الأربعاء, يناير 28, 2026 03:33
/
/
المجتمع العربي دفع ثمن نقص الميزانيات بالفعل، والآن يُطلب منه دفع الثمن مجددًا

المجتمع العربي دفع ثمن نقص الميزانيات بالفعل، والآن يُطلب منه دفع الثمن مجددًا

أيقون موقع وصلة Wasla
איגוד התעשיינים - גיוס עובדים - דצמבר
فداء شحادة، الصورة: صفحتها على فيسبوك
فداء شحادة، عضوة بلدية اللد سابقًا والناشطة في حراك “تأثير”. الصورة: صفحتها على فيسبوك

 

كان من المفترض أن تُشكِّل الخطة الخمسية (550)، التي أقرتها الحكومة عام 2021، نقطة تحول في العلاقات بين دولة إسرائيل ومواطنيها العرب. فعلى مدار عقود، تراكمت فجوات عميقة في التعليم، والتوظيف، والصحة، والرفاه، والتخطيط، والإسكان. ولم تنشأ هذه الفجوات بفعل الصدفة، بل كانت نتيجة سياسة مستمرة من نقص التمويل والإهمال المؤسسي تجاه خُمس سكان البلاد.

يحاول الوزيران إيتمار بن غفير وماي جولان تحويل ميزانيات الخطة الخمسية من مجالات هامة، مثل التعليم والرفاه والصحة والثقافة، إلى الشرطة والشاباك. بهذا، يرسل الوزيران رسالة للمجتمع العربي بأن التمييز ضد المجتمع العربي وعرقلة خطوات تطويره مستمران، ويثبت الوزيران أن الحكومة لا ترى في المجتمع العربي سوى هدف للملاحقة الأمنية. فبعد أن واجهت خطة الوزيرين لاقتطاع 2.5 مليار شيكل من ميزانيات الخطة وتحويلها للشرطة معارضة شديدة، جرى تمرير اقتطاع 220 مليون شيكل خلال اجتماع الحكومة، ويبدو أن ذلك مجرد البداية فحسب.

איגוד התעשיינים - גיוס עובדים - דצמבר

“عندما يتم إغلاق مئات البرامج، يتولّد ذلك الفراغ الذي تعود لتملؤه من جديد عصابات الجريمة.”

حريٌ بنا هنا أولًا أن نوضح الخلفية التاريخية للخطة الطموحة التي توقفت في منتصفها: قبل الخطة الخمسية، شكّل قرار الحكومة 922 الذي أُقر عام 2016 بداية التغيير، إذ اعترفت الدولة للمرة الأولى بشكل رسمي بأن الفجوات لن تتقلّص من دون تدخل حكومي حقيقي يرصد ميزانييات على مدى عدة سنوات. أما القرار 550 الذي صودق عليه عام 2021 فكان من المفترض أن يكون الخطوة التالية والأكثر تقدمًا، لا فقط لتصحيح مظالم الماضي، بل لبناء بنية تحتية اجتماعية على المدى الطويل قادرة على تغيير مسار تطور المجتمع العربي بأكمله نحو الأفضل.

أحد العوامل الأساسية التي سرعت إعداد هذه الخطط كان الضغط الدولي. فمنذ انضمام إسرائيل لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) عام 2010، وجدت إسرائيل نفسها عدة مرات أمام حقيقة غير مريحة في تقارير المنظمة: الفجوات بين اليهود والعرب هي من الأعمق بين الشعوب في الدول المتقدمة. وأشارت المنظمة الاقتصادية الدولية بوضوح إلى أن أي دولة تطمح لأن تُعتبر ديمقراطية ومتقدمة وعادلة، لا يمكنها أن تسمح لنفسها بإهمال مواطنيها العرب بشكل ممنهج. أرادت إسرائيل أن تَظهر للعالم كدولة تلتزم بمبدأ تكافؤ الفرص، ليس فقط في القوانين بل في توزيع الميزانيات أيضًا. وأفضى هذا الضغط الخارجي إلى إعداد القرار 922 ومن ثمّ قرار 550، وهما خطّتان شاملتان هدفتا لإجراء إصلاح حقيقي وتغيير عمق، وإرسالة رسالة أيضًا للمجتمع الدولي بأن إسرائيل تلتزم بمعايير العدالة الاجتماعية والتطور للجميع.

الخطة الخمسية التي كان من المفترض أن تُحدث تغييراً

لفهم عمق الأزمة الناجمة عن مساعي الوزيرين جولان وبن غفير اليوم، يجب العودة إلى الأسس التي بُني عليها قرار الحكومة 550 وإلى الرؤية التي كانت تقف خلفه. فخلافاً للرواية التي يحاولان الترويج لها اليوم، لم تكن الخطة مجرد مبادرة سياسية لإحدى الحكومات الإسرائيلية السابقة أو ‘منحة لفئة مجتمعية معينة’، بل كانت نتيجة مباشرة لعمل حكومي مهني واسع قاده رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو نفسه منذ عام 2019.

لقد قامت لجنة حكومية مشتركة بين الوزارات، ضمت مديرين عامين لوزارات حكومية، ورؤساء أجهزة إنفاذ القانون، وخبراء في الشأنين الاجتماعي والاقتصادي، بدراسة ظاهرة الجريمة والعنف في المجتمع العربي بشكل معمق. وكانت نتيجة هذه الدراسة واضحة لا لبس فيها: الجريمة لا تنشأ من فراغ، بل تتغذى على نقص الأطر المخصصة للشباب، وغياب فرص العمل النوعية، والفجوات في الوصول إلى الخدمات، وضعف التخطيط في الأحياء والبلدات، وانعدام البنية التحتية الرياضية والثقافية، والتمييز في القروض التجارية والإسكانية، وأنظمة الصحة والرفاه التي تفشل في تقديم الحلول. وحيثما تغيب الدولة، تحلّ عصابات الجريمة؛ التي تقدم قروضًا في السوق السوداء، وتسيطر على المناقصات، وتوفر ‘حلولاً’ بدلاً من خدمات الرفاه والشرطة، وتراكم قوة اقتصادية واجتماعية في الأماكن التي يسود فيها الإهمال المؤسسي.

الوزيرة ماي جولان والوزير إيتمار بن غفير في الكنيست. تصوير: داني شيم طوف، الناطق بلسان الكنيست.
الوزيرة ماي جولان والوزير إيتمار بن غفير في الكنيست. تصوير: داني شيم طوف، الناطق بلسان الكنيست.

 

بناءً على هذه الرؤية، تم وضع خطتين متكاملين: القرار 549 – وهو خطة خمسية للحد من الجريمة والعنف تركز على أجهزة إنفاذ القانون؛ والقرار 550 – وهو خطة خمسية لتنمية المجتمع العربي وتقليص الفجوات تركز على عوامل التنمية المجتمعية. الفكرة الكامنة وراء الخطتين كانت بسيطة ودقيقة في الوقت ذاته، وهي أن المعالجة الحقيقية للجريمة تعتمد على ثلاثة عناصر ذات أهمية متساوية وهي (الإنفاذ، والوقاية، وخلق أفق تنموي مستقبلي). فلا يمكن الحديث بجدية عن محاربة الجريمة في ظل غياب أطر داعمة للشباب المعرضين للخطر وغياب التأهيل المهني للشبان العاطلين عن العمل، وعدم وجود مواصلات عامة تربط البلدات بمراكز التشغيل وضعف البنى التحتية التعليمية والثقافية وعدم إتاحة خدمات الصحة والرفاه.

بعد بدء التنفيذ الجزئي للقرار 549 عام 2022، سُجّل للمرة الأولى منذ نحو 10 سنوات تراجع في عدد القتلى في المجتمع العربي. عندما تتدخل الدولة تبدأ الجريمة بالتراجع. وجاء القرار 550 ليستكمل هذا المسار من خلال الاستثمار في التعليم الرسمي وغير الرسمي، وتحسين الخدمات الصحية، وإقامة مراكز تشغيل وتأهيل، وتنظيم التخطيط في البلدات العربية، وتطوير مناطق صناعية، وتوفير المواصلات العامة، وتعزيز السلطات المحلية العربية كي تتمكن من العمل مثل أي سلطة ممولة أخرى في الدولة.

“هذه الاقتطاعات لا تتعلق بالميزانية فحسب، بل ستؤثر على علاقة الدولة بالمواطنين العرب لسنوات طويلة.”

أظهرت السنوات الأولى لتطبيق الخطة بوادر حقيقية للتغيير؛ ففي المدارس، افتُتحت برامج لمنع التسرب الدراسي، وبدأت حركات الشبيبة بالعمل بانتظام في بلدات غابت عنها هذه الأنشطة لعقد من الزمان تقريبًا، وأُنشئت صفوف تعليمية متخصصة للطلاب الأكثر عرضة للتسرّب، وأُدخلت تخصصات التكنولوجيا (STEM) والهايتك. كما أقيمت مراكز للابتكار التكنولوجي، وتوسعت الخدمات الصحية للنساء، ومُددت ساعات العمل في العيادات، وعملت مراكز تشغيل مخصصة للشباب والنساء في الشمال والنقب. وفي السلطات المحلية، افتُتحت وحدات صحية جديدة، وعُززت أقسام الرفاه، وزاد عدد الموظفين في أقسام الهندسة، وأصبحت عمليات اتخاذ القرار أكثر مهنية ومنهجية. حتى تقارير الحكومة نفسها أشارت إلى أن الخطة 550 كانت واحدة من أكثر القرارات الحكومية نجاحًا من حيث نسب التنفيذ من بين كافة الخطط الخمسية.

ماي جولان وتقليصات “السلّامي” (التقليص التدريجي)

منذ تولي وزيرة المساواة الاجتماعية ماي جولان منصبها مطلع عام 2024، تعرضت الخطة الخمسية 550 لسلسلة من الإجراءات المتراكمة، العلنية والسرية، التي أضعفتها بشكل مستمر، وحوّلتها من خطة تطوير متعددة السنوات إلى خطة تجد صعوبة في الصمود سنة واحدة. من الصعب الحديث عن ضربة واحدة محددة، لأن الخطة استُهدِفَت على عدة جبهات في الوقت نفسه: اقتطاعات رسمية، تحويلات في الميزانيات، تجميد تنفيذ، وتجفيف منهجي أدى إلى عدم وصول مئات الملايين إلى وجهتها النهائية أصلًا.

كانت الخطوة الأولى في عام 2024، عندما جرى تقليص ميزانية الخطة 550 بنسبة 15%، وهو ما يعادل ثلاثة أضعاف الاقتطاع العام الذي فُرض على كافة الوزارات الحكومية في ذلك العام. كانت هذه هي المرة الأولى التي يظهر هذا الاتجاه الواضح، بأنّ الخطة لا تُمول بناءً على احتياجات مهنية، بل وفقاً لأجندة سياسية. وفي نفس العام، جرى أيضًا اقتطاع 66 مليون شيكل، حُوِّلت من ميزانية الخطة إلى أهداف أخرى، من دون إجراءات مهنية ومن دون تنسيق مع السلطات المحلية.

كرفانات تستخدم كغرف تدريسية في مدارس النقب.
كرفانات تستخدم كغرف تدريسية في مدارس النقب – الصورة: مركز مساواة

 

لكن إلى جانب التقليصات الرسمية، وقع ضرر لا يقل خطورة وهو: تجفيف الميزانيات. فمنذ نهاية عام 2024، لم تقم وزارة المالية بتحويل الميزانيات المكمّلة للخطة 550، وهي جزء أساسي لضمان تنفيذها. وفي الوقت نفسه، أوقفت جولان عمل اللجنة الدائمة، وهي الجهة المسؤولة عن تذييل العقبات بين الوزارات وتمكين السلطات المحلية من الحصول على الأموال المخصصة لها. وهكذا نشأ وضع تُموَّل فيه الخطة على الورق فقط، لكنها مشلولة فعليًا، ولا تستطيع السلطات المحلية الاستفادة من الميزانيات.

شهد عام 2025 تصعيداً إضافياً؛ ففي بدايته جرت محاولة لاقتطاع 330 مليون شيكل من الميزانيات المخصصة للتعليم والرفاه والتشغيل في المجتمع العربي، وهي المحاولة التي تم صدها بفضل معارضة مهنية واسعة.  لاحقاً في نوفمبر، جرت محاولة أشد خطورة، تمثلت في مقترح “غولان-بن غفير” لتحويل 2.5 مليار شيكل من ميزانيات الخطة 550 لصالح الشرطة والشاباك تحت مسمى “خطة محاربة الجريمة”. هذا المقترح لا يعد مجرد تقليص، بل هو تفكيك بنيوي لاستثمارات أساسية شاملة لصالح المواطنين العرب واستبدالها بخطة ضيقة ومحصورة في جانب بعينه.

هكذا، وخلال أقل من عامين، واجهت الخطة 550 تقليصاً بنسبة كبيرة جدًا، وتجميد ميزانيات بمئات ملايين الشواكل، ومحاولة فاشلة لاقتطاع 330 مليون شيكل، ثم محاولة أخرى لتحويل 2.5 مليار شيكل للشرطة والشاباك، وصولاً إلى القرار الذي تم تمريره لاقتطاع 220 مليون شيكل إضافية.

في الوقت نفسه، تراجع العمل المهني داخل مؤسسات الدولة. موظفون مختصون من سلطة التطوير الاقتصادي توقفوا عن المشاركة في جلسات الكنيست، والتنسيق المهني بين الوزارات الحكومية ضعف، ولم تعد هناك رقابة حقيقية من الجمهور. بالتزامن مع ذلك، فكّك وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير أجزاء أساسية من الخطة 549، وهي الخطة التي ساهمت في خفض عدد الضحايا عام 2022. الأموال التي كانت مخصصة لمواصلة العمل المنظم ضد عصابات الجريمة جرى تبديدها، وبدلًا من سياسة طويلة الأمد لمحاربة الجريمة، اكتفى الوزير بالخطابات القوية، من دون حلول حقيقية على المدى البعيد.

إغلاق البرامج وتفكك شبكات الدعم الاجتماعية

يُعد التقليص الذي تمت المصادقة عليه في الخطة 550 أحد أخطر الخطوات تجاه المجتمع العربي في العقد الأخير؛ فهو ليس مجرد تعديل إداري يستهدف تغيير النسب والأرقام في الميزانية، بل هو تفكيك لشبكة كاملة من البنية التحتية الاجتماعية التي بُنيت بجهد كبير. ففي مجال التعليم، يعني هذا توقف أو إغلاق برامج تعتمد عليها العديد من المدارس، مثل: تعزيز تعليم اللغة العبرية، وصفوف مخصّصة لطلاب معرضين لخطر التسرّب من المدارس، والتخصصات التكنولوجية، وبرامج (STEM) في العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، وأطر التعليم غير الرسمي، وحركات الشبيبة، والمراكز الجماهيرية، ومعاهد القيادة. وبالنسبة للفتية والفتيات في البلدات التي تفتقر للبدائل، فإن هذا يعني الفراغ من جديد: يوم دراسي قصير، غياب للأنشطة المسائية، وحيّز عام لا يقدم أي أفق مستقبلي.

أما في قطاع الرفاه، فإن الضرر أشد قسوة، حيث يواجه 300 برنامج خطر الإغلاق، بما في ذلك نوادي الشباب، ومراكز دعم الفتيان والفتيات المعرضين للخطر، و”دفيئات” مخصصة للعائلات المتعثرة، وبرامج استنفاد الحقوق التي ساعدت عشرات آلاف المواطنين في التغلب على التعقيدات البيروقراطية. إن فصل الأخصائيين الاجتماعيين، وإغلاق المراكز، وتقليص الاستجابات الحيوية، يعني تفكك الغطاء الاجتماعي وشبكات الدعم التي تحمي الأطفال والنساء والعائلات المعرضة للخطر. وبدلاً من مكاحفة العنف كما هو مُعلَن، من المتوقع أن تؤدي نتائج هذه التقليصات إلى توسيع نطاقه وتفاقمه.

Nazareth 5890958226
طلاب مدارس في الناصرة. صورة توضيحية، لا علاقة للأشخاص بالصورة بمحتوى المقال- الصورة: ويكيميديا

 

وفي القطاع الصحي يبدو المشهد مشابهاً؛ حيث يُتوقع أن يؤدي التقليص إلى تقليل ساعات العمل في العيادات، وإلغاء أو تقليص برامج وقائية أساسية مثل الفحوصات الطبية النساء، وتراجع في خدمات صحة الطفل، وإلى تراجع الاهتمام بالصحة النفسية والسكري والسمنة، وهي مجالات يعاني فيها المجتمع العربي أصلاً من أوضاع أصعب مقارنة ببقية السكان. كما تواجه وحدات الصحة البلدية، التي أُسست في السنوات الأخيرة بفضل القرار 550، خطر الإغلاق، ما سيؤدي إلى توسيع الفجوات الصحية التي سبق وأن أعلنت الدولة نيتها تقليصها.

أما مجالات التشغيل والابتكار، التي كان من المفترض أن تكون المحرك الأساسي لدمج المجتمع العربي في الاقتصاد الإسرائيلي، فقد تضررت بشكل يكاد يوقف التقدم فيها تماماً. فمراكز التوجيه المهني مهددة بالإغلاق، ودورات اللغة العبرية للباحثين عن عمل لم تعد موجودة، والتدريبات المهنية في التخصصات المطلوبة توقفت، كما تعطلت المبادرات الرامية لدمج الشباب والشابات العرب في قطاع الهايتك. وفي الوقت الذي يحتاج فيه الاقتصاد الإسرائيلي إلى أيدٍ عاملة ماهرة للحفاظ على تنافسيته ونموه، تختار الدولة إبعاد عشرات آلاف الشباب العرب عن هذا المسار.

التخطيط والإسكان والمواصلات تتضررت هي الأخرى؛ فبدون ميزانيات لتعزيز أقسام التخطيط والبناء وبدون توفير مرافقة مهنية لعمليات التخطيط، ستتفاقم أزمة السكن في المجتمع العربي. كما أن مشاريع المواصلات العامة -مثل فتح شوارع داخل البلدات وتحسين خطوط الحافلات ومحطات القطار- قد تتوقف أو تتعطل، ما يقلل من وصول السكان إلى أماكن العمل والجامعات والكليات والمعاهد والعيادات والمستشفيات. وفي مجالي الرياضة والثقافة، قد تتحول المنشآت التي بُنيت في السنوات الأخيرة إلى “مبانٍ مهجورة”، أي منشآت قائمة بلا ميزانية للتشغيل والصيانة، بينما قد تبقى المؤسسات الثقافية المخطط لها، كصالات العرض ودور السينما ومعاهد التمثيل، مجرد حبر على ورق.

وعندما يتم إغلاق مئات البرامج في مجالات الرفاه والشباب والتشغيل والتعليم والصحة دفعة واحدة، يتولّد ذلك الفراغ الذي تعود لتملؤه من جديد عصابات الجريمة التي حاولت الدولة إبعادها. إن تراجع دور الدولة، ونقص الخدمات، وغياب الفرص، يؤدي إلى إفساح المجال للعصابات لتعزيز سيطرتها داخل المجتمع.

من المهم أن يعرف القارئ اليهودي هذه الحقيقة بوضوح: إن الاستثمار في المجتمع العربي لا يشكل منفعة لفئة سكانية بعينها، بل هو استثمار في دولة إسرائيل بأكملها. اقتصاديون بارزون، بمن فيهم محافظ بنك إسرائيل الحالي والمحافظون السابقون للبنك، يحذرون من أن الاقتصاد الإسرائيلي لن يتمكن من النمو على المدى البعيد من دون رفع معدلات التشغيل والإنتاجية في المجتمع العربي. إن نظاماً صحياً أقوى في البلدات العربية يخفف الضغط عن مستشفيات المركز. وعندما يكون النظام التعليمي أفضل، تتراجع معدلات التسرب والعنف والجريمة حتى في المدن المختلطة. كما أن تنظيم التخطيط والإسكان يحدّ من البناء غير القانوني وما يترتب عليه من نزاعات ومشاكل. ووجود مواصلات عامة أفضل يسهل الربط بين البلدات العربية ومراكز العمل والتعليم والخدمات في المركز. لا يمكن لأي دولة أن تسمح بوجود عشرات البلدات التي تعاني من معدلات مرتفعة من المرض والفقر والبطالة من دون أن تدفع ثمنًا اقتصادياً واجتماعياً باهظاً لإهمالها.

2
مظاهرة لسكان اللد ضد الجريمة في المدينة، عام 2023. تصوير: بيا بار كلوش، بلطف من موقع شومريم

 

وللقارئ العربي، أوجّه هذه الرسالة: هذه معركة على المستقبل، وليست مجرد نقاش حول بند في الميزانية. لم تكن الخطة 550 صدقة من الحكومة، بل كانت الخطوة الأولى لمعالجة قضية تاريخية تتمثّل في غياب المساواة الذي تراكم عبر عقود. تقليص ميزانية الخطة ليس تفصيلاً ثانوياً أو مجرّد نقاش عادي عن “تعديلاتٍ في الميزانية”، بل هو محاولة لتقليص مسؤولية الدولة تجاه المجتمع العربي مجدداً، وإلغاء الإنجازات التي تحققت عبر سنوات من النضال الشعبي والسياسي. لقد دفع المجتمع العربي بالفعل ثمن نقص الميزانيات -من خلال نقص البنية التحتية وتفشي الجريمة وغياب الخدمات الأساسية- والآن يُطلب منه أن يدفع ثمن هذه التقليصات أيضاً.

دولة رفاه اجتماعي أم دولة شرطة؟

في نهاية المطاف، لا تقتصر المسألة على مصير قرار الحكومة 550 فقط، بل يتعلق الأمر بسؤال أعمق: أي دولة تريد إسرائيل أن تكون؟ دولة تدرك أن الاستثمار في المواطنين العرب هو استثمار في الأمن والاقتصاد والاستقرار للجميع، أم دولة تفضل التسلح بمزيد من أدوات إنفاذ القانون والكاميرات وآليات الرقابة، في الوقت الذي تُضعف فيه مقوّمات الحياة الأساسية مثل التعليم، الصحة، الرفاه، الإسكان والتشغيل؟

تقليص خطة 550 ليس خطوة مهنية مدروسة بل إعلان سياسي؛ فهو يبعث برسالة للمجتمع العربي مفادها أنه لا يُنظر إليه كشريك بل كـ “مشكلة”. وفي مجتمع تتصاعد فيه أصلاً مشاعر التهميش واليأس وانعدام الثقة، يصبُّ هذا التقليص وقوداً على النار المشتعلة بالفعل. إن الاستثمار الاجتماعي ليس ترفاً ولا هدراً للأموال، بل هو الأداة الأكثر فعالية والأقل تكلفة والأكثر أماناً لخلق مجتمع مستقر ومزدهر.

ولا تقتصر المسألة على حجم المبالغ المقتطعة، فالطريقة التي اتُخذ بها القرار توجّه رسالةً أخطر. فلقد تمت المصادقة على تقليص 220 مليون شيكل من الخطة الخمسية 550 بشكل مفاجئ، دون أن يكون مدرجاً في جدول الأعمال الرسمي لاجتماع الحكومة، ودون أي نقاش عام أو حوار مهني حقيقي.

هذه سياسة تهدف إلى إضعاف برنامج مدني، لا عبر نقاش علني أو قرار واضح، بل عبر إجراء يجري الترويج له على أنّه مجرّد إجراء إداري بسيط، بينما يُشكّل في الحقيقة تغييرًا خطيراً في أولويات الدولة. الأموال التي جرى اقتطاعها أُخذت من المجتمع العربي وحُوّلت إلى الشرطة والأجهزة الأمنية، في رسالة واضحة مفادها أنه حتى عندما تعترف الدولة بوجود الفجوات بين مواطنيها، وحتى عندما تلتزم بتقليص هذه الفجوات بقرار حكومي، فإن هذا الالتزام قابل للإلغاء بسرعة ودون شفافية. هذا ليس فشلاً موضعياً، بل خيار سياسي يوضح من تراه الدولة شريكاً مدنياً، ومن تستمر في رؤيته كمشكلة أمنية. ولذلك فإن هذه الاقتطاعات لا تتعلق بالميزانية فقط، بل ستؤثر على علاقة الدولة بالمواطنين العرب لسنوات طويلة.

تسييس جهاز الشرطة يحد من مكافحة الجريمة والخاوة في المجتمع العربي، صورة توضيحية، المصدر: شرطة إسرائيل بالعربية على فيسبوك
“هذه التقليصات توضح من تراه الدولة شريكاً مدنياً، ومن تستمر في رؤيته كمشكلة أمنية”، الصورة: صفحة الشرطة على فيسبوك

 

عندما تختار حكومة تقليص مقومات الحياة الأساسية لشريحة كامل من السكان، وتحويل الأموال إلى الأجهزة التي تكمن مهمتها في استخدام القوة، فهي لا توفّر المال، بل تكرّس التمييز والعنصرية، وتعمّق الشرخ بين الدولة ومواطنيها، وهو الشرخ الذي ساهمت هي نفسها في خلقه وتعزيزه.

كان بإمكان إسرائيل أن تختار طريقاً مختلفًا: يشمل توسيع الخطة، وتحديثها، وتعديلها وإصلاحها عند الحاجة، والاستمرار في بناء أحد أهم محركات النمو لديها. بدلاً من ذلك، تختار الدولة التقليص والاقتطاع والإضعاف. في نهاية المطاف، سيدفع الجميع الثمن: اليهود والعرب، المركز والأطراف، البلدة العربية والمدينة اليهودية المجاورة. في مجتمع يعاني من أضرار بالغة بالفعل، آن الأوان لكي نفهم أن المستقبل لا يُبنى بالخطابات الرنانة وبتمرير ميزانيات قصيرة الأمد، بل بالاستثمار المنهجي في الناس والمجتمعات. أنا كمواطنة عربية في الدولة أكتب هذه الكلمات ليس بدافع القلق على البلدات العربية، بل من منطلق القلق على مستقبلنا المشترك جميعاً.

*الكاتبة عضوة بلدية اللد سابقًا وناشطة في حراك “تأثير” لتطوير قيادة محلية لمحاربة الجريمة.

**المقال مُترجم ومنشور في وصلة بإذن خاص من موقع Sabra

איגוד התעשיינים - גיוס עובדים - דצמבר

مقالات مختارة