
يشير تقرير لصحيفة بلومبرغ أن الحرب مع إيران تضع الطفرة الاقتصادية التي شهدتها الإمارات منذ جائحة كورونا أمام أصعب اختبار لها حتى الآن، بعد سنوات استقطبت خلالها البلاد رؤوس أموال وموظفين وسياحًا بفضل الضرائب المنخفضة ونمط الحياة الذي توفره دبي وأبو ظبي. ومع بداية موسم الخريف وعودة الموظفين والطلاب والاستعداد لموسم السياحة الشتوي والمؤتمرات، تواجه الإمارات اختبارًا عمليًا لقدرتها على الحفاظ على تدفق السياح والموظفين ورؤوس الأموال، في وقت تدخل فيه الحرب شهرها السابع.
وبحسب التقرير، لا تزال قطاعات اقتصادية واسعة في الإمارات تعمل بشكل جيد، إذ تواصل صناديق الثروة السيادية في أبو ظبي استثماراتها البالغ قيمتها مليارات الدولارات، ما يشجّع بنوك وول ستريت على زيادة حضورها في الخليج، كما تواصل صناديق رأس المال الاستثماري ضخ الأموال في السوق الإماراتية. ولا تزال مراكز التسوق في دبي وأبو ظبي تشهد إقبالًا، كما أن المطاعم مزدحمة بالزبائن. لكن استمرار الاضطرابات في مضيق هرمز رفع تكاليف الاستيراد وأسعار الوقود وأدى إلى اضطرابات في سلاسل الإمداد. كذلك، انخفضت حركة المسافرين في المطارات، وتراجعت نسب إشغال الفنادق ومبيعات العقارات.
ورغم أن حدة المواجهات خفت مقارنة بذروة الحرب، عندما تعرضت دول خليجية لآلاف الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، لم تتوقف الهجمات بشكل نهائي على دول الخليج وقطاع الملاحة. وفي 31 أغسطس أعلنت الإمارات اعتراض طائرة مسيّرة فوق مياهها الإقليمية، في وقت وصف فيه مستشار إماراتي بارز الوضع بأنه حالة «لا حرب ولا سلام»، داعيًا إلى حل قابل للاستمرار.
وفي قطاع التعليم الخاص، تظهر البيانات أن أعداد الطلاب ما زالت مرتفعة رغم الحرب. فقد غادر الإمارات 1,800 طالب من مجموعة GEMS Education عند اندلاع الحرب، ثم عاد 700 منهم. ويتوقع الرئيس التنفيذي للمجموعة، دينو فاركي، أن يصل عدد الطلاب المسجلين هذا العام إلى 147 ألفًا، بزيادة 2,000 طالب مقارنة بـ2025، لكنه قال إن الزيادة قد تكون أقل من المعدلات التي سجلتها المجموعة في السنوات السابقة.
وشهدت شركة تعليم القابضة، المدرجة في سوق دبي المالي، زيادة نسبتها 7% في عدد الطلاب المسجلين في مدارسها الخاصة مقارنة بالعام الماضي، ليصل العدد إلى 19,500 طالب. وقال رئيسها التنفيذي آلان ويليامسون إن عدد الراغبين في التسجيل لا يزال أكبر من عدد المقاعد المتاحة، رغم الظروف الصعبة التي مرت بها البلاد. وتستعد دبي هذا العام لافتتاح سبع مدارس خاصة جديدة، ستوفر 17 ألف مقعد إضافي، وتشمل فروعًا لمؤسسات تعليمية دولية تصل الرسوم الدراسية في بعضها إلى 42 ألف دولار سنويًا. كما افتتحت مدرستا Rugby وHarrow البريطانيتان فرعين في دبي هذا العام، وتخطط Harrow لافتتاح فرع آخر في أبو ظبي العام المقبل.
وعلى صعيد مجمل الاقتصاد الإماراتي، يتوقع البنك المركزي تباطؤ نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى 1.7% في 2026، بينما يتوقع اقتصاديون أن يرتفع إلى 7% في 2027. وفي موازاة ذلك، تواصل المراكز المالية في دبي وأبو ظبي التوسع رغم اشتداد المنافسة على جذب رؤوس الأموال، خصوصًا من سنغافورة وهونغ كونغ، إلى جانب اليونان التي استقطبت مؤخرًا عددًا من الأسماء البارزة في عالم الاستثمار.
وتجاوز عدد الشركات النشطة في مركز دبي المالي العالمي 10 آلاف شركة، وأصدر سوق أبو ظبي العالمي قرابة 2,000 رخصة للشركات، كما زاد عدد الموظفين في الشركات المسجّلة فيه بـ4,700 موظف خلال النصف الأول من العام. وبلغ عدد سكان دبي 4.58 مليون نسمة في نهاية 2025، وزاد عدد سكان المدينة 200 ألف نسمة خلال العام الجاري، وفق بيانات حكومية.
وتُظهر بيانات حركة المرور في دبي تفاوتًا في وتيرة التعافي بين المناطق. فقد عادت حركة المرور حول مركز دبي المالي العالمي إلى 90% من معدلات ما قبل الحرب، قبل أن تنخفض مجددًا في أغسطس خلال العطلة الصيفية. وكان التعافي أبطأ في نخلة جميرا ودبي مارينا، وهما منطقتان تعتمدان بدرجة أكبر على السياحة.

وتُعزى قدرة الاقتصاد الإماراتي على تحمّل تداعيات الحرب بشكل أساسي إلى صندوق الثروة السيادي في أبو ظبي، الذي تبلغ قيمته 2 تريليون دولار، وإلى رؤوس الأموال الخاصة الكبيرة في دبي. وأطلقت السلطات حوافز لدعم قطاعات مثل السياحة والعقارات، كما أسهمت الاستثمارات والصفقات التي تنفذها صناديق وجهات استثمارية حكومية في الإمارات في دفع الشركات التي تتعامل معها إلى زيادة عدد موظفيها.
وفي سوق العمل، بدأت الشركات في تقديم حوافز إضافية لجذب الموظفين، بينها دفعات مقدمة للسكن وتذاكر سفر مجانية وتمويل سفر أفراد الأسرة. وقال غريغ أغيوس، رئيس شركة توظيف متخصصة في القطاع المالي والخدمات المصرفية الخاصة للصحيفة، إن الشركات تفضّل منح حوافز لمرة واحدة أو تغطية تكاليف الانتقال، بدل إضافة علاوة دائمة مرتبطة بالمخاطر الجيوسياسية إلى الرواتب. ولا يزال الطلب قويًا على خبراء الذكاء الاصطناعي، لكن الخبراء الأجانب أصبحوا يدرسون ظروف الانتقال إلى الإمارات بعناية أكبر قبل اتخاذ قرارهم، وفق شركة Discovered المتخصصة في التوظيف في قطاع التكنولوجيا.
وفيما يتعلق بسوق العقارات، تباطأت المبيعات مقارنة بالطفرة التي أعقبت الجائحة، كما تراجعت الإيجارات في بعض المناطق، لكن معظم البائعين لا يزالون يتجنبون خفض الأسعار. وفي المقابل، اتخذت السلطات إجراءات لدعم السكان، ومن بين هذه الإجراءات، منح المستأجرين في دبي مرونة أكبر في سداد الإيجار الشهري، وتجميد زيادات الإيجارات في أبو ظبي.
وتبقى الأسعار من أبرز التحديات الاقتصادية، بعدما ارتفعت أسعار البنزين والديزل في الإمارات 60% منذ بداية الحرب. ويقدّر 11 خبيرًا اقتصاديًا استطلعت آراءهم بلومبرغ أن يصل التضخم في الإمارات إلى 3.2% في 2026، ثم يتراجع إلى 2.3% في 2027.
وقال أحمد جلال إسماعيل، الرئيس التنفيذي لمجموعة ماجد الفطيم، للصحيفة، إن الشركة تعمل في «بيئة تشغيلية صعبة»، بسبب تراجع السياحة وتأثر قطاع الفنادق، إضافة إلى نقص بعض المنتجات في المتاجر، باستثناء المواد الغذائية. وأضاف أن المجموعة رفعت أسعار بعض السلع على الزبائن لتعويض جزء من ارتفاع تكاليفها، في حين أصبح بعض الزبائن يؤجلون شراء السلع مرتفعة الثمن.
وتتركز الضغوط الأشد في المنطقة الحرب في جبل علي وميناء جبل علي، اللذين يسهمان معًا بما لا يقل عن خمس الناتج المحلي الإجمالي لدبي. وتسعى الإمارات إلى إعادة تنظيم سلاسل الإمداد وفتح مسارات جديدة للتصدير، ضمن خطة بمليارات الدولارات لتطوير موانئ وطرق نقل ومسارات تصدير بديلة، أطلقت عليها اسم «صفر هرمز»، وتهدف إلى تقليل اعتماد الإمارات على مرور تجارتها عبر مضيق هرمز.
كما تضررت حركة مطار دبي الدولي، إذ انخفض عدد المسافرين بما يقارب الثلث في النصف الأول من العام. ويتوقع المطار تحسن الطلب لاحقًا، لكنه أجّل هدف الوصول إلى 100 مليون مسافر سنويًا. وفي قطاع الفنادق، هبطت نسبة الإشغال في دبي إلى 64% في أغسطس، مقارنة بـ76% قبل عام، وانخفضت أسعار الغرف 10%. ورغم هذا التراجع، يرى مسؤولون في قطاع الفنادق أن نسب الإشغال ما زالت جيدة نسبيًا، خصوصًا مع انخفاض عدد رجال الأعمال والزوار القادمين من الخارج.
ولمواجهة التراجع، أطلقت شركات سياحية وفنادق عروضًا تشمل تأمينًا صحيًا مجانيًا وإعفاءات من التأشيرة للسياح، كما بدأت فنادق ومطاعم تقديم خصومات للسكان المحليين. وحتى في أغسطس، الذي يُعد عادة شهرًا هادئًا، استمرت بعض الوجهات مثل أكوافنتشر في أتلانتس ومطاعم راقية في مركز دبي المالي العالمي في جذب أعداد كبيرة من الزوار. لكن تحسن قطاع السياحة بصورة أكبر يعتمد على عودة شركات الطيران الأجنبية إلى تسيير رحلاتها المعتادة إلى الإمارات. وحتى الآن، لم تستأنف معظم شركات الطيران جميع رحلاتها، في حين زادت بعض الشركات التركية والهندية أعداد رحلاتها بشكل أكبر من غيرها.
وتقول شركات الفنادق إنها بدأت ترى تحسنًا في الحجوزات. وفي حديثه مع الصحيفة، قال فيليب زوبر، الرئيس التنفيذي لشركة Kerzner International، التي تدير أتلانتس ومنتجعات One&Only، إن حجوزات منشآت الشركة في دبي تجاوزت 80% لفترة عطلات نهاية العام، مع عودة تدريجية للمسافرين الدوليين. ومن المتوقع أن يدعم شهر ديسمبر النشاط أكثر، مع عودة عقد مؤتمرات في الإمارات تأجلت بسبب الحرب، إلى جانب فعاليات كبيرة مثل سباق جائزة أبو ظبي الكبرى للفورمولا 1 وافتتاح متحف غوغنهايم أبو ظبي وأسبوع أبو ظبي المالي.
وبحسب التقرير، تراهن الإمارات على أن تبقى مزاياها التقليدية عامل جذب للأجانب ورؤوس الأموال، وفي مقدمتها الضرائب المنخفضة والبنية التحتية المتطورة سهولة استقدام الموظفين والعاملين من الخارج. وقالت مونيكا مالك، كبيرة الاقتصاديين في بنك أبو ظبي التجاري، للصحيفة إن المؤشرات الحالية لا تدل على موجة مغادرة واسعة من الإمارات، وإن بيئة الأعمال المواتية، والضرائب المنخفضة، والبنية التحتية المتطورة، وتوفر العمّال، ستظل عوامل جذب في السنوات المقبلة.










