
تستعد إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لفرض عقوبات غير مسبوقة على المحكمة الجنائية الدولية، حيث ستمنع العقوبات معظم التعاملات المالية والتجارية مع المحكمة، على أن يبدأ تطبيقها بعد مهلة تتراوح بين ستة وسبعة أشهر، بحسب تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال. وقد تمنع هذه العقوبات أيضًا المحكمة من إجراء معاملات بالدولار، ما قد يعزلها عن جزء كبير من النظام المالي العالمي ويعرقل عملها بصورة كبيرة.
وقد يتم الإعلان عن هذه العقوبات خلال الأسبوع الحالي، بالتزامن مع انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة، أو خلال الأيام التي تليه. وكانت الولايات المتحدة قد فرضت سابقًا عقوبات على عدد من كبار مسؤولي المحكمة، لكن إدارة ترامب تعمل الآن على توسيع العقوبات لتشمل المحكمة نفسها ومعظم التعاملات المالية معها، دون اقتصارها على موظفين محددينن فقط. ولن تشمل العقوبات بحسب ما هو متوقع المدفوعات اللازمة لخدمات الاتصالات لصالح المحكمة.
وتُعدّ هذه العقوبات تصعيدًا جديدًا في حرب الإدارة الأمريكية على المحكمة الجنائية الدولية، بعد إصدارها مذكرتي اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت. وكانت دول أوروبية ودول أخرى تدعم المحكمة قد تعهدت في السابق بحمايتها من الإجراءات الأميركية، لكن لم يتضح حتى الآن كيف ستفعل ذلك. ومن بين الخيارات المطروحة أن يلزم الاتحاد الأوروبي البنوك الأوروبية بمواصلة التعامل مع المحكمة حتى في حال دخول العقوبات الأميركية حيز التنفيذ.
وكان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد أعلن في يوليو أن إدارة ترامب ستستخدم جميع الوسائل المتاحة لها، وستعمل مع حلفائها، لتفكيك المحكمة الجنائية الدولية “حجرًا حجرًا” إذا لزم الأمر. وقال إن ملاحقة مسؤولين من دول غير أعضاء في المحكمة، مثل الولايات المتحدة وإسرائيل، تشكل تهديدًا للسيادة الأميركية. ويتناقض موقف روبيو الحالي مع موقفه السابق في عام 2022، عندما كان عضوًا في مجلس الشيوخ وشارك في صياغة قرار يدعو المحكمة الجنائية الدولية إلى التحقيق في جرائم حرب ارتكبتها روسيا في أوكرانيا، رغم أن روسيا أيضًا ليست عضوًا في المحكمة. وفي 2023 أصدرت المحكمة مذكرة اعتقال بحق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ومسؤولين روس آخرين.
وشملت العقوبات الأميركية السابقة عددًا من مسؤولي المحكمة، بينهم المدعي العام السابق كريم خان، ورئيسة المحكمة توموكو أكاني، وعدد من القضاة، ونائبا المدعي العام، والمدعي المسؤول عن القضية المتعلقة بنتنياهو وغالانت. وفي ديسمبر أعلن روبيو فرض عقوبات على قاضيين بسبب قرارات اتخذاها في قضايا تتعلق بإسرائيل.
وكان ترامب قد وقّع في فبراير 2025 أمرًا رئاسيًا يسمح بفرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي. واتهم المحكمة باتخاذ إجراءات «غير مشروعة ولا أساس لها» ضد الولايات المتحدة وإسرائيل بعد إصدار مذكرتي الاعتقال بحق نتنياهو وغالانت. ويتيح الأمر الرئاسي الأمريكي حجز الأموال والممتلكات والحسابات البنكية التابعة للأشخاص المستهدفين بالعقوبات إذا كانت موجودة داخل الولايات المتحدة أو تمر عبر النظام المالي الأميركي. كما يسمح بمنع موظفين في المحكمة وأفراد من عائلاتهم من دخول الولايات المتحدة إذا شاركوا في التحقيق مع مواطنين أميركيين أو مواطني دول حليفة لواشنطن أو في محاكمتهم. وجاء في الأمر الرئاسي أن المحكمة «أساءت استخدام صلاحياتها»، وأن قراراتها قد تعرّض مواطنين أميركيين وأفرادًا في الجيش الأميركي لملاحقات قضائية مستقبلًا.

وكانت المحكمة الجنائية الدولية قد أصدرت في 2024 مذكرتي اعتقال بحق نتنياهو وغالانت، على خلفية ارتكابهما لجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة. وقالت المحكمة إن هناك أسبابًا معقولة للاعتقاد بأنهما يتحملان مسؤولية عن منع أو تقييد دخول المساعدات الإنسانية إلى القطاع. وتتعلق قرارات المحكمة بالفترة الممتدة من 8 أكتوبر 2023 حتى 20 مايو 2024. وقالت المحكمة إن لديها أسبابًا معقولة للاعتقاد بأن نتنياهو وغالانت يتحملان مسؤولية عن استخدام التجويع كأداة عقابية في الحرب، وعن القتل والاضطهاد وتعمّد استهداف المدنيين.
كما تحقق المحكمة في دور وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير في توسيع المستوطنات في الضفة الغربية، التي تعتبرها الأمم المتحدة مخالفة للقانون الدولي. ورفضت المحكمة اعتراضات قدمتها إسرائيل على صلاحيتها للنظر في القضايا المتعلقة بالحرب في غزة. وقررت أن موافقة إسرائيل على اختصاص المحكمة ليست شرطًا للنظر في طلبات إصدار مذكرات الاعتقال التي قدمها المدعي العام، لأن المحكمة تعتبر أن لها صلاحية قضائية في هذه القضية.












