من شراء البرامج إلى شراء النتائج: هل نحن مستعدون لثورة الذكاء الاصطناعي في مصروفنا أيضاً؟

الأربعاء, أغسطس 26, 2026 19:39
/
/
من شراء البرامج إلى شراء النتائج: هل نحن مستعدون لثورة الذكاء الاصطناعي في مصروفنا أيضاً؟

من شراء البرامج إلى شراء النتائج: هل نحن مستعدون لثورة الذكاء الاصطناعي في مصروفنا أيضاً؟

أيقون موقع وصلة Wasla
366091 5 SMART REFRESH Arabic 53 1140x145px 300 ppi

على مدى عقود، كنّا ندفع مقابل خدمات لا نمتلك الوقت أو الخبرة لإنجازها. ندفع مقابل شراء برامج معقّدة، أو لخدمات المحاسبين والمحامين، وهو ما كان يشكّل وجه اقتصادنا الحديث. لكن ثورة الذكاء الاصطناعي التي بدأت بالفعل تَعِدُ بتغيير ذلك. فقريبًا، سيمتلك كلٌّ منّا «وكيل شخصي» يعمل بواسطة الذكاء الاصطناعي، يتولّى العديد من المهام التي لا نستطيع القيام بها، ويدير معظم شؤوننا المالية لتحقيق النتائج المرجوة. فكيف سيحدث ذلك؟ وهل المجتمع مستعدٌ لهذا التغيير الثوري الذي سيعيد تشكيل الوظائف ويخلق العديد من الفائزين والخاسرين؟

د. هشام عبد الحليم
د. هشام عبد الحليم – رئيس قسم الذكاء الاصطناعي والفلسفة في كلية آفيكا وخبير في مجالات السايبر والـAI، تصوير: هبة قاسم

 

لا شكّ أن الذكاء الاصطناعي غيَّرَ بالفعل طريقة عملنا وتواصلنا بها وبحثنا عن المعلومات واستهلاكنا للمحتوى، لكن الثورة الحقيقية لم تبدأ بعد، وقد تطال أحد أهم الجوانب في الاقتصاد الحديث: الطريقة التي نصرف بها أموالنا.

على مدى عقود، كان الأفراد والشركات ينفقون جزءًا كبيرًا من أموالهم مقابل خدمات يتطلّب إنجازها وقتًا وعملًا بشريًا، ومعرفة وخبرة متخصّصة، وكذلك على أتعاب الوسطاء. فنحن ندفع للمحامين مقابل إعداد الوثائق، وللمحاسبين مقابل تحليل البيانات، ولموظّفي خدمة الزبائن مقابل الردّ على الاستفسارات، ولشركات البرمجيات مقابل تنفيذ مهام معقّدة تحتاج إلى أنظمة متطوّرة وفرق كبيرة لتشغيلها. وبمعنى آخر، يقوم جزء كبير من النشاط الاقتصادي على دفع المال مقابل أعمال لا نملك المعرفة أو الوقت أو القدرة اللازمة لإنجازها بأنفسنا.

لكنّ الذكاء الاصطناعي بدأ يغيّر هذه المعادلة. ففي الماضي، كان تقديم خدمة جيّدة يحتاج إلى ساعات طويلة من عمل الموظّفين والمتخصّصين، وبالتالي إلى تكاليف مرتفعة. أمّا اليوم، فيستطيع الذكاء الاصطناعي إنجاز جزء كبير من هذه المهام بسرعة أكبر وبتكلفة أقلّ بكثير. ولا يقتصر تأثيره على تسريع العمل ورفع كفاءته وخفض تكلفته، بل قد يؤدي أيضًا إلى تغيير جذري في شكل إنفاقنا وحجمه. وهذا يشبه تأثير الإنترنت سابقًا عندما خفّض تكاليف الحصول على المعلومات والتواصل.

“كما غيّرت الثورة الصناعية توزيع الإنفاق بين الغذاء والتصنيع والخدمات، قد تغيّر ثورة الذكاء الاصطناعي بدورها توزيع الإنفاق بين العمل والخبرات الإنسانية والمعرفة والأتمتة.”

تمثّلت الثورة الأولى في الانتقال من رقمنة المعلومات إلى رقمنة الخدمات. أمّا الثورة التالية فستتمثّل في أتمتة اتّخاذ القرارات وتنفيذ المهام. قد بدأت بوادر هذا التحوّل تظهر بالفعل في الشركات، التي أصبحت تخصّص أموالًا أقلّ للمهام التي ينفّذها الموظّفون يدويًا، وتستثمر أكثر في أنظمة الذكاء الاصطناعي. وبدلًا من توظيف فرق كاملة لتنفيذ مهام روتينية، أصبح هناك اعتماد على وكلاء الذكاء الاصطناعي الذين يستطيعون تنفيذ جزء من هذه المهام بصورة مستقلّة، مثل تحليل الوثائق، وترتيب المهام حسب الأولوية، والتواصل مع الزبائن، وتحليل بيانات الشركة واستخلاص معلومات مفيدة منها، وحتى تنفيذ بعض العمليات المالية.

لكن التأثير لن يقتصر على الشركات، فمن المتوقّع أيضًا أن تؤثّر رياح التغيير عل كلِّ شخصٍ منّا. فجزء كبير من نفقاتنا اليوم يعود إلى افتقارنا إلى الوقت أو المعرفة والخبرة اللازمة لاتّخاذ أفضل القرارات: فقد ندفع أكثر لأنّنا لا نمتلك الوقت لمقارنة الأسعار، أو نفتقر إلى المعرفة الكافية لفهم العقود وإدارة أموالنا، أو القدرة على دراسة كلّ الخيارات المتاحة قبل اتّخاذ قراراتنا اليومية. وفي المستقبل القريب، قد يصبح لكلّ شخص منّا «وكيل شخصي» يعمل بواسطة الذكاء الاصطناعي ويتولّى عنه العديد من المهام المرتبطة بأمواله ونفقاته، حيث يتفاوض مع الشركات ومقدّمي الخدمات، ويختار التأمين المناسب، ويبحث عن أفضل الفرص لتوفير المال، وينظّم مواعيد دفع الفواتير، بل ويتّخذ بعض القرارات المالية البسيطة بناءً على تفضيلات يحدّدها الشخص مسبقًا.

بعبارة أخرى، نحن ندفع اليوم تكاليف إضافية لأنّ إنجاز كثير من الأمور يتطلّب وقتًا ومعرفة وخبرة. وقد يساعد الذكاء الاصطناعي مستقبلًا على خفض هذه التكاليف بدرجة كبيرة. كما قد تتغيّر الطريقة التي نشتري بها المنتجات والخدمات: فبدلًا من شراء برنامج مثلًا ثمّ استخدامه بأنفسنا لتحقيق النتيجة المطلوبة، سيشتري الأفراد والشركات النتيجة المطلوبة مباشرة. وبدلًا من الدفع لخبير بحسب عدد ساعات عمله، سيدفعون مقابل حلّ المشكلة، وبدلًا من شراء برنامج معقّدٍ يحتاج استخدامه إلى تعليم وتدريب، سيتعاملون مع وكيل ذكاء اصطناعي يفهم ما يريدونه وينفّذ المهمّة نيابةً عنهم.

ai agent
بدل شراء برنامج معقد، سنتعامل مع وكيل ذكاء اصطناعي يفهم ما نريد وينفّذ المهمّة نيابةً عنا

 

ثورة اقتصادية واجتماعية أيضًا

قد تؤدّي هذه “الثورة” إلى انخفاض التكاليف في مجالات كثيرة، لكنّها ستؤدّي في الوقت نفسه إلى نشوء نوع جديد من الإنفاق. فإذا كنّا ندفع في السابق مقابل العمل البشري، فسندفع في المستقبل القريب مقابل أنظمة تضمن أن يعمل الذكاء الاصطناعي بصورة موثوقة وآمنة وتحت الرقابة. فعلى سبيل المثال، ستستثمر الشركات أكثر في أنظمة تراقب وكلاء الذكاء الاصطناعي، وتضمن الامتثال للأنظمة والقوانين، وتتيح معرفة أسباب القرارات التي يتّخذونها، وتحدّ من الأخطاء وعمليات الاحتيال. وبذلك، وإلى جانب أتمتة العمل، ستنشأ مجالات جديدة تُعنى بالرقابة على الذكاء الاصطناعي، وتفسير قراراته (Explainability)، وضمان أمنه.

وقد تكون التداعيات على الاقتصاد الكلّي هائلة. فإذا أصبح جزء كبير من الخدمات أرخص ومتاحًا بشكل أكبر ومُؤتمَت، فقد ينفق الناس جزءًا أكبر من أموالهم على التعليم والترفيه والعادات الصحية والأنشطة والتجارب المختلفة. وكما غيّرت الثورة الصناعية توزيع الإنفاق بين الغذاء والتصنيع والخدمات، قد تغيّر ثورة الذكاء الاصطناعي بدورها توزيع الإنفاق بين العمل والخبرات الإنسانية والمعرفة والأتمتة.

لكنّ هذا التحوّل الثوري لن يقتصر على التكنولوجيا فحسب، بل ستكون له آثار كبيرة على المجتمع أيضًا. فبعض المهن ستتغيّر بشكل جذري، وستضطرّ قطاعات كاملة إلى تغيير طريقة عملها وإعادة ابتكار نفسها. كما قد تظهر فجوات جديدة بين الأشخاص الذين يعرفون كيفية توظيف الذكاء الاصطناعي في عملهم ومن لا يمتلكون هذه المهارات. لذلك، لن يقتصر التحدّي في السنوات المقبلة على تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، بل سيشمل أيضًا تهيئة المجتمع والاقتصاد لاستخدامها بطريقة مسؤولة وعادلة وفعّالة.

يعلّمنا التاريخ أنّ الثورات التكنولوجية لا تغيّر الأدوات التي نستخدمها فقط، بل تغيّر أيضًا المجالات التي ننفق فيها أموالنا والطريقة التي تعمل بها الشركات. فالإنترنت غيّر قطاع الإعلانات، والهواتف الذكية غيّرت عادات الشراء والاستهلاك، وقد يغيّر الذكاء الاصطناعي بدوره ما ينفق عليه الأفراد والشركات أموالهم، وحجم ما يحتاجون إلى إنفاقه لإنجاز الأعمال وتقديم الخدمات. لذلك، لن يقتصر تأثير ثورة الذكاء الاصطناعي على الجانب التكنولوجي، بل سنشهد ثورة اقتصادية واسعة أيضًا.

*الكاتب رئيس قسم الذكاء الاصطناعي والفلسفة في كلية آفيكا وخبير في مجالات السايبر والـAI.

مقال آخر للدكتور هشام عبد الحليم: “بوتي حبيبي”: كيف ننجو من الوقوع في غرام الـ AI؟

IBI SMART 1140x140 1

مقالات مختارة

Skip to content