خطفوا الرئيس والآن النفط: تفاصيل “الاتفاق” الأمريكي مع فنزويلا

الأحد, أغسطس 30, 2026 21:29
/
/
خطفوا الرئيس والآن النفط: تفاصيل “الاتفاق” الأمريكي مع فنزويلا

خطفوا الرئيس والآن النفط: تفاصيل “الاتفاق” الأمريكي مع فنزويلا

أيقون موقع وصلة Wasla
IBI SMART 1140x140 1
960px thumbnail
حاملة طائرات أمريكية تتزود بالوقود بالبحر، صورة توضيحية، المصدر: ويكيميديا

 

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيسة فنزويلا المؤقتة ديلسي رودريغيز عن اتفاقٍ لإنشاء شركة نفط خاصة تمتلك الحكومة الأميركية 55% منها، على أن تمتلك الشركة احتياطيات نفطية تبلغ 65 مليار برميل، أي أكثر من 20% من احتياطيات فنزويلا. ويمنح الاتفاق الولايات المتحدة امتيازًا لمدة 100 عام، على أن تحصل على النفط المنتج من المشروع بسعر التكلفة فقط.

ويأتي الاتفاق بعد أشهر من التصعيد الأميركي ضد فنزويلا. فمنذ أغسطس 2025 حشدت الولايات المتحدة قوات على حدود البلاد، وفي يناير 2026 خطفت قوات كوماندوز أميركية الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ونقلته إلى الولايات المتحدة لمحاكمته بتهم تهريب المخدرات وتمويل الإرهاب. وأعلن ترامب حينها أن الولايات المتحدة ستأخذ نفط فنزويلا، لكن الشركات الأميركية، باستثناء شيفرون التي كانت تعمل أصلًا في البلاد، لم ترغب في الحصول على امتيازات نفطية بسبب ارتفاع المخاطر والتكاليف، ما دفع إدارة ترامب لاحقًا إلى صياغة الخطة الجديدة.

وتمتلك فنزويلا أكبر احتياطيات نفطية مثبتة في العالم، بإجمالي 303 مليارات برميل، تعادل 17% من الاحتياطيات العالمية، لكنها تعاني رغم ذلك من أزمة اقتصادية حادة. وفي 2023، بلغ إنتاجها 742 ألف برميل من النفط الخام يوميًا، وفق أحدث بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية (EIA)، بانخفاض 70% مقارنة بإنتاج 2013، ولم يشكل إنتاجها سوى 0.8% من الإنتاج العالمي.

وبحسب صحيفة نيويورك تايمز، ترجع أزمة قطاع النفط الفنزويلي إلى عاملين رئيسيين. الأول هو سوء إدارة الحكومات الفنزويلية للبنية التحتية وقطاع النفط وسياساتهم الاقتصادية التي دفعت المستثمرين إلى مغادرة البلاد. والثاني هو العقوبات الأميركية المفروضة على فنزويلا منذ 2005، والتي استهدفت شركات ورجال أعمال ومسؤولين محليين وأعاقت الاستثمار والصيانة وأضعفت قطاع النفط. وفي 2019 فرضت الولايات المتحدة عقوبات على شركة النفط الوطنية «بتروليوس دي فنزويلا» وأوقفت استيراد النفط الفنزويلي، قبل أن تمنح وزارة الخارجية الأميركية شيفرون في نوفمبر 2022 إعفاءً من العقوبات يسمح لها بتصدير النفط من مشاريعها المشتركة في فنزويلا.

وتنتج فنزويلا نفطًا فائق الثقل، وهو نفط شديد الكثافة واللزوجة لا يتدفق بسهولة إلى آبار الإنتاج في الظروف العادية، ويتطلب خبرات تقنية في الاستخراج والمعالجة. وكان ذلك أحد أسباب عجز الشركات المحلية عن تعويض فراغ الشركات الأجنبية التي غادرت البلاد. ومع التراجع الاقتصادي وتقليص الميزانيات ونقص الخبراء والاستثمارات الأجنبية، انخفض الإنتاج النفطي.

1280px Presidenta Encargada Delcy Rodriguez lidera Consejo de Ministros para garantizar la paz y soberania nacional 02
رئيسة فنزويلا المؤقتة ديلسي رودريغيز، الصورة: ويكيميديا

 

وبحسب الصحيفة، تعمقت الأزمة الاقتصادية التي بدأت في عهد هوغو تشافيز، بعدما أمَّم أجزاء كبيرة من الاقتصاد، بما فيها الموارد الطبيعية، وفرض قيودًا على حركة رؤوس الأموال والعملات الأجنبية. وأدى تدهور الاقتصاد إلى تقليص الموارد المتاحة للاستثمار في قطاع النفط، ودخلت البلاد في حلقة متواصلة من التراجع الاقتصادي والإنتاجي، انتهت خلال العقد الماضي بأزمة معيشية حادة وهجرة ملايين الفنزويليين شمالًا.

وفي 2023 طالب مادورو بضم إقليم إيسيكويبو المتنازع عليه مع غيانا إلى فنزويلا، بعد اكتشاف احتياطيات نفطية بحرية ضخمة في المنطقة. وصوّت 96% من المشاركين في استفتاء أُجري في فنزويلا في العام نفسه لصالح ضم الإقليم، وطالب مادورو الشركات الأجنبية التي تستخرج النفط هناك بالمغادرة. وبعد خطفه في يناير 2026، زال هذا التهديد عن غيانا، التي تُعد من أفقر دول المنطقة.

تفاصيل “الاتفاق” الجديد

ويتميز الاتفاق الجديد بتفاصيل غير معتادة، إذ ستستخدم الحكومة الأميركية صلاحيات قانونية ممنوحة للبنتاغون لتمويل الشركة الجديدة والاستحواذ على حصة فيها وعلى عائدات من المشروع. ويتمتع مكتب رأس المال الاستراتيجي في البنتاغون بصلاحيات قانونية محدودة لإبرام صفقات “تدعم الأمن القومي الأميركي” بحسب الصحيفة، ويتم ذلك عادةً من خلال القروض والضمانات. وبموجب الصفقة، ستحصل الحكومة الأميركية على حق شراء أسهم في المشروع باستخدام «أذونات شراء بسعر رمزي» (penny warrants) يصدرها مكتب رأس المال التابع للبنتاغون.

والجانب غير المعتاد الآخر هو الشريك المحلي أليخاندرو بيتانكورت لوبيز، الذي تسيطر عائلته على شركة «نورث أميركان بلو إنرجي بارتنرز» (NABEP)، ثاني أكبر شركة خاصة لإنتاج النفط في فنزويلا، وفق تقارير صحف أميركية. وبرز اسم بيتانكورت، البالغ من العمر 46 عامًا، في العقد الماضي عندما منحته الحكومة الفنزويلية هو وشركاءه عقدًا لبناء عدد من محطات الكهرباء رغم عدم امتلاكهم خبرة في مشاريع مماثلة. واشترى لاحقًا حصة في شركة «بتروزامورا» التي كانت تشغّل حقولًا نفطية في غرب فنزويلا أصبحت لاحقًا أساس نشاط NABEP، التي اشترت منذ ذلك الحين حقولًا إضافية وزادت إنتاجها بصورة كبيرة منذ 2024.

وبحسب مصدر تحدث إلى نيويورك تايمز، اعتمدت إدارة ترامب على بيتانكورت منذ خطف مادورو في يناير للمساعدة في إنشاء شراكات ومشاريع تجارية في فنزويلا. ونظر مسؤولون أميركيون، بينهم وزير الخارجية ماركو روبيو، بإيجابية إلى قدرته على زيادة الإنتاج، “باعتبارها حالة نجاح نادرة في قطاع نفطي متعثر تهيمن عليه الشركات الحكومية” بحسب توصيف الصحيفة.

وتخضع حسابات بيتانكورت البنكية الشخصية لتحقيق في زيورخ منذ أكثر من عشر سنوات، لكن لم تُقدم ضده لائحة اتهام في سويسرا. وتحيط به منذ سنوات شبهات فساد، إلا أن مصدرًا مقربًا من الإدارة الأميركية قال إن نجاحه المهني دفعها إلى تجاهل هذه الشبهات. وبحسب مصدر مطلع تحدث للصحيفة، ضغط مسؤولون في وزارة الخارجية الأميركية هذا العام على الحكومة السويسرية فيما يتعلق بالتحقيقات المتعلقة به، وطلبوا من الحكومة البريطانية رفع قيود السفر المفروضة عليه، كما منحته الولايات المتحدة تأشيرة دخول متعددة تسمح له بعقد اجتماعات مع مسؤولين في الإدارة.

ترامب أثناء مشاهدته عملية اختطاف مادورو، الصورة: ويكيميديا
ترامب أثناء مشاهدته عملية اختطاف مادورو، الصورة: ويكيميديا

 

ولا تزال تفاصيل كثيرة في الاتفاق غير واضحة وقد يتغير بعضها، كما أن إنتاج كميات كبيرة من النفط الجديد في فنزويلا يحتاج إلى سنوات من الجهود. ولذلك لن يكون للمشروع تأثير فوري على أسعار النفط، ولن ينعكس قريبًا على أسعار الوقود في محطات البنزين الأميركية.

ويتوافق سعي إدارة ترامب إلى تعزيز الهيمنة الأميركية في أميركا الجنوبية مع وثيقة استراتيجية نشرها البنتاغون العام الماضي ومع «مبدأ مونرو» الذي يتبناه ترامب. ويسعى الرئيس الأميركي كذلك إلى تغيير موازين القوى في سوق الطاقة العالمية وتعزيز استقلال الولايات المتحدة في مجال الطاقة. ورغم أن الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط في العالم بفضل احتياطيات النفط الصخري، فإن إضافة النفط الفنزويلي قد تساعدها على إضعاف نفوذ منتجي النفط في الشرق الأوسط، ومن بينهم أعضاء منظمة أوبك. وأعلنت فنزويلا بالفعل أنها ستنسحب من أوبك، التي اهتزت هيمنتها بعد انسحاب الإمارات منها العام الماضي.

وتجري شيفرون، ثاني أكبر شركة نفط أميركية، مفاوضات متقدمة لزيادة إنتاجها في فنزويلا. وستستفيد NABEP من الدعم المباشر للحكومة الأميركية، ما سيسهّل حصولها على التمويل والإمدادات رغم استمرار العقوبات الأميركية على الاقتصاد الفنزويلي، كما يُفترض أن يوفر تعاونها مع إدارة ترامب حماية لها من التقلبات السياسية الداخلية في فنزويلا.

وتنتج NABEP، المسجلة في بربادوس وفق موقعها الإلكتروني، 200 ألف برميل يوميًا. وذكرت «نيويورك تايمز» أن الشركة تخطط لاقتراض 5 مليارات دولار لرفع إنتاجها إلى مليون برميل يوميًا خلال السنوات الخمس المقبلة.

ومع ذلك، قد لا يصمد الاتفاق طويلًا. فقد خرج متظاهرون في فنزويلا احتجاجًا على تسليم نفط بلادهم، في وقت تتراجع شعبية الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز بسرعة. ويمكن لنظام جديد في فنزويلا خرق الاتفاق أو الطعن فيه قضائيًا، كما يمكن لإدارة أميركية جديدة إلغاؤه بعد انتهاء ولاية ترامب.

وتبقى كذلك صعوبات تطوير حقول نفط جديدة في فنزويلا قائمة حتى مع مشاركة شركات نفط أجنبية كبيرة. وتعتقد الصحيفة أن تعقيدات الاستثمار في فنزويلا، وحجم رؤوس الأموال المطلوبة، وطول الفترة اللازمة لتحقيق عائد، إضافة إلى تقلب سياسات ترامب، قد تدفع المستثمرين إلى التردد في ضخ الأموال في الشركة والمشروع الجديد، إذ قد لا تتحقق عائدات هذه الاستثمارات إلا بعد سنوات طويلة، إن تحققت أصلًا.

535x75 1

مقالات مختارة

Skip to content