
مع دخول الحرب الجارية مع إيران أسبوعها الرابع، تحوّلت ساحات القتال إلى مختبر واسع لاختبار تقنيات الذكاء الاصطناعي، حيث باتت شركات وادي السيليكون مشاركة في قلب العمليات العسكرية الأمريكية، بعد سنوات من التردد والرفض “الخجول” لفكرة توظيف التكنولوجيا في الحروب.
في الميدان، يعتمد البنتاغون على منظومات متقدمة لتحليل المعلومات الاستخباراتية، حيث تُستخدم تقنيات شركة “أنثروبيك” لمعالجة البيانات، ضمن أنظمة تديرها شركة “بلانتير”، التي تتولى تحليل المعطيات وتحديد الأهداف. هذا التكامل بين الشركتين يُجسّد نموذجًا جديدًا للحرب، يقوم على الدمج بين تحليل البيانات واتخاذ القرار العسكري بشكل شبه فوري.
وبحسب تقرير لصحيفة نيويورك تايمز، يُعدّ مشروع “ميفن” أحد أبرز هذه الأنظمة، حيث يجمع بين قدرات الذكاء الاصطناعي لشركة أنثروبيك وبنية البيانات الخاصة ببلانتير. هذا النظام يعتمد على تحليل معلومات من طائرات مسيّرة وصور أقمار صناعية ومصادر استخباراتية مختلفة، ليُنتج قائمة أهداف جاهزة للهجوم. خلال الأيام الأربعة الأولى من الحرب، تم استهداف أكثر من 2,000 هدف داخل إيران، وكثير من هذه الأهداف جرى تحديدها عبر هذه المنظومة.
إلى جانب ذلك، برز دور الشركات الناشئة في مجال “الديفنس-تك”، حيث تم نشر طائرات مسيّرة من نوع LUCAS طورتها شركة “SpektreWorks” في فينيكس. هذه الطائرات صُممت لتشبه الطائرات الإيرانية من طراز “شاهد”، وتُستخدم لاختراق أنظمة الدفاع الجوي. كما تم استخدام نظام “Merops” المضاد للطائرات المسيّرة، الذي أُطلق كمبادرة من إريك شميدت، الرئيس التنفيذي السابق لجوجل، ويعتمد على الذكاء الاصطناعي لاكتشاف واعتراض الطائرات قبل وصولها إلى أهدافها.
هذا التحول بحسب الصحيفة لم يكن وليد اللحظة، بل نتيجة استثمارات ضخمة خلال السنوات الماضية، إذ ضخت صناديق رأس المال الاستثماري مليارات الدولارات في شركات تعمل في إنتاج الطائرات المسيّرة والليزر والتقنيات العسكرية. وفي هذا السياق، أطلقت شركة “أندريسن هورويتز” صندوقًا بقيمة 1.2 مليار دولار في يناير للاستثمار في تقنيات العسكرية والدفاعية، في خطوة تعكس تسارع الاهتمام بهذا القطاع.

بالتوازي، عملت شركات التكنولوجيا الكبرى على تعزيز علاقاتها مع الحكومة الأمريكية. أليكس كارب، المدير التنفيذي لشركة بلانتير، كان من أبرز الداعمين لتوسيع التعاون مع المؤسسات العسكرية، بينما بدأت شركات أخرى بتطوير نماذج أولية لأنظمة عسكرية حتى قبل الحصول على عقود رسمية.
هذا التوجه حظي بدعم سياسي واضح. إدارة جو بايدن رحبت بدمج التكنولوجيا في العمليات العسكرية، فيما دفع دونالد ترامب نحو تسريع إدخال هذه الأنظمة، من خلال توقيع أمر رئاسي لتحديث آليات شراء التكنولوجيا في الجيش. كما تم تخصيص ميزانية دفاع تصل إلى 1 تريليون دولار لعام 2026، تشمل استثمارات واسعة في التقنيات الجديدة.
النتيجة ظهرت سريعًا على شكل صفقات ضخمة. شركة OpenAI بقيادة سام ألتمان وافقت على دمج أنظمتها في الشبكات السرية للبنتاغون، كما وقّعت جوجل اتفاقًا لتزويد وزارة الدفاع بوكلاء ذكاء اصطناعي، وحصلت شركة “أندوريل” على عقد بقيمة 20 مليار دولار لتطوير برمجيات عسكرية قائمة على الذكاء الاصطناعي.
انعكاسات هذه التطورات لم تقتصر على الميدان العسكري، بل ظهرت أيضًا في الأسواق المالية، حيث ارتفعت أسهم شركة بلانتير بأكثر من 12% منذ بداية الحرب، في ظل توقعات بتوسع العقود العسكرية وزيادة الطلب على تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وبحسب ما ورد التقرير، يعكس هذا التحول تغييرًا عميقًا في موقف وادي السيليكون، الذي شَهِدَ في السابق معارضة داخلية من مهندسين رفضوا استخدام التكنولوجيا في الحروب، إلا أن الحرب الحالية أظهرت الجدوى (المالي) لهذه الاستثمارات، ودفعت شركات وادي السيليكون إلى العمل بشكل مباشر مع الجيش الأمريكي.
مقالات ذات صلة: مُسيَّرة مستنسخة من “شاهد” و”Claude AI”: الأدوات الأمريكية الجديدة بالحرب












