
في وقت تعاني فيه دول كثيرة حول العالم من صدمة بالغة تتعلق بالطاقة بسبب الحرب الجارية مع إيران وإغلاق مضيق هرمز، برزت البرازيل كاستثناء واضح، بعدما واجهت الأزمة بمنظومة متكاملة من الوقود الحيوي -وهو وقود يُصنَع من مصادر حية كالنباتات- طورتها على مدار 50 عامًا، ما خفف بشكل كبير من اعتمادها على النفط.
بحسب تقرير لصحيفة ذي إيكونوميست، بدأت القصة عام 1973، عندما واجهت البرازيل أزمة نفط حادة ناجمة عن حرب أكتوبر بين إسرائيل ومصر وما رافقها من قطع النفط الخليجي احتجاجًا على دور الولايات المتحدة الداعم لإسرائيل، في وقت كانت فيها البرازيل تستورد 80% من احتياجاتها من الوقود. هذا الواقع دفعها إلى البحث عن بدائل محلية، فبدأت بإنتاج الإيثانول من قصب السكر، وهو وقود يمكن استخدامه لتشغيل السيارات. خلال سنوات قليلة، تحولت هذه السياسة إلى برنامج وطني، حتى وصلت نسبة السيارات الجديدة التي تعمل بالإيثانول فقط في الثمانينيات إلى 96%.
لاحقًا، ومع تطور التكنولوجيا، لتفادي المشاكل الناجمة عن النقص في الإيثانول أو ارتفاع أسعاره في بعض الأحيان مقارنة بالبنزين، بدأت البرازيل بالاعتماد على ما يُعرَف بالسيارات “المرنة”، القادرة على العمل بخليط من البنزين والإيثانول معًا. اليوم، 75% من السيارات الخفيفة في البلاد تعمل بهذه التقنية، ما يمنح السوق مرونة عالية في التعامل مع تقلبات أسعار النفط.
إلى جانب الإيثانول، طورت البرازيل أيضًا صناعة البيوديزل، وهو ديزل حيوي يُنتج من محاصيل مثل فول الصويا ويُستخدم في الشاحنات والمركبات الثقيلة. وبفضل هذه السياسة الحيوية، أصبحت البرازيل ثاني أكبر منتج للإيثانول في العالم وثالث أكبر منتج للبيوديزل.
هذه السياسة انعكست بشكل مباشر على تركيبة الوقود في البلاد، الذي يكون مخلوطًا بحيث يشكل الإيثانول 30% من البنزين، ويشكل البيوديزل 15% من الديزل، وهي نسب مرتفعة مقارنة بدول أخرى. هذا المزيج مكّن البرازيل من تقليل اعتمادها على النفط التقليدي، وبالتالي تقليل تأثير الأزمات العالمية عليها.
مع اندلاع الحرب، ومع ارتفاع أسعار الوقود حول العالم بشكل حاد حتى في الدول المنتجة للنفط، كان الواقع في البرازيل مختلفًا. فبحسب التقرير، ارتفع سعر البنزين في البرازيل 10% فقط حتى 20 مارس، وارتفع الديزل 20%، وهي زيادات أقل بكثير مقارنة بالولايات المتحدة، حيث وصلت الزيادة إلى 30%–40% خلال نفس الفترة.
عدة عوامل ساهمت في كبح جماح سوق الوقود في البلاد، منها سياسة شركة “بتروبراس” الحكومية، المسؤولة عن تكرير معظم الوقود في البلاد، التي عملت على امتصاص جزء من الارتفاع في التكاليف، بالإضافة إلى قوة قطاع الوقود الحيوي الذي لعب دورًا أساسيًا في تفادي أزمة أكبر. وفي سابقة لافتة، نجمت عن التدخلات الحكومية ومواسم حصاد الصويا وقصب السكر والذرة، انخفض سعر البيوديزل إلى ما دون سعر الديزل المستورد لأول مرة منذ 2023، في حين ارتفع سعر الإيثانول بنسبة 2% فقط.
الحكومة البرازيلية لم تكتفِ بما تحقق، بل بدأت بدراسة خطوات إضافية لتعزيز هذا النموذج، منها رفع نسبة الإيثانول في البنزين إلى 32%، مع إمكانية رفعها لاحقًا إلى 35%، ورفع نسبة البيوديزل في الديزل إلى 25%. كما تدرس تقديم إعفاءات ضريبية للوقود الحيوي، إلى جانب إطلاق أبحاث تستمر ثلاث سنوات لفحص إمكانية توسيع هذه النسب أكثر.
في الوقت نفسه، تُجرى تجارب في بعض المدن على أنواع جديدة من الوقود الحيوي قد تكون قادرة على استبدال الديزل بالكامل في وسائل النقل العامة، ما يعكس توجهًا استراتيجيًا طويل الأمد نحو تقليل الاعتماد على النفط.
ورغم هذا التقدم، لا تزال البرازيل تستورد 10% من البنزين و25% من الديزل، لكنها تبقى أقل عرضة للصدمات مقارنة بدول تعتمد بشكل كامل تقريبًا على الاستيراد. كما أن ارتفاع أسعار الغاز عالميًا أدى إلى زيادة كلفة الأسمدة، ما يشكل تحديًا للقطاع الزراعي، إلا أن زيادة الطلب على الوقود الحيوي قد تعوض هذه التكاليف وتدعم دخل المزارعين.
ومن المتوقع أن ترتفع الإمدادات من الإيثانول والبيوديزل مع بدء موسم حصاد فول الصويا في يناير الذي يستمر حتى أبريل أو مايو بحسب المنطقة الجغرافية، ونتيجة أيضًا لموسم حصاد قصب السكر والذرة الذي يبدأ في أبريل ومايو، وهو ما من شأنه أن يسهم أكثر في خفض الأسعار.
نجاح البرازيل في هذا المجال بدأ يجذب اهتمام دول أخرى، مثل الهند واليابان، التي دخلت في محادثات مع البرازيل للحصول على إمدادات من الوقود الحيوي، في ظل أزمة طاقة عالمية تتعمق يومًا بعد يوم.
مقالات ذات صلة: أزمة مضيق هرمز: دول العالم تدقّ ناقوس الخطر وتعيد حساباتها.. وسيناريوهات أربعة مطروحة على طاولة ترامب









