
تكبّدت أسهم شركات التكنولوجيا الأميركية خسائر حادة خلال تعاملات الخميس، محَت تريليونات الدولارات من قيمتها السوقية، وسط مخاوف من أن يؤدي فوز الديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس إلى تشديد القيود على إنشاء مراكز البيانات، التي توفر القدرة الحاسوبية اللازمة لتشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي. لكن وراء هذه المخاوف السياسية تساؤلات اقتصادية أعمق بشأن قدرة الشركات على تحقيق أرباح تبرّر الاستثمارات الضخمة التي تضخّها في هذا القطاع.
وهبط مؤشر “ناسداك 100″، الذي يضم كبرى الشركات غير المالية المدرجة في بورصة ناسداك، بنسبة 6.4%، فاقدًا نحو 2.3 تريليون دولار من قيمته السوقية، بحسب وكالة “بلومبرغ“. كما تراجع مؤشر 500 S&P بنسبة 4.4%، وانخفض مؤشر شركات أشباه الموصلات، أو الرقائق الإلكترونية، بنسبة 12%، وسط موجة بيع شملت جميع القطاعات الرئيسية في السوق.
وكانت شركات الرقائق في مقدمة الخاسرين، إذ تراجع سهم “إنفيديا” بنحو 9%، وهبط سهم AMD بنسبة 17%، مع تزايد المخاوف من تباطؤ الطلب على المعالجات المستخدمة في تشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي.
وزادت الضغوط على أسهم القطاع بعدما أثارت النتائج والتوقعات المالية لشركتي الرقائق “آرم” و”كوالكوم” خيبة أمل المستثمرين، ما عزّز موجة البيع التي بدأت عقب الانتخابات.
لماذا أثارت نتائج الانتخابات مخاوف المستثمرين؟
جاءت موجة البيع بعد فوز الديمقراطيين بالسيطرة على مجلسي الكونغرس الأميركي، وتحقيق انتصارات في انتخابات حكام ولايات، وسط معارضة محلية متزايدة لإنشاء مراكز البيانات بسبب استهلاكها الكبير للكهرباء والمياه وتأثيرها المحتمل على أسعار الطاقة.

ومراكز البيانات هي منشآت تضم آلاف الخوادم وأجهزة الحاسوب المتطورة، وتُستخدم لتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتخزين المعلومات ومعالجتها. ويتطلب إنشاؤها استثمارات ضخمة في الرقائق وشبكات الكهرباء وأنظمة التبريد.
وفي ولاية تكساس، إحدى أبرز الولايات التي تشهد توسعًا في هذه المشاريع، كانت الحاكمة المنتخبة جينا هينوخوسا قد دعت خلال حملتها الانتخابية إلى تجميد الموافقات على مشاريع مراكز البيانات الجديدة.
وقال أوهسونغ كوون، كبير استراتيجيي الأسهم في “ويلز فارغو”، بحسب “بلومبرغ”، إن المستثمرين بدأوا يأخذون في الحسبان احتمال فرض قيود تنظيمية إضافية على مراكز البيانات في تكساس.
وتبرز المخاطر التنظيمية خصوصًا على مستوى الولايات والسلطات المحلية، التي تستطيع فرض قيود على تراخيص البناء ومتطلبات الكهرباء والمياه، دون وجود قرار اتحادي شامل بوقف إنشاء مراكز البيانات.
وتعكس هذه المخاوف حجم الاعتماد على استمرار التوسع في القطاع. وبحسب تقديرات بنك UBS، فإن نحو 30% من التوسع المخطط في القدرة التشغيلية لمراكز البيانات الأميركية خلال عام 2028 قد يتأثر بتجميد مشاريع البناء أو تأجيلها.
ولا يعني ذلك أن هذه المشاريع ستتوقف بالفعل، لكن مجرد احتمال تأخيرها قد يدفع المستثمرين إلى خفض توقعاتهم لمبيعات الشركات التي تزوّدها بالرقائق والمعدات.
لماذا تتعرض شركات الذكاء الاصطناعي لضغوط متزايدة؟
لا تقتصر المخاوف على القيود التنظيمية المحتملة، إذ بدأ المستثمرون يتساءلون عن الجدوى الاقتصادية للمبالغ الهائلة التي تنفقها شركات التكنولوجيا على تطوير الذكاء الاصطناعي.
فخلال السنوات الماضية، ضخّت الشركات الكبرى استثمارات ضخمة في بناء مراكز البيانات وشراء المعالجات المتطورة، على أمل أن يؤدي التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي إلى زيادة إيراداتها وأرباحها مستقبلًا.
لكن بناء هذه المنشآت يكلّف مبالغ كبيرة، وقد يستغرق تحقيق العوائد المنتظرة منها سنوات. وتزداد المخاطر بالنسبة إلى الشركات التي تعتمد على الاقتراض لتمويل توسعها، خصوصًا مع ارتفاع تكاليف التمويل.
وبرَزت هذه المخاوف في أداء شركة “كورويف” (CoreWeave)، المتخصصة في توفير القدرة الحاسوبية لتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي، إذ تراجع سهمها بنحو 10% خلال جلسة الخميس، فيما ارتفعت تكلفة التأمين ضد مخاطر عدم سداد ديونها إلى مستوى قياسي، بحسب “رويترز”.
كما هبط سهم شركة “نيبيوس” (Nebius)، العاملة في المجال نفسه، بنسبة 15%، ما يعكس قلق المستثمرين بشأن قدرة بعض الشركات على تمويل مشاريعها ومواصلة النمو بالمعدلات المتوقعة.
هل يتخلى المستثمرون عن قطاع التكنولوجيا؟
رغم الخسائر الحادة، لا يتفق المحللون على أن ما يحدث يعني أن المستثمرين بدأوا التخلي عن أسهم التكنولوجيا.
وترى كريستينا جونز، من فريق مشتقات الأسهم في بنك “جيه بي مورغان”، أن التحركات الحالية ترتبط بدرجة كبيرة بإعادة توزيع الأموال داخل السوق، ولا تعكس بالضرورة تغيّرًا أساسيًا في توجهات المستثمرين.

وأشارت، بحسب”بلومبرغ”، إلى استمرار تفضيل الشركات الكبرى ذات الموارد المالية القوية والقدرة على تمويل مشاريعها، خصوصًا عمالقة التكنولوجيا الذين يمتلكون مراكز بيانات وبنية تحتية حاسوبية واسعة.
وفي المقابل، حذّرت فيكتوريا فرنانديز، كبيرة استراتيجيي الأسواق في شركة “كروسمارك غلوبال هولدينغز”، من أن المستثمرين ربما بدأوا يأخذون في الحسبان احتمال تباطؤ الاستثمارات التي دعمت نمو الاقتصاد الأميركي والأسواق خلال السنوات الماضية.
ورغم التراجعات، لا تزال نتائج الشركات تقدم مؤشرات إيجابية. فبحسب بيانات أوردتها “بلومبرغ”، تجاوزت أرباح 84% من الشركات التي أعلنت نتائجها الفصلية توقعات المحللين، ما يشير إلى أن موجة البيع لا تعكس بالضرورة تدهورًا عامًا في أرباح الشركات.
وتشير بيانات تاريخية أوردها بنك “غولدمان ساكس” إلى أن مؤشر S&P500 ارتفع بمتوسط 15.5% خلال الاثني عشر شهرًا التالية لانتخابات التجديد النصفي منذ عام 1954، وإن كان الأداء السابق لا يضمن تكرار هذه النتائج.
وبين مخاوف تشديد القيود على مراكز البيانات والشكوك بشأن العوائد المستقبلية، تواجه طفرة الذكاء الاصطناعي اختبارًا جديدًا. فالمسألة لم تعد تتعلق فقط بحجم الأموال التي تستثمرها الشركات في التكنولوجيا، بل بقدرتها على تحويل هذه الاستثمارات إلى أرباح فعلية تبرّر التقييمات المرتفعة لأسهمها.










