
حذّرت وزارة المالية من أن التأمين الوطني يقترب من أزمة مالية خطيرة، مؤكدة أن عام 2029 سيشكّل نقطة تحول، إذ ستكون هذه أول سنة لا يمتلك فيها التأمين الوطني أموالًا كافية لتمويل المخصصات التي يدفعها. وعندها ستضطر الحكومة إلى الاختيار بين تقليص المخصصات، أو رفع رسوم التأمين الوطني التي يدفعها المواطنون، أو تحويل أموال من ميزانية الدولة إلى التأمين الوطني، أو الجمع بين هذه الخيارات.
وتأتي هذه التحذيرات في وقت ارتفع فيه العبء الضريبي على المواطنين بشكل ملحوظ بين 2023 و2025، وسط توقعات بزيادات إضافية في السنوات المقبلة لتمويل العجز الحكومي، خاصة بسبب الزيادة الكبيرة في الإنفاق العسكري. وفي المقابل، تحذر وزارة المالية من أن الحصول على بعض مخصصات التأمين الوطني قد يصبح أكثر صعوبة في المستقبل إذا لم تُعالج الأزمة الحالية. حيث يدفع التأمين الوطني سنويًا مخصصات بقيمة 130 مليار شيكل تقريبًا، تشمل مخصصات الشيخوخة والتمريض والإعاقة والبطالة وغيرها. وتعتمد إيراداته بشكل أساسي على رسوم التأمين الوطني التي يدفعها العاملون وأصحاب العمل. وفي عام 2024 أصبحت مصروفات التأمين الوطني السنوية أعلى من إيراداته السنوية، واستمر الوضع في عام 2025، حيث بلغ العجز 6.4 مليار شيكل.
خلال سنوات سابقة كان التأمين الوطني يجبي من رسوم التأمين أموالًا تفوق ما كان يدفعه من مخصصات، لذلك تراكمت لديه فوائض مالية استثمرها في سندات حكومية خاصة تصدرها وزارة المالية. لكن مع بداية أزمته المالية والعجز في ميزانيته، بدأ التأمين الوطني الاعتماد على الأموال المتدفقة من هذه السندات لتغطية الفجوة بين إيراداته ونفقاته. إلا أن هذه الاحتياطيات مرشحة للنفاد بالكامل بحلول عام 2034، في وقت تؤكد فيه وزارة المالية أن الأزمة المالية ستظهر قبل ذلك بكثير. ففي عام 2029 لن تكفي الأموال المتاحة لدى التأمين الوطني لتغطية العجز المتوقع في تلك السنة.
وتقول وزارة المالية إن الحكومات المتعاقبة كانت على علم منذ سنوات طويلة بأن إيرادات التأمين الوطني لن تكفي مستقبلاً لتغطية المخصصات التي يدفعها للمواطنين، لكن الخطوات التي اتُخذت لمعالجة المشكلة لم تكن كافية. ووفقًا للوزارة، شهدت السنوات التي تلت عام 2018 ارتفاعًا حادًا في عدد المستحقين لمختلف المخصصات، الأمر الذي أدى إلى زيادة كبيرة في النفقات.
فبين عامي 2008 و2018 ارتفع عدد مستحقي مخصصات التمريض بمعدل 3.1% سنويًا، لكن منذ عام 2018 ارتفع المعدل إلى 10.9% سنويًا. كما ارتفع عدد مستحقي مخصصات الإعاقة بمعدل 2.8% سنويًا قبل عام 2018، ثم ارتفع هذا المعدل إلى 4.8% سنويًا بعد 2018. أما عدد الأطفال المستحقين لمخصصات الإعاقة فارتفع بوتيرة أكبر بكثير، إذ تضاعف تقريبًا ثلاث مرات بين 2018 و2025، واقترب من 170 ألف طفل. وتحمّل وزارة المالية جزءًا كبيرًا من المسؤولية لهذه التطورات للمدير العام السابق للتأمين الوطني مئير شبيغلر، الذي تولى المنصب عام 2017. وتقول الوزارة إنه تبنى سياسة هدفت إلى توسيع دائرة المستحقين للمخصصات وتسهيل الحصول عليها.

فمن بين التغييرات التي أدخلها شبيغلر السماح بالحصول على مخصصات التمريض اعتمادًا على المستندات الطبية فقط، من دون إجراء فحص مباشر للمستحق. وتقول وزارة المالية إن هذه الخطوة ساهمت في زيادة عدد المستفيدين بشكل كبير، حيث تؤكد الوزارة أن إسرائيل تحتل المرتبة الثانية بين دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD من حيث نسبة المستحقين لمخصصات التمريض، وأن واحدًا من كل ثلاثة مواطنين كبار في السن يحصل على هذه المخصصات.
وبخصوص مخصصات الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة، جرى اعتماد سياسة تمنح الوالدين الذين لديهم طفل مشخص بالتوحد مخصصًا شهريًا ثابتًا يبلغ حوالي 3,800 شيكل، بغض النظر عن درجة استقلالية الطفل وقدرته على القيام بالأنشطة اليومية أو حجم الصعوبات التي يواجهها في حياته اليومية. كما تقرر في بداية العقد الحالي منح 1,900 شيكل شهريًا لأهالي الأطفال الذين يعانون من حساسية خطيرة قد تعرض حياتهم للخطر وتتطلب مراقبة دائمة. وتقول وزارة المالية إن هذا القرار اتُخذ من دون مصدر تمويل واضح، وإنه أضاف نفقات جديدة تبلغ حوالي 400 مليون شيكل سنويًا على التأمين الوطني.
ورغم أن الأزمة بدأت قبل ولاية شبيغلر، ترى وزارة المالية أن سياساته سرعت تفاقمها. أما شبيغلر فكان يدافع عن هذه الخطوات ويقول إنها سمحت للمواطنين بالحصول على حقوق كانوا يستحقونها، كما دعا إلى رفع سن التقاعد وإلى منح التأمين الوطني صلاحيات أوسع في إدارة أمواله.
وتؤكد وزارة المالية بأنّه لا يمكن وقف المخصصات عن الأشخاص الذين يحصلون عليها حاليًا، لكنها ترى أن منع الأزمة يتطلب تشديد شروط الحصول على المخصصات مستقبلًا. وترى وزارة المالية أن المخصصات يجب ألا تُدفَع بالمبلغ نفسه لجميع المستحقين، بل أن تُحدد قيمتها وفقًا لحالة كل شخص ومستوى حاجته الفعلية للمساعدة. ولهذا بدأت لجنة مشتركة من التأمين الوطني ووزارة المالية مناقشة تغييرات محتملة في شروط الحصول على مخصصات التمريض. وتعتقد وزارة المالية أيضًا أنه لا بدّ من زيادة الرسوم التي يدفعها المواطنون، التي كانت قد ارتفعت بالفعل خلال عامي 2025 و2026 لتمويل الحرب.
وتشير بيانات الوزارة إلى أن العامل الأجير الذي يتقاضى 13 ألف شيكل شهريًا يدفع أكثر من 900 شيكل شهريًا إلى التأمين الوطني من خلال مساهماته ومساهمات صاحب العمل، بينما يدفع 350 ألف شخص لا يعملون رسومًا مخفضة تبلغ 143 شيكلًا شهريًا فقط. وترى الوزارة أن هذا الفارق يجب تقليصه.
كما تدعو الوزارة إلى رفع رسوم التأمين الوطني التي يدفعها الطلاب وطلاب المعاهد الدينية، والبالغة 48 شيكلًا شهريًا. وبحسب الوزارة، فإن استمرار هذه الرسوم المنخفضة يشجع على عدم العمل. كما تحذر من أن زيادة نسبة الحريديم في السكان، في ظل انخفاض معدلات التشغيل والأجور لديهم مقارنة ببقية السكان، قد تؤدي مستقبلاً إلى تراجع وتيرة نمو إيرادات التأمين الوطني.
وتتوقع وزارة المالية أن تضطر الحكومة المقبلة، التي ستعد ميزانية عام 2027، إلى اتخاذ قرارات صعبة لإنقاذ التأمين الوطني من الأزمة المالية، سواء عبر تشديد شروط الحصول على المخصصات، أو رفع الرسوم، أو تخصيص أموال من ميزانية الدولة لتغطية العجز المتزايد.











