خلال السنوات القريبة المقبلة ستواجه إسرائيل أحد أخطر الاختبارات المالية الدولية، وهو التدقيق الذي تجريه منظمة FATF المختصة بمراقبة دول العالم في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. هذا التدقيق لا يهم البنوك والحكومة فقط، بل قد يؤثر بشكل مباشر على حياة الناس اليومية، من تحويل الأموال إلى الخارج، مرورًا بكلفة الخدمات البنكية، ووصولًا إلى الاستثمارات والاقتصاد. ورغم أن الموضوع يبدو بعيدًا عن الحياة اليومية، إلا أن له علاقة مباشرة أيضًا بقضايا هامة، من بينها مكافحة الجريمة في المجتمع العربي.

ما هو التدقيق المالي الدولي لمنظمة FATF؟
هو فحص شامل تقوم به مجموعة العمل المالي (FATF)، وهي منظمة دولية مقرها في باريس، تتابع خلاله التزام الدول بمنع غسل الأموال وتمويل الإرهاب. خلال هذا التدقيق يتم فحص عمل البنوك، الشرطة، النيابة، سلطة الضرائب، سوق العقارات، شركات الصرافة، المحامين، المحاسبين، وتجار الألماس. الهدف هو التأكد من أن الدولة لا تكتفي فقط بسن قوانين مالية على الورق، بل تطبقها فعليا على أرض الواقع.
ما أهميته؟
أهمية هذا التدقيق تكمن في نتائجه العملية. الدولة التي تفشل فيه تُصنف كدولة عالية المخاطر من الناحية المالية، ما يدفع البنوك والمؤسسات المالية في العالم إلى تشديد تعاملها معها. هذا قد يؤدي إلى صعوبات في تحويل الأموال، ارتفاع العمولات البنكية، وتراجع الاستثمارات، وهو ما ينعكس مباشرة على المواطنين والشركات.
متى كان آخر تدقيق، وما النتيجة التي حققتها إسرائيل؟
آخر تدقيق خضعت له إسرائيل كان في عام 2018. في ذلك التدقيق حصلت إسرائيل على تقييم مرتفع جدًا، واعتُبرت من الدول المتقدمة عالميًا في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. نتيجة ذلك انضمت إلى منظمة FATF، وهي منظمة تضم عددًا محدودًا من الدول، كما أُعفيت من تدقيق إضافي لعدة سنوات. لكن، منذ عام 2018 وحتى اليوم تغيرت المعايير الدولية، وتغيرت أيضا أوضاع إسرائيل الداخلية، سواء من ناحية القوانين أو من ناحية تطبيقها.
متى سيكون التدقيق التالي؟
التدقيق المقبل لمنظمة FATF مقرر في عام 2028. لكن نتائجه ستُبنى على ما تقوم به إسرائيل قبل ذلك، وتحديدا في عامي 2026 و2027. خلال هذين العامين ستفحص المنظمة ما إذا كانت إسرائيل قد سنت القوانين المطلوبة، وما إذا كانت قد بدأت فعليا بتطبيقها. أي قانون لا يُسن قبل نهاية 2026، ستجد إسرائيل صعوبة في إقناع المنظمة بأن تطبيقه قد جرى فعليًا على أرض الواقع بالصورة المطلوبة، نظرًا لقصر المدة الزمنية بين موعد سنه وموعد التدقيق في 2028.

ما المختلف هذه المرة؟
الاختلاف الأساسي هو أن FATF لم تعد تكتفي بمجرد سن القوانين المطلوبة فحسب، بل ترغب في رؤية نتائج فعلية وأرقام واضحة. ترغب المظمة في إجراءات على أرض الواقع، مثل مصادرة الأموال، وتحقيقات، وإدانات، ورقابة حقيقية على جميع القطاعات المالية، وليس على البنوك فقط. لم تسنّ إسرائيل بعد عدد من القوانين المالية الهامة، من بينها قانون يسمح بمصادرة أموال الجريمة، وقانون يلزم الشركات بالكشف عن أصحابها الحقيقيين. إضافة إلى ذلك، هناك قوانين تم سنها فعلًا، لكنها تطبيقها ليس بالصورة المطلوبة. إلى جانب ذلك، غادر العديد من المسؤولين الماليين الذين قادوا النجاح في 2018، فلم تعد المناصب المركزية في البنوك والهيئات الرقابية بيد نفس الشخصيات المهنية التي دفعت بقوة نحو الالتزام بالمعايير الدولية، بل أصبحت القرارات مرتبطة أكثر بالاعتبارات السياسية، مع توتر واضح بين الحكومة الحالية والهيئات الدولية.
ما علاقة المجتمع العربي بالموضوع؟
العلاقة مباشرة. من بين القوانين التي تطالب بها FATF ولم تُسن حتى الآن قانون مصادرة أموال الجريمة. هذا القانون يتيح للدولة مصادرة أموال وممتلكات ثبت أنها ناتجة عن نشاط إجرامي، حتى عندما يصعب ربط كل شي بجريمة محددة. هذا النوع من القوانين يُستخدم في دول كثيرة لمكافحة الجريمة المنظمة، وهو مهم بشكل خاص في مواجهة شبكات الجريمة والسوق السوداء داخل المجتمع العربي. غياب هذا القانون يُعتبر فشلا في محاربة الجريمة، ونقطة ضعف خطيرة في مكافحة غسل الأموال.
ما الآثار المتوقعة على المواطنين إذا تم تخفيض تصنيف إسرائيل؟
إذا فشلت إسرائيل في التدقيق وتم إدراجها في القائمة الرمادية، ستبدأ البنوك الأجنبية بالتعامل معها بحذر شديد. هذا يعني أن أي تحويل أموال إلى الخارج أو من الخارج سيصبح أطول، أعقد، وأكثر كلفة. سترتفع العمولات البنكية، وقد تواجه شركات صعوبات في العمل مع بنوك خارجية. المواطن العادي قد يشعر بذلك عند تحويل أموال لعائلته، أو دفع أقساط التعليم في الخارج، أو عندما ترتفع كلفة السلع المستوردة بسبب تعقيد التحويلات المالية.
مقالات ذات صلة: كيف تمكن نشطاء عرب ويهود من تفادي الحظر البنكي على التبرع لغزة؟












