
ما يزال أكثر من مليون شخص في قطاع غزة يعيشون في الخيام ويكافحون للحفاظ على أجسادهم دافئة رغم الأمطار والرياح. ونظراً لأوضاعهم، بدأ مواطنون إسرائيليون من اليهود والعرب بمحاولة مساعدة سكان القطاع، لكنهم اكتشفوا أن المهمة ليست بسيطة؛ إذ تمنع شركات بطاقات الاعتماد والبنوك في إسرائيل والعالم المتبرعين من تحويل الأموال إلى السكان في قطاع غزة. ويسري المنع حتّى على المبالغ الصغيرة التي تُحول مباشرة إلى العائلات المتضررة. وفي كثير من الحالات، لا تنجح محاولات استخدام تطبيقات الدفع لتحويل الأموال، وكذلك التحويلات عبر مواقع التمويل الجماعي. وذلك لأن البنوك الإسرائيلية والدولية تخشى وصول الأموال إلى منظمات إرهابية وهي ملزمة بمنع ذلك بموجب القانون. وفي محاولة للالتفاف على القيود من أجل مساعدة سكان القطاع، لجأ المتبرعون مؤخراً إلى استخدام العملات الرقمية – وهو مسار يُنظَر إليه عادةً بريبة، بسبب ارتباطه بالجريمة وتبييض الأموال.
“لا أحد يبني فيلا بتبرعاتنا. هذه مبالغ تكفي فقط لتأمين الحد الأدنى من مقومات العيش، من طعام وملابس وسكن. مبالغ تكفي فقط لكي لا يموتوا جوعاً” أدوه باركاي رونين
في بداية الحرب، صُنفت غزة كـ “منطقة معادية” في النظام البنكي الإسرائيلي وفي جزء من النظام البنكي الدولي، وأصبح التحويل المباشر للأموال بين الحسابات البنكية في إسرائيل والحسابات في غزة مستحيلاً. كان الحل الشائع في أشهر الحرب الأولى هو التحويل عبر البنوك في الضفة الغربية؛ حيث قام المتبرعون حينها بتحويل مبالغ صغيرة إلى جهات موثوقة ومعروفة في الضفة، لضمان عدم الاشتباه بهم في تحويل أموال لحركة حماس. ومع ذلك، اكتشف الإسرائيليون الذين كانوا على اتصال مباشر مع الغزيين الذين حاولوا مساعدتهم بهذه الطريقة، أن هؤلاء اضطروا لدفع نسبة كبيرة جدًا تصل إلى 50% من قيمة المبلغ المحوّل، على شكل عمولة للبنوك أو للصرافين مقابل الحصول على المال نقداً. وتوعد أسباب ذلك إلى الدمار الذي لَحِقَ بالنظام البنكي في القطاع والنقص الحاد في السيولة النقدية، وهي وسيلة الدفع الوحيدة تقريباً التي كان من الممكن استخدامها خلال الحرب.

طريقة أخرى حاول الإسرائيليون من خلالها تحويل الأموال إلى سكان غزة كانت عبر حسابات بنكية أجنبية. أصبحت الطبيبة البيطرية الإسرائيلية المقيمة في كندا، أدوه باركاي-رونين، نقطة وصل أساسية في شبكة من المتطوعات الإسرائيليات من البلاد والخارج اللواتي يساعدن عشرات العائلات في غزة. وقالت باركاي-رونين: “في البداية، كنا نحول الأموال عبر حساباتنا وسرعان ما تبين أن الأمر معقد ويثير إشكالات قانونية كبيرة، إذ يبدو الأمر تمامًا كأنّه غسيل أموال”. وأوضحت: “لذلك أنشأنا جمعية في كندا بهدف استقبال الأموال من المتبرعين وتحويلها إلى العائلات التي نحن على تواصل معها. نحن نحتفظ بلقطات شاشة لكل متبرع، لكي نعرف بالضبط من هم الأشخاص الذين نتبرع لهم”. وتؤكد باركاي-رونين أنّ البنك الكندي أيضاً وضع بدوره عوائق أمامهم وكان صارمًا للغاية، حيث طلبوا مثلاً العنوان الكامل للعائلة في غزة، رغم أن العائلات تعيش في خيام، وبيوتهم دُمِرَت منذ فترة طويلة. “كان الأمر بمثابة صداع كبير، لكننا طورنا ف النهاية آلية عمل شبه مستقرة، والآن يستغرق وصول الأموال حوالي أسبوع”.
حاليًا، تعمل 60 شبكة دعم عبر الجمعية الكندية، حيث تساعد كل شبكة عادةً عائلة واحدة. وخلافاً لحملات التشهير ضدهن على شبكات التواصل الاجتماعي، فإن المتطوعات مقتنعات بأن جميع الأموال تصل إلى وجهتها ولا تصل إلى جهات مصنفة كإرهابية. وتؤكد المتطوعات أن الأموال تُحول فقط لعائلات هنّ على تواصل مستمر معهم، وأن على هذه العائلات تقديم دليل على استلام الأموال وتوثيق شراء الملابس أو الطعام. بالإضافة إلى مساعدة العائلات، وإلى جانب دعم العائلات، تدير الجمعية الكندية حملات خاصة، بينها حملة لشراء خيام ومعدات لفصل الشتاء، وحملة دعم لمخيم نازحين مستقل يُدعى الأنوار، قرب خان يونس.

اكتشف إسرائيليون حاولوا التبرع لسكان غزة عبر مبادرات دولية من هذا النوع أن شركات بطاقات الاعتماد، ولا سيما “يسرا كارد” (Isracard)، لا توافق أحياناً على ذلك. وغالباً ما كان المتبرعون يتلقون رسالة توضح أن التحويل قد أُلغي “نظراً لكونه إجراءً محظوراً وفقاً لسياسة الشركة”، وذلك على الرغم من أن التحويل في هذه الحالة كان يتم إلى حسابات في الخارج أولًا، قبل تحويلها إلى قطاع غزة. ويؤكد ناشطون أنه إذا ظهرت كلمة “غزة” (Gaza) في عنوان المشروع أو وصفه، فسيتم حظر الحوالة المالية.
تاليا ليفين، إسرائيلية تعيش في البرتغال، تتطوع هي الأخرى في الشبكة وقضت وقتًا طويلًا في محاولة كسر الحصار المالي المفروض على القطاع. وقالت ليفين: “في البداية كنت أحول من حسابي في البرتغال إلى بنك فلسطين وكان الأمر بسيطاً للغاية، لكن فجأة بدأت تُرفَض هذه التحويلات”. وأضافت: “ذهبت إلى البنك لأسأل عما حدث، فقالوا بأن الموضوع خارج سيطرتهم، وأوضحوا أن بنكاً ألمانياً هو من قام بإيقاف الحوالة”.
اكتشفت المتطوعات أنه في بعض الأحيان، حتى عندما تصل الأموال إلى الحساب البنكي المقصود في غزة، لا تنتهي القصة عند هذا الحد. فقد روى ربّ أسرة في غزة، كان على تواصل دائم مع المتطوعات، أن البنك جمد حسابه بسبب تحويل الأموال إليه من كندا. وقالت ليفين: “هذا الشخص ناشط سلام منذ 20 عاماً، ويعيش مع زوجته وأطفاله في خيمة للشتاء الثالث على التوالي. إنّهم لا يمتلكون شيئًا. كان لديه قبل الحرب حصان عربي جميل ودجاجات، وفي اليوم الذي اضطروا فيه لمغادرة منزلهم، وضع كلّ العلف الذي كان لديه أمام دجاجاته وغادر”. وذكرت ليفين أن الأب اضطر للذهاب إلى الفرع البنكي الوحيد الذي لا يزال يعمل في جنوب القطاع في الساعة الواحدة ليلاً والوقوف في طابور طويل من أجل محاولة تحرير أمواله التي جمدها البنك.
في أعقاب هذه الصعوبات، لجأت المتطوعات إلى طريقة جديدة لتحويل الأموال، وذلك عبر تطبيقات العملات الرقمية. وقالت إحدى المتطوعات إنها تحوِّل المبلغ وخلال ثانية واحدة فقط يصل إلى المستلم. وأضافت أنّه في البداية كان هناك صرافون يتقاضون عمولات مرتفعة لتحويل المبلغ المحوّل بالعملة الرقمية إلى نقد (تكيييشه)، ولكن بات من الممكن الآن فتح حساب محلي، يشبه حساب PayPal، يمكن تحويل الأموال إليه واستخدامها مباشرة.

مثل بقية المتطوعات، ذكرت ليفين أنه من الصعب على الإسرائيليين المحيطين بها سماع ما تقوم به، وقالت: “إنهم أشخاص طيبون لكنّ تعرّضوا لغسيل دماغ، وهم غير قادرين على النظر خارج أنفسهم وتفهّم معاناة الآخرين”. وأضافت باركاي-رونين: “لا أحد يبني فيلا بتبرعاتنا، هذه مبالغ تكفي فقط لتأمين الحد الأدنى من مقومات العيش، من طعام وملابس وسكن. مبالغ تكفي فقط لكي لا يموتوا جوعاً. هناك امرأة من غزة مريضة بالسرطان مع نقائل عظمية، لديها طفلة وتعاني من آلام مبرحة، نحن نرسل لها المال لتتمكن من شراء مسكنات مثل الإيبوبروفين أو الأكامول”.
يدير نشطاء اجتماعيون من المجتمع العربي شبكة مماثلة لتحويل التبرعات، طلبوا عدم الكشف عن هويتهم خوفاً من تورطهم مع “الشاباك” واتهامهم بدعم الإرهاب. تلتزم هذه الشبكة بعدة قواعد؛ حيث يتم تحويل الأموال للنساء فقط في القطاع، واللواتي يُطلب من كلّ واحدة منهنّ إرسال صورة عن بطاقة هويتها، ولا يسمح بتدخل الرجال. كما يقومون بتحويل مبالغ صغيرة فقط تكفي لعائلة واحدة. وبحسب قول أحد نشطاء الشبكة، فإنهم يتلقون تبرعات أيضاً من يهود متواجدين في البلاد وحول العالم.

إلى جانب شبكات الدعم هذه، واجهت منظمات معروفة صعوبات في إيصال المساعدات إلى القطاع. فمنظمة “أطباء من أجل حقوق الإنسان“، وهي إحدى أكبر المنظمات الإنسانية في إسرائيل، حاولت في بداية الحرب شراء أدوية من مصر لصالح مستشفيات القطاع وإدخالها عبر معبر رفح الذي كان يعمل في ذلك الوقت. وقالت نائبة مديرة الجمعية، لي كاسبي: “حظر بنك هبوعليم التحويل، وبعد شهر هددوا بتجميد حسابنا. لقد تراجعوا عن قرار التجميد لكنهم ليسوا مستعدين للسماح لنا بالقيام بأي نشاط يتعلق بغزة. طلبوا منا إحضار تصريح من الجيش، وكنا في محادثات مع وحدة ‘تنسيق أعمال الحكومة في المناطق (المنسق)’ وقالوا إنه لا مانع من إدخالنا للمساعدات لكنهم لا يستطيعون إصدار خطاب رسمي بهذا الشأن”.
واجهت المنظمة صعوبات إضافية عندما حولت في يناير من العام الماضي مبلغ 5,000 شيكل لجمعية في قلقيلية تعمل في مجال تأهيل ذوي الإعاقة، وذلك لتركيب ساق صناعية لجريح فلسطيني. بعد التحويل، تبين أن الجمعية أُدرجت قبل نحو 20 عاماً في القائمة السوداء لوزارة الدفاع بسبب صلات بمنظمات إرهابية. هدد البنك مجدداً بتجميد الحساب ولم يسيمح باستمرار عمله إلا بأمر قضائي. حاولت المنظمة فتح حساب في بنك آخر لكنها واجهت صعوبات. في هذا الصدد، تقول كاسبي: “يبدو أنّ نقاطًا حمراء وُضِعَت تحت اسمنا في النظام البنكي بأكمله، ففي يونيو تلقينا أيضاً خطاباً من مسجل الجمعيات يفيد بفتح تحقيق ضدنا”.
رفعت “أطباء من أجل حقوق الإنسان” دعوتين قضائيتين ضد البنك للمطالبة بالسماح لها بالاستمرار في تقديم المساعدات لسكان غزة دون تجميد حسابها، ولا تزال الدعوتين في المحاكم. وادعى بنك هبوعليم في دفاعه أنه يعمل بموجب القانون: “هذا ليس أمراً اختارت البنوك القيام به من تلقاء نفسها، ولا يدرّ عليها ربحًا، بل فُرض عليها القيام بذلك بموجب القانون”.
وجاء في رد شركة “يسرا كارد”: “تماشياً مع المعمول به في النظام المالي في إسرائيل، نحن لا نسمح بإجراء تحويلات مالية إلى غزة، المصنفة كمنطقة معادية. تنطبق هذه السياسة بسبب عدم القدرة على ضمان عدم تحويل الأموال لتمويل نشاط المنظمات الإرهابية. تُتخذ هذه السياسة كجزء في إطار إدارة المخاطر، وحظر تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، ولأغراض أمنية”.












