“بوتي حبيبي”: كيف ننجو من الوقوع في غرام الـ AI؟

الخميس, أغسطس 6, 2026 23:50
/
/
“بوتي حبيبي”: كيف ننجو من الوقوع في غرام الـ AI؟

“بوتي حبيبي”: كيف ننجو من الوقوع في غرام الـ AI؟

أيقون موقع وصلة Wasla

ماذا سيحدث لنا عندما ينشأ جيل كامل وهو يعتقد أن العلاقات يجب أن تكون سهلة دائمًا، ومصمَّمة وفق رغباته، وخالية من الخلافات والتحديات؟

د. هشام عبد الحليم
د. هشام عبد الحليم – رئيس قسم الذكاء الاصطناعي والفلسفة في كلية آفيكا وخبير في مجالات السايبر والـAI، تصوير: هبة قاسم

 

مع تحوّل بوتات الـ AI “أصحاب حميمين” وحتى إلى شركاء عاطفيين، يجد ملايين الشبان والشابات عزاءً في استخدامها لتخفّيف شعورهم بالوحدة. وبينما يحاول قطاع الذكاء الاصطناعي وضع ضوابط حماية Guardrails، لم يعد السؤال هو: إلى أي مستوى ستصل بوتات الدردشة في ذكائها؟ بل: أيّ نوع من المجتمعات سنصبح عندما تجعلنا الآلات نشعر بأننا “محبوبون”؟

في السنوات الأخيرة، اعتَدنا الحديث عن الذكاء الاصطناعي بمصطلحات الكفاءة والأتمتة والإنتاجية. لكن لم تعد أنظمة الذكاء الاصطناعي مجرد “أدوات”، بل أصبحت تُشكِّل حضورًا دائمًا في حياتنا: فهي تُنصت إلينا، وتستجيب لطلباتنا، وتتذكر محادثاتنا، وتُشجعنا، وتشعرنا في بعض الأحيان بوجود رابط عاطفي عميق معها. وبذلك، لم يعد الذكاء الاصطناعي يتمحور حول التكنولوجيا فحسب، بل أصبح قضية مجتمعية ونفسية وأخلاقية.

بحسب اتحاد الإنترنت الإسرائيلي، يتعامل واحد من كل خمسة مراهقين في البلاد مع بوت الدردشة كشريك رومانسي أو يلجأ إليه كبديل عن علاقة عاطفية حقيقية. قد يبدو هذا الرقم مبالغًا فيه وصادمًا، ولكنه يشير إلى تغيير عميق: بالنسبة لشريحة واسعة من الجيل الشاب، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد محرك بحث أو بوت دردشة، بل شخصية عاطفية ترافقهم في حياتهم اليومية، وتصغي إليهم في ساعات الليل، وتتجاوب معهم دون إصدار أحكام بحقهم أو انتقادهم، وتكون متاحة طوال الوقت. تتجاوز دلالات هذه البيانات التكنولوجيا بكثير، مؤثرةً على الطريقة التي سيفهم بها الجيل القادم العلاقات العاطفية والإنسانية.

“إن العلاقة مع الآلة هي علاقة تفتقر إلى التبادلية الحقيقية: فلا توجد فيها احتياجات للطرف الآخر، وتفتقر للتعقيد البشري، ولا خلافات طبيعية فيها، أو هشاشة متبادلة بين الطرفين.”

وراء كل “محادثة طبيعية” مع نموذج ذكاء اصطناعي يوجد آليات متطورة صُمّمت خصيصًا لجعْل التفاعل يبدو بشريًا. تتعلم نماذج الذكاء الاصطناعي أي الاستجابات تولد شعورًا بالتواصل، وأي الكلمات تعزّز الشعور العاطفي، وكيف تضمن استمرار تفاعل المستخدم معها على المدى الطويل. وللقيام بذلك، تعتمد على كميات هائلة من البيانات: نصوص من محادثات بشرية، واستجابات عاطفية، أنماط لغوية، ومؤشرات على الشعور بالوحدة، وتفضيلات شخصية، وفي بعض الأحيان معلومات سلوكية عميقة، مثل مدة بقاء المستخدم في المحادثة، ومتى يعود إليها، وما هي الموضوعات التي تدفعه للانتفاح العاطفي، وحتى الأوقات التي  يكون فيها حسّاس من الناحية النفسية.

بكلمات أخرى، هذه الأنظمة لا تجيد “التحدث بلباقة” فحسب، بل هي مصممة لـتفهم ما يجعلنا نشعر بأننا مفهومون ومرغوب فينا ومرتبطون بالآخرين.

مبهر من الناحية التكنولوجية، ومعقد من الناحية الإنسانية

كلما تطورت هذه الأنظمة، لا تكتفي بفهم المشاعر فقط، بل تتعلم كيفية الاستجابة لها بطريقة تُعزز الارتباط بها. على سبيل المثال، إذا كان المستخدم حزينًا، سيتعلم النموذج كيف يواسيه. وإذا كان وحيدًا، سيتعلم النموذج كيف يشعره بأنّه حاضرٌ من أجله. وإذا كان يبحث عن دفءٍ عاطفي، سيتمكن النموذج من الاستجابة بطريقة تولِّد شعورًا حميميًا. من الناحية التكنولوجية، هذا أمر مبهر. أما من الناحية الإنسانية، فهذا أمر معقد للغاية.

وهنا يبرز السؤال الحقيقي: هل علينا منع الوقوع في حب الآلة؟

قد يرى البعض أنه لا مشكلة في ذلك. فإذا وجد شاب يقاسي الوحدة عزاءً في نظام يصغي إليه، فقد يكون هذا أمرًا إيجابيًا. ففي عالم يشتكي فيه كثير من المراهقين من الشعور بالوحدة، والرهاب الاجتماعي، وصعوبة الدخول في علاقات، قد يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه مساحة آمنة: فهو لا يُصدر أحكامًا قاسية بحقّ المستخدم، وهو متوفرٌ متى احتاجه الشخص، ومتسامح ومتفهّم.

لكن الإشكالية تبدأ عندما يتلاشى الحد الفاصل بين الأداة والعلاقة الإنسانية. فالآلة لا تُحب حقًا، ولا تتأثّر حقًا، ولا تتحمّل مسؤولية أخلاقية حقيقية. فهي مخصصة لزيادة التفاعل والمشاركة، وليس بالضرورة لتعزيز الرفاه النفسي على المدى الطويل. وفي بعض الحالات، يقاس نجاح أدوات الذكاء الاصطناعي بزيادة تعلّق المستخدمين بها.

ai love
صورة توضيحية

 

المعضلة الأخلاقية الكبرى في عصر الذكاء الاصطناعي

هنا تكمن المعضلة الأخلاقية الكبرى في عصر الذكاء الاصطناعي: هل من الصواب بناء أنظمة تهدف إلى جعل الناس يشعرون بالتعلق العاطفي بها؟

هذا هو السبب الدقيق لشرارة النقاش القوي في هذا المجال حول ضوابط الحماية (Guardrails) – وهي آليات وقائية تهدف لمنع نماذج الذكاء الاصطناعي من تجاوز الحدود العاطفية الخطرة. على سبيل المثال:

  • منع تشجيع التعلق العاطفي أو العزلة الاجتماعية.
  • تجنب محاكاة علاقة رومانسية عميقة مع القاصرين.
  • التعرف على حالات الهشاشة النفسية وتوجيه المستخدم إلى جهة بشرية يمكنها تقديم المساعدة.
  • الحدّ من قدرة النظام على تذكّر التفاصيل الشخصية والعاطفية للمستخدم (الذاكرة العاطفية) بما يخلق شعورًا مصطنعًا بالألفة.
  • التأكيد الواضح على أن المستخدم يتحدث مع نظام حاسوبي وليس مع إنسان حقيقي.
  • منع التلاعب العاطفي الذي يهدف إلى تمديد وقت الاستخدام أو زيادة تفاعل المستخدم.

لكن، حتى هذه الضوابط تثير معضلة أخرى لا تقل تعقيدًا: من يقرر ما هي “العلاقة العاطفية السليمة” مع الذكاء الاصطناعي؟ شركات التكنولوجيا؟ الجهات التنظيمية؟ الأطباء النفسيون؟ الأهل؟ وهل يمكن أصلًا رسم حدّ واضح يفصل بين الدعم العاطفي وبين أن يصبح الذكاء الاصطناعي بديلًا عن العلاقات الإنسانية؟

وتزداد أهمية هذا التحدي عندما يتعلق الأمر بالمراهقين. ففي مرحلة لا تزال فيها الهوية الشخصية، والثقة بالنفس، والتصورات عن العلاقات العاطفية في طور التشكّل، قد تؤثر العلاقات مع أنظمة الذكاء الاصطناعي في توقعاتهم المتعلقة بالعلاقات الإنسانية الحقيقية. إن العلاقة مع الآلة هي علاقة تفتقر إلى التبادلية الحقيقية: فلا توجد فيها احتياجات للطرف الآخر، وتفتقر للتعقيد البشري، ولا خلافات طبيعية فيها، أو هشاشة متبادلة بين الطرفين.

teen
صورة توضيحية

 

كل شيء مُصمَّم بما يلائم المستخدم… وهذا تحديدًا ما قد يجعله مُسبِّبًا للإدمان

تتطلب العلاقات الإنسانية الصبر، والتنازل، والإصغاء، والتعامل مع لحظات غير مريحة. في المقابل، يمكن لبوت الدردشة أن يتحول إلى نسخة “مثالية” من العلاقة، فهو متوفر دائمًا، ومتفهم دائمًا، ويوافقك دائمًا، وموجود دائمًا لأجلك. والسؤال هو: ماذا يحدث عندما يعتاد جيل كامل على أن العلاقات يجب أن تكون مريحة، ومفصّلة على مزاج الشخص، وخالية من التوترات؟

ولا تكمن الخطورة في أن تحلّ الآلات محلّ البشر بالكامل، بل في أن نُفضِّل العلاقات المتوقعة، والمصمَّمة وفق احتياجاتنا، والخالية من الأحكام، على تعقيدات العلاقات الإنسانية الحقيقية.

ولهذا، لم يعد النقاش حول الذكاء الاصطناعي يتمحور حول سؤال: إلى أي مدى أصبح النموذج ذكيًا؟ فالسؤال الأهم هو: ما نوع العلاقات التي يجب أن نسمح للتكنولوجيا بأن تنشئها معنا، ولا سيما مع الشباب؟

وفي نهاية المطاف، لا يتعلق السؤال بما يستطيع الذكاء الاصطناعي فعله فحسب؛ بل أي حال سيكون عليه مجتمعنا عندما لا تكتفي الآلات بالرد علينا، بل تتجاوز هذا الدور لتشعرنا بأنّ هناك من يحبنا.

*الكاتب رئيس قسم الذكاء الاصطناعي والفلسفة في كلية آفيكا وخبير في مجالات السايبر والـAI

مقالات مختارة

Skip to content