الخميس, مارس 19, 2026 16:34
/
/
فقاعة الذكاء الاصطناعي لن تشعل شرارة أزمة مالية

فقاعة الذكاء الاصطناعي لن تشعل شرارة أزمة مالية

أيقون موقع وصلة Wasla
366716 5 Women Day Arabic baners 43 1513x188px 72 ppi

4a3c725d aba8 4f74 9208 b940506b5a9a

 

عادت إلى الأسواق المالية حالة توجس مألوفة. تخصص شركة أمازون 100 مليار دولار لمراكز البيانات. وتعهدت شركة ميتا بتخصيص أكثر من 600 مليار دولار لبناء مراكز البيانات على مدار ثلاث سنوات. وتخطط مايكروسوفت، وجوجل، وأبل لإنفاق مئات إضافية من المليارات. مع وصول استثمارات الذكاء الاصطناعي إلى تريليونات الدولارات، هل نشهد نشوء فقاعة، وماذا قد يحدث إذا انفجرت؟

لقد مررنا بهذا من قبل. شَغَل أحدنا (مارتن) منصب رئيس مجلس المستشارين الاقتصاديين بالبيت الأبيض أثناء طفرة التكنولوجيا في أواخر تسعينيات القرن العشرين، وشاهد الآخر كاليفورنيا تتعامل مع انهيار شركات الإنترنت والأزمة المالية عام 2008 من خلال مناصب حكومية واستشارية عديدة. تُـنبئنا خبرتنا بأنه حتى لو حدث تصحيح في مجال الذكاء الاصطناعي، فإنه لن يشعل شرارة أزمة مالية كتلك التي دمرت الاقتصاد في الفترة 2008-2009.

السبب هو أن بنية الاستثمار في الذكاء الاصطناعي تختلف جذريا عما رأيناه في هذه الأحداث السابقة. يُذكر انهيار شركات الإنترنت بالخسائر الفادحة ــ فقد انخفض مؤشر ناسداك بنسبة 77% عن الذروة التي بلغها في مارس/آذار 2000 ــ وحالات التوقف المفاجئ المذهلة مثل Pets.com. لكن القصة الاقتصادية كانت أشد تعقيدا.

أجل، كان الاستثمار مفرطا في البنية الأساسية للإنترنت، وتبين أن رهانات كبرى عديدة كانت سابقة لأوانها. لكن هذا “الاستثمار المفرط” خَـلَّف بنية أساسية ذات قيمة استثنائية. فقد عملت كابلات الألياف الضوئية التي مُـدَّت أثناء فترة الازدهار على تمكين ظهور اقتصاد النطاق العريض. وأصبحت سعة الخوادم التي بدت مفرطة في عام 2001 ضرورية بحلول عام 2005. وظل نمو الإنتاجية قويا بشكل مدهش مع انفجار الفقاعة، وهذا يثبت أن التكنولوجيا الأساسية كانت تحويلية حتى لو لم تكن نماذج الأعمال الأولية كذلك.

من الأهمية بمكان هنا أن نعلم أن انهيار شركات الإنترنت لم يهدد النظام المالي في عموم الأمر. إذ كانت المضاربة تُـمَوَّل بشكل أساسي من خلال أسواق الأسهم، وليس الديون. وعندما انهارت التقييمات، خسر المساهمون أموالهم، لكن البنوك ظلت قادرة على الوفاء بالتزاماتها المالية. ولم يحدث سيل من حالات التخلف عن السداد، ولا تجميد الائتمان، ولم تنشأ الحاجة إلى عمليات إنقاذ حكومية ضخمة.

على النقيض من ذلك، كانت أزمة 2008 تتعلق بكيفية تمويل الأصول. إذ كانت القروض العقارية العالية المخاطر مدمجة في سندات، وكانت تُباع إلى صناديق التقاعد والمستثمرين الدوليين، وتُـستَخدَم كضمان لمزيد من الاقتراض. وأصبح النظام المالي العالمي برمته بيتا من ورق مبنيا على أسعار المنازل المتزايدة الارتفاع.

عندما انخفضت تلك الأسعار، انهارت شبكة الالتزامات المعقدة: اكتشفت البنوك أنها تمتلك أوراقا مالية عديمة القيمة، وتجمدت أسواق الائتمان، وما بدأ بانخفاض أسعار المنازل تحول إلى أزمة مالية عالمية تتطلب تدخلا حكوميا غير مسبوق. لم تكن المشكلة المغالاة في التقييم فحسب. بل كانت مزيجا من الروافع المالية (الاستدانة)، والتعقيد، والغموض، وتسرب مخاطر الإسكان إلى النظام المالي بأكمله.

أما طفرة الذكاء الاصطناعي فهي مختلفة. ذلك أن التريليونات التي تنفق على بنية الذكاء الاصطناعي الأساسية تأتي في المقام الأول من الميزانيات العمومية للشركات الأكثر ربحية والأكثر ثراء في العالم. الواقع أن شركات مثل أبل، وميكروسوفت، وجوجل، وأمازون، وميتا لا تقترض أموالا لبناء قدراتها في مجال الذكاء الاصطناعي. عندما تلتزم شركة أبل بتخصيص 500 مليار دولار على مدار أربع سنوات لمشاريع بنية الذكاء الاصطناعي الأساسية، فإنها لا تصدر سندات دين يجب سدادها بغض النظر عن الإيرادات. هذه استثمارات ممولة من رأس المال من قِـبَـل واحدة من أعلى الشركات قيمة في التاريخ. إذا كانت العائدات مخيبة للآمال، فقد يتأثر سعر سهم شركة أبل، لكن الشركة لن تتخلف عن السداد ولن يتسبب ذلك في إحداث سلسلة من الإخفاقات في النظام المالي.

على نحو مماثل، تعمل الطبيعة المتخصصة التي تتسم بها بنية الذكاء الاصطناعي الأساسية على الحد من مخاطر انتقال العدوى. فمراكز البيانات لا تُـحَوَّل إلى أوراق مالية وتُباع لصناديق التقاعد. ولا تُـسـتَخدَم رقائق الذكاء الاصطناعي كضمان للمشتقات المالية. بالطبع، قد يحدث تصحيح حاد في تقييمات أسهم التكنولوجيا، وقد تقلص الشركات استثماراتها في الذكاء الاصطناعي إذا كانت العائدات مخيبة للآمال. ولكن هل يُـفضي أي من هذا إلى أزمة مالية مماثلة لأزمة 2008؟ تشير الاختلافات البنيوية إلى خلاف ذلك.

لا يعني هذا أن الذكاء الاصطناعي لا يشكل أي مخاطر اقتصادية. بل يعني أن المخاطر لا تهدد الاستقرار المالي في المقام الأول. تتضمن نتائج الذكاء الاصطناعي التي تستحق القلق: الفشل في تحقيق مكاسب كبيرة في الإنتاجية، بما يؤدي إلى تباطؤ النمو وخيبة الآمال؛ وإزاحة العمال بسرعة، الأمر الذي يتطلب سياسات قوية لدعم التعليم والتدريب؛ وتركيز القوة الاقتصادية، وهذا يثير تساؤلات حول مكافحة الاحتكار؛ والضغوط على شبكات الكهرباء وقدرات البناء، والتي قد تحد من النمو وتزيد من فواتير الكهرباء التي تتحملها الأسر.

حتى لو كانت تقييمات الذكاء الاصطناعي مبالغ فيها، وتوقعات الإيرادات الحالية متفائلة للغاية، فإن البنية الأساسية التي يجري تشييدها قيمتها دائمة. فلن تختفي مراكز البيانات هذه. وتوصيلات الألياف الضوئية التي تُـمَدَّد لهي إضافات دائمة إلى بنيتنا الأساسية الرقمية، ويشكل مهندسو الذكاء الاصطناعي الـمُدَرَّبون رأس مال بشريا سيظل يولد قيمة لعقود قادمة.

إذا أخبرك أحدهم في عام 1999 أن أميركا “ستنفق ببذخ” مئات المليارات من الدولارات على البنية الأساسية للإنترنت، فربما كنت لتقلق بشأن الفقاعة. لكن هذا الاستثمار المفرط مَكَّن الاقتصاد الرقمي بأكمله ــ يوتيوب، ونتفليكس، والحوسبة السحابية، والعمل عن بُعد. كان العائد المجتمعي كبيرا، على الرغم من فشل العديد من الشركات وخسارة المستثمرين لأموالهم.

إن فهمنا لحقيقة مفادها أن المضاربة على الذكاء الاصطناعي من غير المرجح أن تُفضي إلى أزمة مالية يعني أن صُنّاع السياسات يجب أن يحددوا أولوياتهم على النحو الصحيح. فبدلا من الإفراط في التنظيم لمنع أزمة مالية لن تحدث، يجب أن يركزوا على المخاطر التي تهدد الاقتصاد الحقيقي: إزاحة العمال، والتحيز الخوارزمي، وخصوصية البيانات، وديناميكيات المنافسة. يجب أن يشجعوا الاستثمارات في البنية الأساسية التكميلية مثل الطاقة الكهربائية، وأنظمة التبريد، والعمال المدربين. ينبغي لهم أن يستعدوا لتعديلات سوق العمل من خلال تعزيز التأمين ضد البطالة، وبرامج إعادة التدريب، والمزايا القابلة للتحويل.

علاوة على ذلك، يجب عليهم مراقبة التزايد في نسب الاستدانة، لأن الخطر الوحيد الذي قد يغير تحليلنا هو أن تصبح أصول الذكاء الاصطناعي مدعومة بالاستدانة بشدة أو جرى تحويلها إلى أوراق مالية. وينبغي للهيئات التنظيمية المالية أن تراقب البنوك وصناديق التقاعد وفقا لذلك.

عادة ما تستغرق الابتكارات التحويلية عقودا من الزمن لتنتشر بالكامل عبر قطاعات الاقتصاد. استغرق الأمر 40 عاما حتى أحدثت الكهرباء ثورة في التصنيع؛ و20 عاما حتى أعادت شبكة الإنترنت تشكيل قطاع البيع بالتجزئة. وإذا كان الذكاء الاصطناعي تحويليا على نحو مماثل، فقد تثبت استثمارات المضاربة الحالية كونها بعيدة النظر.

عَلَّمَت أزمة 2008 المالية صناع السياسات أن يكونوا يقظين بشأن مخاطر الاستقرار المالي. لكن الاختلافات كبيرة بين فئات الأصول وهياكل التمويل. قد تكون طفرة الذكاء الاصطناعي مضاربة. وربما لا تخلو من مغالاة. بل وقد تكون حتى فقاعة. لكنها لا تشكل تهديدا للنظام المالي.

ترجمة: إبراهيم محمد علي      

ليني ميندونكا كبير شركاء فخري في ماكينزي آند كومباني، هو كبير مستشاري حاكم كاليفورنيا جافين نيوسوم لشؤون الاقتصاد والأعمال سابقا ورئيس هيئة السكك الحديدية العالية السرعة في كاليفورنيا. مارتن نيل بيلي كبير الزملاء الفخري في قسم الدراسات الاقتصادية في مؤسسة بروكنجز وكان رئيس مجلس مستشاري الرئيس بِل كلينتون للشؤون الاقتصادية من 1999 إلى 2001.

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2026.
www.project-syndicate.org

366716 5 Women Day Arabic baners 43 1513x188px 72 ppi

مقالات مختارة