوبة المجال، إضافة إلى التحدي الاجتماعي الناجم عن نظرة المجتمع. سمعت تعليقات سلبية مثل ‘هل ستحلقين لرجال بعمر 30 و40 سنة؟’ أو ‘بنت محجبة وبتحلق؟’ لكنني كنتُ أتجاهل هذه التعليقات المنتقدة وأمضي قدماً”.
طفل التوحد: التحدي الذي صنع الفارق
وعن تجربتها الأولى في الحلاقة للأطفال، تقول عهد:” أول طفل حلقت له كان طفل ‘توحد’، وكانت خبرتي معدومة في التعامل مع أطفال التوحد. استغرقت حلاقة شعره ساعتين تقريباً. كانت هذه أول تجربة حقيقية واجهتها في مجال الحلاقة. كنت مترددة وخائفة، فلم تكن لديّ معرفة كافية عن كيفية التعامل مع أطفال التوحد، لكن أمي ساعدتني، لأنها تحمل لقبين في الإدارة التربوية، وهي مديرة أعمالي وكل شيء في حياتي”.
تجربة فريدة و “ترندات” تخطف الأنظار
حصلت عهد على تشجيع كبير من الأهالي، الذين رأوا في افتتاح محلقة مخصصة للأطفال تديرها شابة صغيرة تجربة جديدة، تقول عهد: “أحبّ أهالي الأطفال فكرة أن تحلق فتاة لأطفالهم، تجيد القصات الجديدة، فلا يتقن جميع الحلّاقين الرسم (الترند الجديد). تخطر لي دائماً أفكارٌ جديدة (رسمة سبايدرمان، باتمان)، الأطفال يأتون وهم يعرفون أي قَصَّةِ شعر يريدون لأنهم يتابعوني، وهم يُحبّون الألوان مثل اللون الأزرق. يطلب منّي الطفل قصّة شعر ‘ترند’ ويتصور ويشاهد نفسه على تيك توك”.
“هذه البيئة التي خلقتها عهد هي سر سعادة الأهل. قالت لي العديد من الأمهات إنهنّ يحضرن لأول مرّة حلاقة أبنائهن. في السابق كنّ ينتظرن في الخارج، الآن حتى الجدّات يأتين لمشاهدة حفيدهنّ وهو يحصل على أوّل قصّة شعر له”، تقول والدة عهد.

وعن كيفية الحفاظ على تميزها في هذا المجال الذي تكثر فيه المنافسة، تقول عهد:” بالتميز، وبتقديم محتوى هادف ومسلٍ للأهل والأطفال. وبالبحث الدائم عن أفكار جديدة”.
الحياة الاجتماعية والتطوّر المهني
وحول تأثير مهنة الحلاقة على حياتها الشخصية، قالت:” في البداية كان الأمر صعباً لأني صغيرة، وأغلب وقتي حالياً مخصص للعمل، لقد ابتعدت قليلاً عن حياتي الاجتماعية لأن تركيزي مُنصبّ بالكامل على مسيرتي المهنية”.
وحول تطوّر مهاراتها في التعامل مع الأطفال، وخصوصاً أطفال التوحد، تقول عهد: “تطوّرت مهاراتي كثيراً مع الوقت. وأصبحت أجيد أتعامل بشكل أفضل مع الأطفال، وخصوصاً أطفال التوحد. أعرف كيف أضبط إيقاعي أثناء الحلاقة، متى أُسرِع ومتى أُبطئ، ومتى أجعل الطفل يرتاح قليلاً. الأهل ينبهرون عندما يرون ابنهم (المتوحد) لا يبكي، وهذا يترك أثراً فيهم أثراً كبيراً“.
طموح يعانق “دبي” وكلية للمستقبل
وحول قدرة المحلقة على الاستمرار، قالت عهد: “نعم الحمد لله، افتتحنا المحل منذ سنة وستة أشهر (في شهر سبتمبر 2023)، وبالرغم من ظروف الحرب، إلا أننا لم نتأثر كثيراً لأننا بنينا قاعدة زبائن مخلصين يأتون كل أسبوعين”.
وردا على سؤالنا حول اذا كانت تذهب للحلاقة في البيوت وعن عدد الفروع لديها، قالت: “لا أذهب للبيوت. وحالياً هذا هو الفرع الوحيد، لكن طموحي وأهدافي أن أفتح فرعاً في دبي، لأنها دبي هي حلمي منذ الصغر، وتمتلك بيئة مشجعة لرجال وسيدات الأعمال، وأطمح بالتقدم هناك”.
في هذا السياق، تقول والدة عهد: “نحن فكرنا جدياً في التوسع والآن يطلبون منا فتح فروع لأن الزبائن يأتوننا من الشمال ومن الجنوب (بئر السبع والقدس)، يقطعون ساعات في الطريق لأجل عهد”.
وعن خططها الأخرى للتوسع، تقول عهد: “أنا أُدرِّب شابات مثلي، وفتحتْ الكثيرات منهنّ محلات وتميزن. أُحبُّ تعليم الآخرين، وأُعطي من كلّ قلبي. طموحنا المستقبلي هو بناء كلية كبيرة لتخريج وتعليم الشابات”.

“اصعدن سلم النجاح درجة درجة”
“أشجع كل صبية لديها هدف وطموح أن تسعى لتحقيقه بقوة. سلم النجاح متعب ويجب صعوده درجة درجة، وفي كلّ خطوةٍ نتعلم شيئاً جديداً، وذلك يساعدنا في النمو والتقدّم”، تقول عهد.
وتختتم حديثها مع وصلة بتوجيه هذه الرسالة لمن يرغب في دخول هذه المهنة: “يجب أن تكونوا حنونين مع الأطفال، خاصة وأن هناك أطفالاً يأتون مع آبائهم لأنهم فقدوا أمهاتهم. كونوا طيبي القلب، واسعوا لتحقيق أهدافكم بكل حب وعفوية وبدون تصنع”.
مقالات ذات صلة: النساء العربيات يقدن، حرفيا، ثورة في مجال سياقة الباصات












