الأربعاء, يونيو 10, 2026 20:49
/
/
أُسلوب الاقتطاع التّدريجيّ: المحاولة المتجدّدة لتصفية ميزانيّات المجتمع العربيّ ستُفاقم الجريمة

أُسلوب الاقتطاع التّدريجيّ: المحاولة المتجدّدة لتصفية ميزانيّات المجتمع العربيّ ستُفاقم الجريمة

أيقون موقع وصلة Wasla
366091 5 SMART REFRESH Arabic 520 1140x145px 300 ppi
عوفر دَغَان 2
عوفر دغان – مدير عام شريك لجمعيّة سيكوي-أُفق

 

قبل نحو أسبوع، أرسلت المديرة العامّة لمكتب رئيس الحكومة برقيّة مُستعجلَةً إلى وزارات الحكومة، طالبت فيها بتزويدها بتفاصيل بنود من ميزانيّات الخطّة الخمسيّة للمجتمع العربيّ (قرار 550) يمكن تحويلها فورًا “لصالح مكافحة الجريمة”، وذلك من أجل بلورة قرار حكوميّ جديد في هذا الموضوع. ظاهريًّا، تبدو هذه الخطوة التي جرت خلف الكواليس بشكل شبه سرّي، على أنّها طلب موضوعيّ لتلبية حاجة ملحّة وحارقة. لكن عمليًّا، يدور الحديث عن جزء من مسار خطير يهدف لإفراغ ميزانيّات المجتمع العربيّ بشكلٍ تدريجيّ لأغراض سياسيّة.

يدور الحديث عن مسار قد أُعِدَّ لتحقيق رؤية سياسيّة يلتقي فيها المواطن العربيّ مع الدّولة فقط في مواجهة مباشرة وفي حالات تفعيل العنف المؤسّساتيّ — ميزانيّات أقلّ للتعليم، للّصحّة، للرفاه، للثقافة وللتشغيل، وميزانيّات أكثر للاعتقالات، للتّحقيقات ولهدم البيوت.

القرار الآخذ في التّبلور هو خطوة استمراريّة في مساعي إفراغ ميزانيّات الخطّة الخمسيّة للتطوير الاقتصاديّ والاجتماعيّ في المجتمع العربيّ. قبل نحو نصف عام، حاول الوزيران بن غفير وماي غولان تحويل نحو 2.5 مليار شيكل من ميزانيّات الخطّة لجهازيّ الشّرطة والشاباك. هذه الخطوة التي كانت ستؤدّي عمليًّا إلى إلغاء الخطّة، قد أُوقِفَت في أعقاب معارضة غالبيّة وزارات الحكومة لها.

ليس عبثًا عارض المديرون العامّون لوزارات الحكومة “الخطّة” التي قدّمها بن غفير وغولان، فقد أدركوا أنّه لا يوجد أيّ أساس مهنيّ لها، وأنّ من شأنها أن تُفاقِمَ الجريمة بدلاً من الحدّ منها. أساس هذه الخطوة سياسيّ بحت، ومُسْتَقى مباشرة من الاتّفاق الائتلافيّ لحزب “عوتسما يهوديت”. هذا الاتفاق الموقّع في يناير 2023، في فترة شهدت لأوّل مرة منذ نحو عقد انخفاضًا في معدّلات الجريمة، طالب حتّى في حينه بتحويل أموال من البرامج الاقتصاديّة والاجتماعيّة لصالح الأجهزة الأمنيّة. يدور الحديث عن مسار قد أُعِدَّ لتحقيق رؤية سياسيّة يلتقي فيها المواطن العربيّ مع الدّولة فقط في مواجهة مباشرة وفي حالات تفعيل العنف المؤسّساتيّ — ميزانيّات أقلّ للتعليم، للّصحّة، للرفاه، للثقافة وللتشغيل، وميزانيّات أكثر للاعتقالات، للتّحقيقات ولهدم البيوت.

بعد أن أُوقفت محاولة إقرار خطّتهم دُفْعَةً واحدةً، انتقل غولان وبن غفير إلى أسلوب الاقتطاع التّدريجيّ. من أجل الموازنة بين المعارضة المهنيّة من قِبَل الوزارات للخطّة المُقتَرَحة وبين التّبعيّة السّياسيّة لنتنياهو بحزب “عوتسما يهوديت”، أُقِرَّت آليّة تُلْزِم مصادقة المديرة العامّة لمكتب رئيس الحكومة على كافّة ميزانيّات الخطّة الخمسيّة للمجتمع العربيّ، ومُنحت لها صلاحيّةُ السّماح بتحويل الميزانيّات لخطّة بن غفير وغولان. هذه الآليّة فُعِّلت للمرّة الأُولى نِهايَةَ العام الماضي، حين تمّ تقليص 220 مليون شيكل من الخطّة الخمسيّة لِتُحَوَّلَ للشاباك والشرطة. والآن يجهّز مكتب رئيس الحكومة الأرضيّةَ لجولة جديدة من الاقتطاعات والتي من المتوقّع أن تتمّ قريبًا.

الوزيرة ماي جولان والوزير إيتمار بن غفير في الكنيست. تصوير: داني شيم طوف، الناطق بلسان الكنيست.
عارض المديرون العامّون للوزارات”الخطّة” التي قدّمها بن غفير وغولان. تصوير: داني شيم طوف، الناطق بلسان الكنيست.

 

الآليّة الجديدة للاقتطاعات أقلّ دراماتيكيّة وتُحدِثُ ضجّةً جماهيريّة أخفّ وطأةً — بدلاً من إفراغ كلّ الأموال “دفعة واحدة” وتقويض الخطّة، يتمّ تحويل بضع مئات من الملايين كلّ بضعة أشهر وبذلك يفكّكون الخطّة مرحلةً تلو أخرى. لكنّ الخطر لا يقلّ، فبدلًا من استغلال سنة التّنفيذ الأخيرة للخطّة الخمسيّة في برامج تعزيز المجتمع العربيّ وتطوير خطّة مستقبليّة بالمقابل، تجد الوزارات نفسها مضطرّةً إلى المكافحة لتحصيل بقايا الميزانيّات من قوى سياسيّة تسعى للنيل من ميزانيّاتها. وكالعادة، من يدفع الثّمن هم المواطنون.

لا تناقض بين الاستثمار في التطوير الاقتصاديّ والاجتماعيّ وبين الاستثمار في تعزيز إنفاذ القانون. بل على العكس، يدور الحديث عن أداتين تشكّلان معًا استجابةً متكاملة لمكافحة الجريمة — من جهة، مواجهة مباشرة للجريمة المُنظَّمة، ومن جهة أخرى، معالجة المُسبّبات العميقة التي تُغذّي الجريمةَ. إلّا أنّ المسار الذي يدفع به غولان وبن غفير — بالتّعاون مع نتنياهو، وهو أمر مهمّ الإشارة له — أُعِدَّ لإضعاف البنية الاجتماعيّة والاقتصاديّة في المجتمع العربيّ وتقويضها، وهذه هي تحديدًا البيئة التي تزدهر فيها منظّمات الجريمة.

لم يفت الأوان بعد لوقف هذا المسار. هذا هو الوقت الذي يجب أن يُسمع فيه صوت الوزراء والمديرين العامّين للوزارات بوضوح وحدّة، ليقولوا: نعم، من المهمّ أن نكافح الجريمة وأن نعزّز الأمان، وكلّا، يجب ألّا يكون ذلك على حساب الخطوات المدنيّة لتعزيز المجتمع والاقتصاد.

عوفر دغان هو مدير عام شريك لجمعيّة سيكوي-أُفق، التي تعمل على تعزيز مجتمع متساوٍ ومشترك بين المواطنين العرب واليهود في الدّولة.

366091 5 SMART REFRESH Arabic 520 1140x145px 300 ppi

مقالات مختارة

Skip to content