
يثير التقدم السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي مخاوف متزايدة بين الموظفين في قطاع الهايتك بشأن مستقبل وظائفهم، بعدما كان تسريح الموظفين يُنظر إليه سابقًا باعتباره أزمة مؤقتة يمكن تجاوزها بالانتقال إلى وظيفة أخرى داخل القطاع. أما اليوم، فيخشى كثيرون أن يؤدي تقليص الوظائف بسبب الذكاء الاصطناعي إلى صعوبة العودة إيجاد وظيفة أخرى في هذا القطاع، ما دفع بعضهم إلى إعادة النظر في أسلوب إنفاقهم واستثماراتهم والاستعداد لاحتمال تراجع دخلهم لسنوات. وبحسب مستشارين ماليين، أصبح الحديث عن الاستعداد المالي لليوم الذي يلي فقدان الوظيفة حاضرًا في معظم جلسات الاستشارة مع موظفي الهايتك.
وبسحب تقرير لصيحفة داماركر، تحولت مجموعة فيسبوك تحمل اسم “مشكلات في الهايتك”، التي أنشئت في الأصل لتبادل هموم الموظفين في القطاع، إلى منصة يناقش فيها الأعضاء مخاوفهم من فقدان وظائفهم بسبب الذكاء الاصطناعي. وبرز خلال الأسبوعين الماضيين منشور حظي بتفاعل واسع دعا فيه أحد الموظفين زملاءه إلى التوقف عن الإنفاق المفرط، معتبرًا أن كثيرين يتصرفون وكأنهم سيبقون في وظائفهم عشر سنوات أخرى، رغم أن التطورات الأخيرة تشير إلى احتمال انتهاء هذه المرحلة قريبًا.
وجاء المنشور بالتزامن مع الضجة التي أثارتها نماذج الذكاء الاصطناعي الجديدة، ومنها Claude Fable 5 وMythos 5 من شركة Anthropic، والتي دفعت الإدارة الأميركية إلى فرض قيود مؤقتة على استخدامها قبل رفعها لاحقًا. ويرى كثير من العاملين أن القدرات التي أظهرتها هذه النماذج تعزز المخاوف من استبدال الوظائف بشرية في المستقبل القريب.
وأوضح صاحب المنشور أنه بدأ بالفعل بتطبيق خطة تقشف شخصية، شملت الاستغناء عن إحدى سيارتي العائلة، والاقتصار في التسوق على الاحتياجات الأساسية، والانضمام إلى مجموعة لتبادل الملابس المستعملة، بدل شراء ملابس جديدة. وقال إنه يفضل خفض مستوى إنفاقه تدريجيًا بدل التعرض لاحقًا لانخفاض حاد في مستوى المعيشة، منتقدًا زملاءه الذين يواصلون الإنفاق على عطلات التزلج، والسيارات الفاخرة، وإرسال أطفالهم إلى مدارس أقساطها مرتفعة.
وأثار المنشور مئات التعليقات، كان كثير منها ساخرًا، إذ كتب بعض المعلقين أنهم سبقوا صاحب المنشور إلى التقشف بالعيش في الشارع أو تناول الطعام من القمامة. في المقابل، اعتبر آخرون أن السخرية تعكس عدم إدراك سرعة تطور أدوات الذكاء الاصطناعي، وحذروا من أن كثيرين قد يواجهون صعوبة في سداد أقساط المشكنتا خلال عامين إذا فقدوا وظائفهم، خاصة أن فرص العمل في القطاع أصبحت أقل مما كانت عليه، وأن الوظائف خارج قطاع الهايتك غالبًا ما توفر رواتب تتراوح بين 7 آلاف و8 آلاف شيكل فقط.
وقال زوهار، وهو مبرمج يبلغ 40 عامًا من تل أبيب، إن الذكاء الاصطناعي غيّر نظرته إلى مستقبله المهني. وأوضح أنه كان يتوقع سابقًا العمل في القطاع حتى سن 50 أو 55، لكنه بات يعتقد أن خروجه من هذا القطاع قد يحدث خلال فترة تتراوح بين ستة أشهر وخمس سنوات. وأضاف أنه عدّل محفظته الاستثمارية، فخفض استثماراته في الأسهم وزاد استثماراته في الأدوات الأقل مخاطرة، كما قرر الاحتفاظ بأسهم الشركة التي حصل عليها ضمن برنامج RSU وعدم بيعها حاليًا، ليستفيد منها إذا فقد وظيفته لاحقًا. وقال إنه يستعد لاحتمال البقاء بلا عمل لمدة عامين إذا اضطر إلى إعادة بناء مسيرته المهنية.
وأشار زوهار إلى أنه قرر أيضًا زيادة استثماره في صحته، من خلال الانتظام في ممارسة الرياضة، معتبرًا أن اللياقة البدنية من الجوانب القليلة التي يستطيع التحكم بها في ظل حالة عدم اليقين التي أحدثها الذكاء الاصطناعي. وقال إنه يفضل تحسين وضعه الصحي الآن بينما لا يزال يتمتع براتب مرتفع ومزايا وظيفية.
وقال رونين مرغوليس، المدير التنفيذي لشركة “الاستثمار الصحيح” ومؤسس مجموعة “الاستثمار الصحيح – مجتمع المستثمرين السلبيين” التي تضم 50 ألف عضو، إنه يلاحظ تغيرًا واضحًا في طبيعة استفسارات العاملين في قطاع التكنولوجيا. فبعدما كانت الاستشارات تركز في السابق على التخطيط للتقاعد، أصبح معظم الزبائن يستفسرون اليوم عن كيفية الاستعداد لتقاعد مبكر أو فقدان الوظيفة بسبب الذكاء الاصطناعي، إذ يشعر كثيرون بأنهم يعيشون حاليًا أفضل مراحلهم المالية ويريدون معرفة كيفية الاستعداد لما بعدها.
وأضاف مرغوليس أن موظفي الهايتك كانوا قبل ثلاث سنوات واثقين من قدرتهم على العثور سريعًا على وظيفة جديدة إذا تم تسريحهم، بينما أصبح كثيرون اليوم يشعرون بأن فقدان الوظيفة قد يعني نهاية مسيرتهم المهنية في قطاع الهايتك. ومع ذلك، أوضح أنه غالبًا ما يطمئن زبائنه بعد مراجعة أوضاعهم المالية، إذ يتبين أن كثيرين منهم يمتلكون أوضاعًا مالية أفضل مما يعتقدون، وأنهم قد يكونون على بعد سنوات قليلة فقط من تحقيق استقلال مالي يسمح لهم بالتقاعد. كما شدد على أن مغادرة قطاع التكنولوجيا لا تعني بالضرورة التوقف عن العمل نهائيًا، بل قد تعني الانتقال إلى وظائف أقل دخلًا وأكثر استقرارًا.
ورغم تزايد الاهتمام بالتخطيط المالي، قال مرغوليس إنه لا يلاحظ توجهًا واسعًا نحو خفض النفقات اليومية. وأوضح أن معظم العاملين في قطاع التكنولوجيا يهتمون بإدارة استثماراتهم أكثر من اهتمامهم بتفاصيل الإنفاق، وأن الحديث عن تقليص المصروفات لا يزال محدودًا.
في المقابل، يرى بعض العاملين أن الذكاء الاصطناعي سيزيد دخلهم بدل أن يقلصه. وقال أساف، وهو موظف يبلغ 35 عامًا من تل أبيب، إنه يتوقع تحقيق دخل أعلى بفضل الذكاء الاصطناعي، حتى لو اضطر إلى العمل بوتيرة أسرع. وأضاف أنه يتوقع زيادة إنفاقه على خدمات مثل توصيل الطعام بسبب ضيق الوقت، وليس العكس. واعتبر أن الفارق بين المتشائمين والمتفائلين يكمن في طريقة التفكير، مؤكدًا أن أصحاب العقلية الريادية يستطيعون استغلال التغيرات الحالية لتحقيق فرص أكبر بدل الاكتفاء بالخوف من فقدان الوظيفة.












