من مكتب متواضع نسبيا، في مجمّع عمارة مجمع “عبد اللطيف” في أم الفحم، تُدار إحدى أكبر شبكات الأثاث والمفروشات في البلاد، والتي تتضمن أنشطتها جوانب التصنيع، الاستيراد، والتجزئة، وتشغّل قرابة 180 عاملاً في فروع الشبكة وفي مصنعها الرئيسي، الذي انتقل من أم الفحم إلى المنطقة الصناعية القريبة من الجلبوع بسبب غياب بنى تحتية صناعية ملائمة داخل البلدات العربية. “لو كانت عندنا منطقة صناعية حقيقية في أم الفحم، لما خرجنا منها”، يقول عبيدة عبد اللطيف، المدير العام للمجموعة، “لكن في مرحلة معيّنة، إذا أردت أن تتطور، لا يكون أمامك أي خيار آخر”.

محمد “عبيدة” عبد اللطيف (50)، الذي يقود شركة عائلية تأسست عام 1975 ووصلت اليوم إلى الجيل الثالث، لا يتحدث عن هذا الواقع كقصة محلية استثنائية، بل كنموذج متكرر في مسار رجال الأعمال العرب في البلاد: نمو تدريجي داخل السوق العربي، يقابله سقف زجاجي صلب يُصعب إلى حد بعيد اختراق السوق الإسرائيلي الكبير.
هذا السقف لا يرتبط، بحسب عبد اللطيف، بجودة المنتج أو القدرة التنافسية. “السوق اليهودي أكبر، هذا صحيح”، يقول، “لكن المشكلة ليست قصة منافسة أو أسعار. المشكلة الأساسية هي أن المنتج العربي ليس منتجاً محايداً. في كل مرة يحدث أي توتر أمني، أنت تدفع الثمن فوراً”
هذا التوصيف يضع تجربة «عبد اللطيف» ضمن سياق أوسع من التحديات العميقة التي تواجه رجال وسيدات الأعمال العرب في البلاد: مقاطعة غير معلنة من جمهور يهودي يتأثر بالمناخ السياسي والأمني، نقص مزمن في المناطق الصناعية داخل البلدات العربية، وأعباء تنظيمية وبيروقراطية تجعل قرارات التوسع أكثر خطورة وحساسية.
“بسبب العنف والجريمة لا أحد يفكر كيف يطور أعماله ومشاريعه بل كيف نحافظ على الموجود. بصراحة، نحسب ألف حساب لكي لا نلف انتباه جهات مشبوهة “
إلى هذه التحديات العميقة، تضاف أزمات “موسمية” أخرى أثرت وتؤثر على مسار نمو المجموعة خلال العقود الأخيرة، من الانتفاضات التي ضربت تجارة الجملة في التسعينيات، إلى الحريق الكبير عام 2000، وصولاً إلى الحرب الأخيرة التي فاقمت أزمة العمالة وقطعت سلاسل الاستيراد مع تركيا. هذه الأحداث، كما يصفها عبيدة، لم تغيّر اتجاه الشركة فحسب، بل أعادت تشكيل فلسفتها الإدارية: تقليص المخاطر، توزيع مصادر الدخل، والحفاظ على قاعدة السوق العربي المحلي بوصفها أهم سوق بالنسبة للشبكة.
منجرة ثم مصنع ثم شبكة
تأسست مجموعة «عبد اللطيف» للأثاث عام 1975 على يد الحاج عبد اللطيف محاميد كورشة نجارة محلية في أم الفحم، وركّزت في سنواتها الأولى على التصنيع والإنتاج بالجملة، بما في ذلك التوزيع لأسواق داخل الخط الأخضر وخارجه. “كان أبي عامل نجارة وقرر أن يؤسس منجرته الخاصة” يقول عبيدة، “رأس ماله الأول كان ذهب أمي الذي باعته لشراء أول ماكينة لقص الخشب”.
تطورت المنجرة بشكل متواصل وتحولت إلى شركة. وحتى أوائل التسعينيات، كان نشاطها قائماً أساساً على الإنتاج والتسويق عبر التجّار والمعارض، مع اعتماد كبير على أسواق الضفة الغربية وقطاع غزة.
مع تصاعد الاضطرابات السياسية والاقتصادية في التسعينيات، وتراكم مخاطر الديون في تجارة الجملة، بدأت الشركة بتغيير نموذج عملها. في منتصف التسعينيات فُتح أول معرض بيع مباشر للمستهلك النهائي في أم الفحم، في خطوة هدفت إلى تقليص المخاطر، وبناء علاقة مباشرة مع الزبائن.

في عام 2000، تعرّض المصنع والمعرض المركزي في أم الفحم لحريق دمّر البنية الإنتاجية للشركة بشكل شبه كامل. في الأسابيع التي تلت الحريق، فتحت مصانع نجارة أخرى في أم الفحم والمنطقة أبوابها أمام عمال “عبد اللطيف”، وشاركت في تنفيذ الطلبيات القائمة، في خطوة سمحت للشركة بالوفاء بالتزاماتها تجاه الزبائن والحفاظ على استمرارية التشغيل. “ما حدث بعد الحريق لم يكن أمراً بديهياً”، يقول عبيدة، “منافسونا المباشرون عرضوا علينا استخدام مصانعهم وعمّالهم لتنفيذ الطلبيات، فقط كي لا يتضرر الزبائن ولا نفقد ثقة السوق. هذا النوع من التضامن هو الذي سمح لنا بتخطي الأزمة بأسرع وقت ممكن.”
خلال العقدين التاليين، تحولت «عبد اللطيف» تدريجياً إلى شبكة تتبنى نموذج عمل يدمج ما بين التصنيع الجزئي، الاستيراد، ومعارض بيع بالتجزئة. اليوم تشغّل المجموعة ستة فروع في بلدات عربية، مع خطط توسع محدودة ومدروسة، وتُشغّل نحو 180 موظفاً. أما نشاطها المركزي فما زال يتركز بشكل شبه كامل في السوق العربي، سواء من حيث الفروع أو قاعدة الزبائن.
“بالنسبة للمؤسسة الرسمية التركية التاجر العربي في إسرائيل هو تاجر إسرائيلي، وليس لديه أي خصوصية أو مكانة خاصة.”
يبدو أن عدم دخولكم إلى السوق الإسرائيلي–اليهودي هو قرار استراتيجي. لماذا تبتعدون عن هذا السوق وهو أكبر بأضعاف من السوق العربي؟
“صحيح أن السوق اليهودي أكبر، لكن قرار عدم دخولنا إلى هذا السوق لا علاقة له بالمنافسة أو الأسعار. في الواقع، العائق الأساسي هو أن المنتج العربي في هذه البلاد لا يُنظر إليه كمنتج ‘محايد’. في كل مرة يحدث فيها توتر أمني أو سياسي، ندفع الثمن فوراً. يتبدّل المزاج العام بسرعة، تظهر حساسية إعلامية، وتصبح الشركة العربية تحت العدسة المكبرة. هذا ليس حدثاً استثنائياً يحصل كل سنة أو سنتين؛ نحن نتحدث عن بلد يعيش أزمات متكررة: انتفاضات، حروب، وتصعيدات، وفي كل مرة يكون هناك شكل من أشكال العقاب الجماعي الذي نشعر به عملياً في السوق. جرّبنا في الماضي أن نكون موجودين أكثر في مناطق مختلطة، وكانت التجربة قصيرة ولم تُثبت نفسها، ليس لأننا لا نستطيع بيع المنتج، بل لأن هامش المخاطرة مرتفع وغير متوازن. لذلك اخترنا أن نبني استثماراتنا بالأساس داخل مجتمعنا، حيث نستطيع إدارة المخاطر بشكل أكثر عقلانية، بدل أن نجعل نمونا وتوسعنا مرهوناً بتقلبات لا نتحكم بها”.
هل فكّرتم بمحاولة الالتفاف على هذا الواقع، مثلاً عبر تغيير الاسم التجاري، أو الدخول إلى السوق اليهودي من خلال شراكات أو هوية تجارية مختلفة؟
“فكّرنا في ذلك، كما فكّر فيه غيرنا، وكانت هناك محاولات وتجارب في السوق. تغيير الاسم أو العمل بهوية مختلفة قد يفتح باباً مؤقتاً، لكنّه لا يحلّ المشكلة من جذورها. في لحظة اختبار حقيقية، مثل حدوث توتر أمني، حدث سياسي، تحريض إعلامي، تنكشف الهوية مهما حاولت إخفاءها، ويعود عامل المخاطرة إلى الواجهة. السؤال بالنسبة لنا لم يكن: هل يمكن الدخول بأي ثمن؟ بل: ما هو الثمن المطلوب؟ هل نمحو اسمنا وتاريخنا، ونبني حضوراً تجاريا لا يشبهنا، فقط لنكون موجودين في سوق لا يوفّر استقراراً حقيقياً؟ حتى الشراكات ليست حلاً سحرياً؛ فهي تتطلّب توازنات معقّدة، وغالباً ما تضع القرار النهائي خارج أيدينا. لذلك فضّلنا مساراً واضحاً: استثمار مباشر داخل سوقنا العربي الذي نفهمه ونديره، بدل استراتيجية نموّ تعتمد على تحايلات قد تنجح في فترات الهدوء ثم تنهار عند أول أزمة.”
إذا اخترتم عدم التوسع في السوق اليهودي، فهل يعني ذلك أنكم وصلتم إلى سقف نمو داخل السوق العربي؟
“إلى حدٍّ كبير، نعم. داخل السوق العربي وصلنا إلى مرحلة قريبة من الاكتفاء، خاصة في مجال الأثاث والمفروشات. يمكن الاستمرار في التطوير، تحسين المنتج، وتجديد الفروع، لكن من حيث الحجم، السوق محدود. عدد السكان محدود، والقدرة الشرائية معروفة، ولا يمكنك أن تنمو إلى ما لا نهاية داخل الإطار نفسه. لذلك، عندما لا تدخل السوق اليهودي، عليك أن تعترف بأن هناك سقفاً معيناً للنمو في النشاط الأساسي. هذا لا يعني التوقف عن العمل أو الجمود، بل يعني أن التفكير الاستراتيجي يجب أن يتغير. إذا لم يكن التوسع الجغرافي خياراً واقعياً، فالتحدي يصبح: كيف توزّع المخاطر؟ كيف تفتح مجالات جديدة؟ وكيف تضمن استقرار الشركة على المدى الطويل دون تعريضها لمخاطر سياسية أو أمنية لا يمكنك التحكم بها.”
“حتى من نجحوا في السوق الإسرائيلي، يواصلون العمل بحذر دائم. كل خطوة محسوبة، وكل قرار تسويقي أو إعلامي يخضع لتفكير مضاعف. هناك خوف دائم من أي رد فعل سياسي أو اجتماعي يمكن أن ينعكس فوراً على المبيعات”
في سياق التعامل مع محدودية فرص التوسع داخل السوق العربي بدأت مجموعة “عبد اللطيف” بتطوير أعمالها في مجال العقارات إلى جانب عملها الأساسي في قطاع الأثاث. هذا النشاط يشكّل حالياً جزءاً محدوداً من أعمال المجموعة، “وصلنا إلى مرحلة لم يعد فيها نشاطنا في قطاع الأثاث وحده كافياً لاستمرار الشركة. السوق العربي محدود، وفي ظل عدم الدخول إلى السوق اليهودي، كان لا بد من البحث عن مجالات أخرى أقل حساسية. بالنسبة لنا، شكّل مجال العقارات حلاً منطقياً، لا مغامرة”، يقول عبيدة عبد اللطيف ويؤكد بأنه مقارنة بقطاع الأثاث والمفروشات، الذي يتأثر مباشرة بسلوك المستهلك وبالتقلبات في الطلب، يتميّز قطاع العقارات بدرجة أعلى من الاستقرار النسبي على المدى المتوسط.
المفاجأة التركية
أثّرت الحرب الأخيرة بشكل مباشر على مجمل النشاط الاقتصادي في البلاد، ولم تكن المصالح التجارية في المجتمع العربي استثناءً من ذلك. تراجع الطلب، اضطراب سلاسل التوريد، ونقص حاد في الأيدي العاملة، فرضت نفسها سريعاً على قطاعات تعتمد على الاستمرارية اليومية والسيولة النقدية. بالنسبة لكثير من المصالح العربية، التي تعمل أصلاً في بيئة غير مستقرة، جاءت الحرب لتضيف مستويات جديدة من عدم اليقين، ولتختبر قدرة هذه المصالح على الحفاظ على نشاطها في ظل ظروف استثنائية بكل المقاييس.

كيف أثّرت الحرب على أعمالكم؟
“الحرب لم تكن لشهر أو شهرين، لكنها امتدت لأكثر من سنتين، وانعكس ذلك فوراً على عملنا. لكن التحدي الأكبر يتعلّق بالعمال. كنّا نشغّل في المصنع نحو خمسين عاملاً من الضفة الغربية، وبعد السابع من أكتوبر لم يعد بالإمكان تشغيلهم. إلى جانب ذلك، جزء من العمّال داخل البلاد لم يعد يصل إلى العمل بشكل منتظم، سواء بسبب الخوف أو القيود المختلفة. في الوقت نفسه، أصبح الاستيراد أكثر صعوبة وكلفة. في هذه المرحلة، لم يكن الحديث عن توسّع أو نمو، بل عن كيفية الحفاظ على استمرارية العمل والوفاء بالالتزامات تجاه الموظفين والمورّدين.
الحرب أثرت على حركة الاستيراد بشكل كبير، كيف انعكس الأمر عليكم؟
نحن نستورد المواد الخام من آسيا وأوروبا لتصنيع الأثاث، ونستورد اثاث جاهز من تركيا للتسويق والبيع المباشر للزبائن. في بداية الحرب كانت هناك مخاوف كبيرة لكن استطعنا تدبير أمورنا. التكاليف زادت وأوقات الشحن صارت أطول.
كيف استقبلتم قرار الرئيس التركي بقطع العلاقات التجارية بشكل كامل بين تركيا وإسرائيل؟
القرار كان مفاجأة وبدون أي تمهيد. نحن نعتمد على تركيا بشكل أساسي في استيراد الأثاث الجاهز، وفجأة أصبح هذا المسار غير واضح. في البداية كان هناك ضغط كبير، لأن لدينا طلبيات والتزامات تجاه الزبائن، وكان علينا أن نعرف كيف نكمل دون أن يتوقف العمل.

كيف تغلبتم على هذه الأزمة؟
عن طريق الاستيراد عبر فلسطين. الأتراك منعوا التصدير إلى إسرائيل وليس إلى السلطة الفلسطينية. نتحدث عن نفس الموانئ لهذا أصبحنا نستورد البضاعة التركية عبر شركات فلسطينية. حتى التجّار اليهود في إسرائيل استغلوا هذه الثغرة. لكن هذا أيضا توقف بعد فترة.
ماذا حدث؟
لاحظ الأتراك بأن التصدير إلى السلطة الفلسطينية ارتفع بشكل حاد من مستوى 250 مليون دولار تقريبا في السنة إلى 800 مليون دولار خلال بضعة أشهر، وأدركوا بأن هذه البضائع تصل إلى الأسواق الإسرائيلية. على أثر ذلك صعبت السلطات التركية إجراءات التصدير أكثر للسلطة الفلسطينية وأصبحت فترات تخليص البضائع المستوردة أطول بكثير. أصبحت السلطات التركية تفحص كل طلب تصدير بشكل عيني. وبالنسبة للسلطة الفلسطينية كانت هذه فرصة ذهبية لأنها كسبت من ورائها أموال كثيرة من العمولات والجمارك.
كيف أثّر كل ذلك على أسعار البضائع والمنتجات التركية في السوق؟
بتقديري هذه الإجراءات رفعت تكلفة المنتجات التركية بـ 15%.
ومن يدفع الثمن هو المستهلك النهائي؟
ليس دائما. أحيانا التاجر يتكبد هذه الزيادة ويقلل نسبة الربح ليحافظ على وجوده في السوق.
في المجتمع العربي يوجد عشرات المستوردين العرب من تركيا، هل كانت هناك محاولة لتنظيم إطار تمثيلي يوضح للأتراك بأن الصورة مركبة وبأن للتجار الفلسطينيين في إسرائيل خصوصية معينة؟
بالنسبة للمؤسسة الرسمية التركية التاجر العربي في إسرائيل هو تاجر إسرائيلي، وليس لديه أي خصوصية أو مكانة خاصة. ومحليا لم تكن هناك أي محاولة لتنظيم منتدى للتعامل مع الأزمة، لكني حاولت التواصل مع الغرفة التجارية التركية ومع رئيس قطاع الأثاث والأخشاب هناك، والذي هو صديق شخصي لي، لكن ذلك لم يُساعد.
كيف تفسر فشل المستوردين والتجار العرب في تشكيل إطار يدافع ويحمي أعمالهم ومصالحهم التجارية في مثل هذه الظروف؟
نحن نعاني من مشكلة في التنظيم والعمل الجماعي. الحال في الضفة مختلف، هناك توجد عقلية تنظيم جماعي. ذكرت لك أنّ مصنعنا تعرض لحريق سنة 2000. من جاء لتقديم المساعدة من معارفنا في الضفة لم يكن تاجر أو رجل أعمال معين، من عرض علينا الدعم والمساعدة كانت الغرفة التجارية الفلسطينية التي تمثل رجال الأعمال والتجار. هذا التنظيم ليس موجود عندنا للأسف. حتى على مستوى مناطق معينة، مثلا منطقة المثلث، منطقة الشاغور، منطقة شفاعمرو، حتى على هذا المستوى لا يوجد عندنا أي تنظيم. نحن نفتقد لعقلية العمل الجماعي، وهذه أزمة فعلاً.
ما حجم استيراد قطاع الأثاث من تركيا للمجتمع العربي؟
أتوقع أن حجم استيراد الأثاث من تركيا إلى المجتمع العربي في البلاد بلغ حتى السابع من أكتوبر 120 مليون دولار تقريبا، وبسبب المقاطعة التجارية تراجع استيراد الأثاث التركي بـ 40% على الأقل.
مطلوب حل “ثوري”
العنف والجريمة يستشريان في كل البلدات العربية، كيف تؤثر هذه الظاهرة على أعمالكم؟
الوضع مقلق جداً. وهذا أكبر عائق أمام النمو والتطور. بسبب العنف والجريمة لا أحد يفكر كيف يطور أعماله ومشاريعه بل كيف نحافظ على الموجود. لا أحد يعرف ماذا سيحدث معه اليوم أو غدا في هذا السياق. أقول لك بصراحة صرنا نحسب ألف حساب لأي حملة إعلانية كيف لا نلفت انتباه جهات مشبوهة.
برأيك كيف يمكن محاربة العنف والجريمة في المجتمع العربي؟
المسؤولية الأولى لمكافحة هذه الظاهرة تقع على الدولة وعلى المؤسسات الرسمية. وظيفة المجتمع العربي، المحلي والقطري، هي الضغط. الحل الوحيد برأيي هو العصيان المدني، وهذا قد يحدث في أي لحظة كانفجار بسبب ضيق الناس من الوضع.
عندما تتحدث عن الصعوبات التي تواجه رجال الأعمال العرب، ما هي التحديات العميقة، البنيوية، التي تواجههم؟
نحن نعيش في أصعب مكان للتطور والنمو لأي رجل أعمال عربي. التحدي الحقيقي يتعلق ببنية النظام نفسه. سرعة التطور المتاحة لرجل الأعمال العربي داخل إسرائيل أبطأ بكثير، ليس بسبب نقص في المبادرة أو القدرة، بل بسبب طريقة تعامل المؤسسات والسوق معنا. إذا أخذت مثالاً بسيطاً، شاب عربي يهاجر إلى الولايات المتحدة يستطيع خلال سنوات قليلة أن يؤسس عملاً تجارياً وينمو بسرعة، لأن السوق هناك مفتوح ولا يضع اعتبارات الهوية أو السياسة أمامه. في إسرائيل، الأمر مختلف تماماً. لا أرى نموذجاً واضحاً لرجل أعمال عربي تحوّل إلى لاعب مركزي في السوق الإسرائيلي الكبير.
وماذا عن رجال الأعمال العرب الذين نجحوا نسبياً داخل السوق الإسرائيلي؟
حتى من نجحوا، يواصلون العمل بحذر دائم. كل خطوة محسوبة، وكل قرار تسويقي أو إعلامي يخضع لتفكير مضاعف. هناك خوف دائم من أي رد فعل سياسي أو اجتماعي يمكن أن ينعكس فوراً على المبيعات. في هذا الواقع، يصبح النجاح الاقتصادي مشروطاً، وتبقى هناك سقوف غير معلنة يصعب تجاوزها.












