
تتربع إمبراطورية الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” على عرش اللعبة الأكثر شعبية في العالم، فهي الجهة المسؤولة عن تنظيم كأس العالم وإدارة شؤون كرة القدم الدولية والإشراف على 211 اتحادًا وطنيًا، كما تدير منظومة تجارية ورياضية تدر مليارات الدولارات من حقوق البث والرعاية والتسويق. لكن هذه الإمبراطورية واجهت أكبر أزمة في تاريخها عندما تكشفت عام 2015 تفاصيل واحدة من أضخم قضايا الفساد في تاريخ الرياضة العالمية، وهي القضية التي هزت عرش المنظمة وأسهمت في الإطاحة برئيسها جوزيف بلاتر وعدد من كبار مسؤوليها.
بدأت القضية تأخذ طابعًا علنيًا في 27 مايو 2015 عندما داهمت الشرطة السويسرية فندق “بور أو لاك” في زيورخ بناءً على طلب من وزارة العدل الأمريكية ومكتب التحقيقات الفيدرالي، وأوقفت سبعة من كبار مسؤولي الفيفا قبل أيام من انتخابات رئاسة الاتحاد. وفي الوقت نفسه كشفت السلطات الأمريكية لوائح اتهام بحق 14 مسؤولًا ورجل أعمال رياضي تضمنت 47 تهمة جنائية، شملت الاحتيال وغسل الأموال والابتزاز وتلقي الرشاوى.
وأظهرت التحقيقات أن شبكة الفساد امتدت لأكثر من 24 عامًا، وتعلقت ببيع حقوق البث والتسويق والرعاية لبطولات كروية في الأميركتين. وقدرت وزارة العدل الأمريكية قيمة الرشاوى والعمولات غير القانونية بأكثر من 150 مليون دولار، كما أشارت وثائق التحقيق إلى دفع ما لا يقل عن 110 مليون دولار مرتبطة ببطولة كوبا أمريكا المئوية التي أقيمت في الولايات المتحدة عام 2016.
وشملت الاعتقالات شخصيات بارزة في كرة القدم العالمية، من بينها جيفري ويب رئيس اتحاد الكونكاكاف ونائب رئيس الفيفا، ونيكولاس ليوس الرئيس السابق لاتحاد أمريكا الجنوبية، إضافة إلى عضوين في اللجنة التنفيذية للفيفا هما إدواردو لي من كوستاريكا ويوجينيو فيغيريدو من أوروغواي. كما طالت القضية مسؤولين تنفيذيين في شركات تسويق رياضي كانت تمتلك حقوقًا تجارية وإعلامية لبطولات دولية كبرى.
ولعب المسؤول السابق في الكونكاكاف تشاك بلايزر دورًا محوريًا في كشف القضية. فبعد اتهامه بمخالفات ضريبية، وافق على التعاون مع السلطات الأمريكية عام 2011، وسجل سرًا اجتماعات مع مسؤولين في كرة القدم العالمية. وفي عام 2013 أقر بالذنب في عشر تهم جنائية، بينها الاحتيال وغسل الأموال والتآمر، واعترف بأنه شارك مع مسؤولين آخرين في تلقي رشاوى مرتبطة باختيار الدول المستضيفة لكأس العالم.
وامتدت التحقيقات إلى ملفات استضافة كأس العالم، حيث كشفت وثائق الادعاء الأمريكي عن تحويل 10 ملايين دولار عام 2008 إلى حسابات مرتبطة بجاك وارنر، الرئيس السابق للكونكاكاف، مقابل دعم ملف جنوب أفريقيا لاستضافة كأس العالم 2010. كما أحاطت شبهات واسعة بعملية التصويت التي جرت في ديسمبر 2010 ومنحت روسيا حق استضافة كأس العالم 2018 وقطر حق استضافة كأس العالم 2022.

وظهرت خلال التحقيقات شبهات واتهامات تتعلق بشراء أصوات أعضاء الجنة التنفيذية للفيفا التي كانت تضم 22 عضوًا. ومن بين الشهادات التي أثارت ضجة واسعة، ادعاءات فيدرا المجيد، العضوة السابقة في فريق ملف قطر 2022، بأنّ قطر دفعت رشاوى لأعضاء أفارقة في لجنة الفيفا للتصويت لصالح ملفها، ومنهم عيسى حياتو، الذي كان يشغل حينها أيضًا منصب رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم، قبل أن تتراجع لاحقًا عن أقوالها، ثم تعود لتؤكد بعد 3 سنوات تلك الاتهامات مجددًا موضحة أنها تعرضت لضغوطات لتعديل أقوالها.
وفي الثاني من يونيو 2015، وبعد أربعة أيام فقط من إعادة انتخابه لولاية خامسة، أعلن جوزيف بلاتر استقالته من رئاسة الفيفا تحت ضغط التحقيقات والانتقادات الدولية. وبعد أشهر فَتَحَ الادعاء السويسري تحقيقًا جنائيًا منفصلًا ضد جوزيف بلاتر بسبب تحويل مليوني فرنك سويسري من أموال الفيفا إلى رئيس الاتحاد الأوروبي لكرة القدم ميشيل بلاتيني عام 2011. وقال بلاتر إن المبلغ كان مقابل أعمال استشارية قدمها بلاتيني للفيفا بين عامي 1999 و2002، إلا أن المحققين شككوا في قانونية الأمر وفي الأساس التعاقدي الذي استندت إليه. وفي ديسمبر 2015 قررت لجنة الأخلاقيات في الفيفا إيقاف بلاتر وبلاتيني عن ممارسة أي نشاط مرتبط بكرة القدم.
وفي ديسمبر 2015 نفذت السلطات السويسرية موجة اعتقالات جديدة في الفندق نفسه في زيورخ، شملت 16 مسؤولًا آخر، كما كشفت وزارة العدل الأمريكية عن لوائح اتهام جديدة ونشرت اعترافات بالذنب لمسؤولين ورجال أعمال آخرين. وخلال السنوات التالية توالت الإدانات والاعترافات بالذنب في الولايات المتحدة، وشملت مسؤولين في اتحادات قارية ووطنية وشركات تسويق رياضي.
كما كشفت مراجعات مالية داخلية عام 2016 أن جوزيف بلاتر والأمين العام السابق جيروم فالكه والمدير المالي السابق ماركوس كاتنر حصلوا على رواتب ومكافآت وحوافز بلغت قيمتها 80 مليون دولار خلال خمس سنوات، ما زاد من حدة الانتقادات الموجهة إلى إدارة المنظمة. وبحلول عام 2021 كانت التحقيقات قد أسفرت عن إدانات أو اعترافات بالذنب بحق 27 شخصًا و6 شركات. كما أعلنت وزارة العدل الأمريكية إعادة 201 مليون دولار إلى الفيفا واتحادي الكونكاكاف والكونميبول بعد مصادرة أموال وأصول مرتبطة بقضايا الفساد.
وأجبرت الفضيحة الفيفا على تنفيذ إصلاحات واسعة شملت تقليص صلاحيات المنصاب القيادية، وتعزيز الرقابة المالية، وتحديد مدة شغل المناصب القيادية، ونقل صلاحية اختيار الدول المستضيفة لكأس العالم من اللجنة التنفيذية المصغرة التي كانت تضم 22 عضوًا فقط إلى الجمعية العمومية التي تضم جميع اتحادات كرة القدم الأعضاء حول العالم. ومع ذلك، ما زالت فضيحة 2015 تُعد أكبر قضية فساد في تاريخ الرياضة الحديثة، وتبقى المثال الأبرز على كيفية تحول النفوذ المالي والرياضي الهائل إلى شبكة واسعة من الرشاوى وشراء النفوذ داخل المنظمة التي تدير اللعبة الأكثر شعبية في العالم.
مقالات ذات صلة: “إمبراطورية الفيفا”: 13 مليار دولار إيرادات في 4 سنوات










