“هذا مكان لا يشعر فيه الأصم أنه غريب، ولا يضطر فيه إلى شرح نفسه كل مرة”

الثلاثاء, يونيو 30, 2026 12:15
/
/
“هذا مكان لا يشعر فيه الأصم أنه غريب، ولا يضطر فيه إلى شرح نفسه كل مرة”

“هذا مكان لا يشعر فيه الأصم أنه غريب، ولا يضطر فيه إلى شرح نفسه كل مرة”

في مقهى "زينة آيس كريم" في كفر قرع يقف خلف طاولة الطلبيات طاقم عمل من ذوي الإعاقات السمعية، يتابعون الحركة، يبتسمون، ويردون بلغة لا يسمعها معظم الزبائن، لكنهم يتعلمونها هنا ببطء.
أيقون موقع وصلة Wasla
366091 5 SMART REFRESH Arabic 53 1140x145px 300 ppi

 في مقهى “زينة آيس كريم” في كفر قرع، لا يبدأ الطلب دائمًا بالكلام. أحيانًا يكفي أن يرفع الزبون يده، أو أن ينظر إلى الشاشة أمامه، أو أن يتعلم إشارة بسيطة لكلمة “قهوة” أو “بوظة”. خلف الطاولة يقف عاملون من الصم، يتابعون الحركة، يبتسمون، ويردون بلغة لا يسمعها معظم الزبائن، لكنهم يتعلمونها هنا ببطء.

المكان يبدو للوهلة الأولى كمقهى عادي: آلة قهوة، ثلاجة بوظة، رائحة وافل، وطاولات تنتظر زبائن الصباح والمساء. لكن التجربة التي تحاول جمعية “أنصت” بناءها هنا ليست عادية. فالمقهى تحوّل، بعد سنوات من عمله كمصلحة تجارية محلية، إلى نموذج صغير لاختبار سؤال أكبر: هل يمكن للصم أن يديروا مصلحة تجارية بأنفسهم، لا كحالة تعاطف، بل كعاملين مهنيين في سوق عمل لا يترك لهم عادة مساحة كافية؟

شادي عيد، مؤسس ومدير جمعية “أنصت” لدعم الصم وثقيلي السمع في المجتمع العربي، لا يتحدث عن المشروع كفكرة إدارية فقط. بالنسبة إليه، بدأت القصة من البيت. شقيقته خديجة من فئة الصم، وكان يرى الصعوبة البسيطة والمتكررة التي قد تواجهها في مكان عام عند محاولة طلب شيء ما. “كان عندي حلم أن أدخل مقهى أو مطعمًا ويكون ناطقًا بلغة الإشارة”، يقول عيد. “مكان لا يشعر فيه الأصم أنه غريب، ولا يضطر فيه إلى شرح نفسه كل مرة”.

من هذه الفكرة وُلدت النسخة الجديدة من مقهى “زينة”. الطاقم الحالي يضم ستة عاملين من الصم، يتوزعون بين التدريب والعمل اليومي. أحد العاملين السامعين، وجدي، بقي من الطاقم السابق، ويتولى تدريبهم على إعداد القهوة وإدارة التفاصيل اليومية، من الكاشير إلى خدمة الزبائن، بهدف أن يصبحوا قادرين لاحقًا على إدارة المكان بأنفسهم.

a47a25dd 5a53 4aa0 895e 888c03bd22c2
في الصورة من اليمين إلى اليسار: روني سيفان، شادي عيد، زينة محاجنة وديانا كبها. (تصوير: يحيى جبارين)

التحدي الأول لم يكن في إعداد القهوة، بل في بناء لغة مشتركة مع الزبائن. لذلك أدخلت الجمعية حلًا رقميًا بسيطًا: تطبيق يعرض للزبون الإشارة المناسبة لكل طلب. من يريد البوظة أو القهوة أو الوافل، يستطيع أن يرى الحركة على الشاشة ويحاول تقليدها. هكذا يتحول الطلب، في لحظة قصيرة، من عملية شراء عادية إلى لقاء صغير بين عالمين.

 يقول عيد إن المشروع لا يريد أن يبقى محصورًا في كفر قرع. جمعية “أنصت”، التي تنشط من بئر السبع حتى الجليل، ترى في المقهى منصة تدريب وتجربة قابلة للتكرار في بلدات عربية أخرى. الفكرة ليست فتح فرع تجاري إضافي فقط، بل بناء نموذج يستطيع أن يقنع أصحاب مصالح آخرين بأن تشغيل الصم ممكن، وأن الحاجز الأساسي لا يكمن في قدرة العامل، بل في جاهزية مكان العمل للتكيّف.

في الفترة الأخيرة، بدأ المقهى أيضًا بتوسيع نشاطه إلى ساعات الصباح، مع وجبات فطور عربية بسيطة، بعدما كان يعتمد أساسًا على البوظة والحلويات والوافل في ساعات المساء. بالنسبة إلى عيد، هذه ليست إضافة إلى القائمة فقط، بل اختبار آخر لقدرة الطاقم على إدارة يوم عمل أطول وأكثر تنوعًا.

ea1a24cf 9fd1 469c bb86 d1a3a570f464 1
في الصورة من اليمين إلى اليسار: روني سيفان، شادي عيد وزينة محاجنة. (تصوير: يحيى جبارين)

“نسبة اندماج الصم في سوق العمل ما زالت ضئيلة جدًا”، يقول عيد. “حتى الأشخاص السامعون يجدون اليوم صعوبة في إيجاد عمل، فكيف بمن يحتاج إلى بيئة عمل مهيأة؟ أصحاب المصالح تحت ضغط دائم، وكثيرون لا يملكون الوقت أو المعرفة للتعامل مع ذلك”.

في مقهىزينة، لا تُحل هذه المشكلة الكبيرة دفعة واحدة. لكنها تُصبح مرئية. زبون يتعلم إشارة. عامل أصم يقف خلف الصندوق. فنجان قهوة يُقدَّم بلا كلمة واحدة. وفي بلدات اعتادت أن ترى الأشخاص الصم على هامش سوق العمل، يحاول هذا المكان الصغير أن يقول إن الدمج لا يبدأ بالشعارات، بل بطاولة، وزبون، وفرصة عمل حقيقية.

366091 5 SMART REFRESH Arabic 520 1140x145px 300 ppi

مقالات مختارة

Skip to content