
تطرح الحرب الجارية مع إيران، التي تخوضها إسرائيل والولايات المتحدة بشكل مشترك، أسئلة مُلحة في الأوساط الأمريكية تتجاوز ساحة القتال المباشرة، وتمتد إلى ميزان القوى العالمي، خاصة في مواجهة الصين. فبينما تسوّق أمريكا وإسرائيل للحرب على أنها إنجاز عسكري خاطف من حيث السيطرة الجوية والضربات المكثفة، تكشف الأرقام والتفاصيل عن ثمن استراتيجي متراكم قد يضعف جاهزية واشنطن في ساحات أخرى أهم بكثير من الساحة الإيرانية، وهو ما يرصده تقرير لصحيفة ذي إيكونوميست.
منذ اللحظة الأولى، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل ما وُصف بأنه أكبر هجوم جوي افتتاحي في التاريخ الحديث، حيث تم استخدام أكثر من 5,000 قطعة من الذخيرة الجوية (من صواريخ بعيدة المدى وقنابل موجهة وغيرها) خلال الأيام الأربعة الأولى فقط، وارتفع العدد إلى نحو 11,000 خلال أول 16 يومًا من القتال. هذا الحجم غير مسبوق، ويتجاوز حتى العمليات الجوية للناتو في ليبيا عام 2011. ومع تحقيق السيطرة الجوية عبر تدمير منظومات الدفاع الإيرانية، انتقلت القوات إلى استخدام صواريخ قصيرة المدى وأرخص، مثل أنظمة JDAM، التي شكّلت نحو 99% من الذخائر المستخدمة لاحقًا، وهي متوفرة بكميات كبيرة نسبيًا.
لكن خلف هذا الاستخدام الكثيف، تكمن مشكلة أعمق بحسب الصحيفة تتعلق بالذخائر المتطورة والدقيقة التي استُهلكت في المراحل الأولى. خلال الأيام الستة الأولى، تم إطلاق أكثر من 1,000 صاروخ دقيق بعيد المدى، إلى جانب مئات الصواريخ الدقيقة متوسطة المدى وصواريخ متطورة مضادة للرادارات. هذه الذخائر ليست فقط مكلفة، بل أيضًا محدودة الإنتاج، ما يجعل استهلاكها السريع مصدر قلق حقيقي للبنتاغون.
لكن التحدي الأكبر يكمن في مجال الدفاع الجوي أكثر من الهجمات الصاروخية، حيث واجهت الولايات المتحدة وإسرائيل موجات من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة الإيرانية، وخلال أسبوع واحد فقط، أطلقت الولايات المتحدة نحو 140 صاروخ باتريوت وأكثر من 150 صاروخ THAAD لاعتراض الهجمات. وتشير التقديرات إلى أن المخزون الأمريكي كان منخفضًا أصلًا، خاصة بعد استخدام نحو ربع صواريخ THAAD في العام السابق للدفاع عن إسرائيل. هذا يعني أن كل صاروخ يتم إطلاقه الآن يقلل من القدرة على استخدامه في جبهات أخرى، سواء في أوكرانيا أو في مواجهة الصين في المحيط الهادئ.
وبحسب الصحيفة، يتكشف حجم الأزمة عند النظر إلى ما يتطلبه إعادة بناء المخزون، فتكلفة استبدال الذخائر المستخدمة خلال أول 4 أيام فقط تُقدّر بين 20 و26 مليار دولار. كما استخدمت الولايات المتحدة أكثر من 300 صاروخ توماهوك في بداية الحرب، في حين أن خطط الشراء السنوية لا تتجاوز 57 صاروخًا. أما منظومة THAAD، فلم تُسلَّم منها دفعات جديدة منذ 2023، ومن المتوقع تسليم 39 صاروخًا فقط في 2027، أي بعد سنوات من الطلب.

رغم وجود خطط طموحة لزيادة الإنتاج، مثل رفع إنتاج صواريخ توماهوك من 60 إلى 1,000 سنويًا، وصواريخ باتريوت PAC-3 من 600 إلى 2,000، فإن هذه الخطط تصطدم بعقبتين أساسيتين: رفض الكونغرس تمويلها، وتعقيدات سلاسل التوريد. فبعض المواد الأساسية لصناعة الصواريخ، مثل الغاليوم والنيوديميوم وأمونيوم بيركلورات، تعتمد على مصادر محدودة، والكثير منها خاضع لهيمنة صينية، ما يجعل زيادة الإنتاج عملية بطيئة ومعقدة.
على مستوى العمليات، لم تسجل خسائر كبيرة في الطائرات أو المعدات، لكن الاستنزاف ظهر في جانب آخر أكثر خطورة، وهو الضغط التشغيلي إذ باتت حاملات الطائرات الأمريكية تعمل لفترات طويلة غير مسبوقة، مثل حاملة الطائرات “جيرالد فورد” التي بقيت في البحر نحو 270 يومًا، حيث يُتوقَع أن تسجل رقمًا قياسيًا منذ حرب فيتنام. كما شاركت حاملتا “أبراهام لينكولن” و”جيرالد فورد” في العمليات، فيما تتجه “جورج بوش” إلى المنطقة.
هذا الضغط أدى إلى حوادث تشغيلية، منها حريق استمر 30 ساعة على متن “فورد” وأثر على 600 جندي. كما يشير الخبراء إلى أن هذا النوع من العمليات المكثفة سيترك أثرًا طويل الأمد على جاهزية الأسطول، حيث قد تعاني الولايات المتحدة من فجوات في نشر حاملات الطائرات لمدة عامين إلى 3 سنوات.
ولا يقتصر الاستنزاف على المعدات، بل يشمل أيضًا العنصر البشري. ففترات الانتشار الطويلة تزيد من الضغوط النفسية والعائلية على الجنود، وهو ما يُعتبر عامل خطر يزيد من حالات الانتحار داخل الجيش.
في المقابل، لا تخلو الحرب من جوانب إيجابية للولايات المتحدة بحسب الصحيفة. فقد أتاحت اختبار أسلحة جديدة منخفضة التكلفة، مثل الطائرات المسيّرة LUCAS المستنسخة من شاهد الإيرانية، والتي يمكن إنتاجها بسرعة أكبر من الصواريخ التقليدية. كما اكتسبت القوات الأمريكية خبرة قتالية فعلية، وهو عامل يمنحها تفوقًا على الصين التي لم تخض حربًا واسعة منذ سنوات. كذلك، تم استخدام أنظمة تعتمد على الذكاء الاصطناعي بشكل غير مسبوق في إدارة العمليات واختيار الأهداف.
لكن هذه المكاسب تأتي بثمن استراتيجي حساس. فالحرب تكشف أساليب القتال والتكتيكات الأمريكية أمام الصين، التي تراقب عن كثب كل ما يجري. طرق إزالة الألغام البحرية أو التعامل مع إغلاق مضيق هرمز، على سبيل المثال، قد تتحول إلى دروس جاهزة تستخدمها بكين في أي مواجهة مستقبلية، خاصة في سيناريوهات تتعلق بتايوان.
الأخطر من ذلك، أن هذه الحرب، التي تُخاض بالشراكة مع إسرائيل، تدفع الولايات المتحدة إلى إعادة توزيع قواتها بعيدًا عن آسيا، حيث تم سحب وحدات من مشاة البحرية من اليابان، ونقل أجزاء من منظومة THAAD من كوريا الجنوبية. هذا التحول يعاكس التوجه الاستراتيجي الذي ساد في السنوات الأخيرة، والذي كان يركز على الاستعداد لمواجهة الصين.












