تستعد شركة «أنثروبيك» (Anthropic)، المطوّرة لأداة الذكاء الاصطناعي «كلود» (Claude)، لطرح أسهمها في البورصة الأمريكية، في خطوة قد تصبح الأكبر من نوعها في التاريخ، وسط تساؤلات متزايدة بشأن قدرة شركات الذكاء الاصطناعي على تحويل النمو الهائل في إيراداتها إلى أرباح، في ظلّ إنفاق مئات مليارات الدولارات على تطوير التكنولوجيا والبنية التحتيّة اللازمة لتشغيلها.
وبحسب تقرير لوكالة بلومبرغ، قد يشكّل أداء أسهم «أنثروبيك» بعد طرحها في البورصة اختبارًا حاسمًا لثقة المستثمرين بقطاع الذكاء الاصطناعي، الذي أصبح أحد أبرز محرّكات الأسواق المالية والاقتصاد الأمريكي، مع استمرار المخاوف من ارتفاع تكاليف تطوير النماذج المتقدّمة وصعوبة التنبّؤ بحجم الطلب المستقبلي عليها.
وقدّمت الشركة يوم الاثنين، 26 أكتوبر، مستنداتها الرسمية تمهيدًا لطرح أسهمها للتداول العام، لتصبح أول شركة أمريكية متخصّصة في تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي تتّخذ هذه الخطوة. وتكشف المستندات عن إيرادات بمليارات الدولارات، يقابلها أيضا خسائر والتزامات مالية ضخمة، إلى جانب مخاطر تتعلّق بالمنافسة والرقابة الحكومية والتأثيرات المحتملة للذكاء الاصطناعي على المجتمع.

قيمة يقترب من تريليوني دولار بعد 5 سنوات من تأسيس الشركة
تأسّست «أنثروبيك» عام 2021 على يد موظفين سابقين في شركة «أوبن إيه آي» (OpenAI)، بهدف تطوير الذكاء الاصطناعي بطريقة أكثر مسؤولية. وخلال 5 سنوات فقط، ارتفعت قيمة الشركة من 183 مليار دولار قبل أكثر من عام إلى 965 مليار دولار في آخر جولة لجمع التمويل، وسط توقّعات أولية بأن يقترب تقييمها من تريليوني دولار مع طرح أسهمها في البورصة.
ومن المتوقّع أن تجمع الشركة من المستثمرين مبلغًا يفوق ما جمعته أي شركة أخرى في تاريخ الطروحات العامة، ما قد يحقّق مكاسب مالية ضخمة لموظفيها والمستثمرين فيها، بمن فيهم الذين انضمّوا إليها في مراحل متأخّرة.
لكنّ أهميّة الطرح تتجاوز الشركة نفسها، إذ تُعدّ «أنثروبيك» ومنافستها «أوبن إيه آي» من أبرز الشركات التي تحدّد وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي عالميًا. كما ترتبط «أنثروبيك» بشبكة واسعة من الاستثمارات مع شركات تصنيع الرقائق الإلكترونية ومزوّدي الخدمات السحابية، ما يجعل أداءها المالي مؤثّرًا على قطاع التكنولوجيا والاقتصاد الأمريكي. وقد يفتح نجاح طرح أسهمها الباب أمام شركات ناشئة أخرى في مجال الذكاء الاصطناعي لدخول البورصة خلال الأشهر المقبلة، بعد فترة من الركود في سوق الطروحات العامة، ويساعد على جذب مزيد من الاستثمارات إلى القطاع.
وخلال أكتوبر، توافد مستثمرون إلى مقرّ الشركة في سان فرانسيسكو للمشاركة في لقاءات مرتبطة بالطرح المرتقب، بينما تظاهر معارضون أمام المقرّ مطالبين بوقف طرح أسهمها بسبب مخاوفهم من مخاطر الذكاء الاصطناعي.
إيرادات تقفز إلى 16.3 مليار دولار وخسائر تصل إلى 81 مليار دولار
تكشف البيانات المالية للشركة عن نمو استثنائي في الإيرادات، لكنّه يترافق مع خسائر ضخمة وتكاليف مرتفعة لتطوير وتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي. فقد ارتفعت إيرادات «أنثروبيك» بأكثر من 1,000% خلال عام 2025، ثم بلغت 16.3 مليار دولار في النصف الأول من عام 2026، بزيادة تتجاوز 14 ضعفًا مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
لكنّ وتيرة النمو بدأت بالتباطؤ. وبحسب بلومبرغ، انخفض معدّل نمو إيرادات الشركة من 140% إلى 45% في الربع الثالث من عام 2026، رغم استمرار الطلب القوي على أدوات الذكاء الاصطناعي التي تطوّرها، وخصوصًا «كلود». في المقابل، سجّلت الشركة خسائر صافية بلغت 42 مليار دولار تقريبًا خلال عام 2025، و81 مليار دولار تقريبًا خلال النصف الأول من عام 2026 وحده.

وكشفت «أنثروبيك» أيضًا أنّها التزمت منذ نهاية عام 2025 بإنفاق 417 مليار دولار على توفير قدرات الحوسبة والبنية التحتيّة اللازمة لتطوير وتشغيل أنظمتها، من خلال عقود تمتدّ بين سنة واحدة و20 سنة. وتعتزم الشركة استخدام الأموال التي ستجمعها من طرح أسهمها للاستثمار في شراء الرقائق الإلكترونية، وإنشاء مراكز البيانات، وتوظيف خبراء ومهندسين، بهدف مواصلة تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي وتوسيع انتشارها في قطاعات اقتصادية مختلفة.
خطر الإفلاس رغم النمو الهائل في الطلب
تتمثّل إحدى أكبر المشكلات التي تواجه «أنثروبيك» في صعوبة التنبّؤ بحجم الطلب على خدمات الذكاء الاصطناعي، في وقت تتطلّب فيه زيادة قدرات الحوسبة استثمارات ضخمة والتزامات مالية طويلة الأمد. وأوضح المدير العام للشركة، داريو أمودي، في مقابلة أجريت معه مطلع العام، أنّ قطاع الذكاء الاصطناعي يختلف عن شركات التكنولوجيا التقليدية التي تنفق مبالغ كبيرة للسيطرة على السوق قبل تحقيق أرباح مستقرّة.
وحذّر أمودي من أنّ أي خطأ في تقدير النمو المستقبلي قد تكون له عواقب مالية خطيرة، قائلًا إنّ الشركة قد تواجه الإفلاس إذا أخطأت في توقيت استثماراتها بسنة واحدة، أو إذا نما الطلب بمعدّل 5 أضعاف سنويًا بدلًا من 10 أضعاف كما كان متوقّعًا. وكان الارتفاع الكبير في الطلب على منتجات «أنثروبيك» قد دفع إدارتها خلال العام الحالي إلى البحث بصورة متواصلة عن قدرات حوسبة إضافية لتلبية احتياجات المستخدمين.
وتحاول الشركة حاليًا توسيع قاعدة زبائنها خارج قطاع البرمجة، بعدما ساعد اعتماد المبرمجين على أدوات الذكاء الاصطناعي ومن ضمنها كلود على زيادة إيراداتها. وتسعى إلى إثبات أنّ منتجاتها قادرة على تحقيق انتشار واسع بين الشركات والمؤسسات والعاملين في مجالات أخرى.
منافسة شديدة واعتماد على 3 زبائن كبار
تواجه «أنثروبيك» أيضًا منافسة متزايدة من شركات تطوّر نماذج ذكاء اصطناعي جديدة، بعضها أكثر قوّة أو أقلّ تكلفة. وتشمل المنافسة شركات صينية اتُّهم بعضها باستخدام نموذج «أنثروبيك» للمساعدة في تدريب نماذجها الخاصة.
وتكشف بيانات الشركة عن اعتماد كبير على عدد محدود من الزبائن، إذ جاءت 48% من مبيعاتها خلال النصف الأول من عام 2026 من 3 شركات تكنولوجية فقط. وتطوّر بعض هذه الشركات نماذج ذكاء اصطناعي خاصة بها، ما قد يقلّل اعتمادها مستقبلًا على خدمات «أنثروبيك» ويهدّد جزءًا مهمًا من إيراداتها.
وتواجه الشركة كذلك مخاطر مرتبطة بالتدخّل الحكومي والقيود التنظيمية على تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي. وقد خصّصت ما يقارب 100 صفحة من المستندات المقدّمة للبورصة لشرح المخاطر التي قد تؤثّر على أعمالها، بما فيها القيود الحكومية والمنافسة والتطوّرات التكنولوجية السريعة، وصولًا إلى احتمالات أن يتسبّب الذكاء الاصطناعي المتقدّم بأضرار كارثية تهدّد بقاء البشرية.
وخلال العام الحالي، اضطرت «أنثروبيك» إلى تقييد الوصول مؤقتًا إلى بعض تقنياتها الأكثر تقدّمًا، في أعقاب قرار غير مسبوق من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. كما تصاعدت مخاوف بعض موظفي الشركة بشأن المخاطر التي قد تشكّلها أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدّمة، وجرى التعبير عن بعضها بصورة علنية، ما دفع الإدارة إلى التعامل مع هذه المخاوف وأدّى إلى خلاف جديد مع البيت الأبيض.
بين التحذير من مخاطر الذكاء الاصطناعي وضغوط المستثمرين
يمثّل طرح أسهم «أنثروبيك» في البورصة تحدّيًا خاصًا للشركة، التي تدعو منذ تأسيسها إلى تطوير الذكاء الاصطناعي بحذر وإبطاء وتيرة التقدّم عند الضرورة لتجنّب مخاطره. فمع دخول الشركة إلى البورصة، ستصبح أكثر عرضة لضغوط المساهمين لتحقيق أرباح وعوائد مرتفعة، وهو ما قد يتعارض مع دعوتها إلى التريّث في تطوير التكنولوجيا.
ويرى مستشارون مشاركون في التحضيرات للطرح أنّ صغير سن الشركة وتعدّد المخاطر التي تواجهها يجعلان تقييمها المالي أكثر تعقيدًا. ومع ذلك، تقوم توقّعات المستثمرين على افتراض أنّ «أنثروبيك» وغيرها من شركات الذكاء الاصطناعي ستتمكّن خلال السنوات المقبلة من تحقيق إيرادات ضخمة من بيع البرمجيات المتقدّمة، تكفي لتعويض استثماراتها الحالية.
لكنّ أسواث داموداران، أستاذ التمويل في كلية ستيرن لإدارة الأعمال بجامعة نيويورك، يشكّك في قدرة أي جهة على توقّع مبيعات الشركة بعد 5 سنوات، مشيرًا إلى أنّ حتى مديرها العام لا يعرف حجم الطلب الذي ستواجهه في المستقبل.
وكان أمودي نفسه قد أقرّ بهذه الصعوبة في مقاله المعروف «Machines of Grace»، الذي وُزّعت نسخ منه على موظفي الشركة، موضحًا أنّ تأثيرات الذكاء الاصطناعي القوي قد تكون أصعب في التنبّؤ من التحوّلات التكنولوجية السابقة، وأنّ أي تصوّر للمستقبل سيتضمّن بالضرورة قدرًا من التخمين، حتى لو استند إلى معرفة وتحليل.
وبين النمو السريع للإيرادات والخسائر الضخمة والالتزامات المالية طويلة الأمد، يترقّب المستثمرون طرح أسهم «أنثروبيك» لمعرفة مدى استعداد الأسواق لمواصلة تمويل طفرة الذكاء الاصطناعي، وما إذا كانت الشركات التي تقود هذه الطفرة قادرة على تحقيق أرباح تبرّر تقييماتها التي تصل إلى مئات مليارات الدولارات وتقترب من التريليونات.










