طوابير ممتدة أمام محطات مغلقة: أسباب وتداعيات أزمة البنزين في الضفة

الأربعاء, يوليو 29, 2026 00:29
/
/
طوابير ممتدة أمام محطات مغلقة: أسباب وتداعيات أزمة البنزين في الضفة

طوابير ممتدة أمام محطات مغلقة: أسباب وتداعيات أزمة البنزين في الضفة

أيقون موقع وصلة Wasla
366091 5 SMART REFRESH Arabic 53 1140x145px 300 ppi

في الوقت الذي يواجه فيه الاقتصاد الفلسطيني تداعيات الحرب، واستمرار احتجاز أموال المقاصة، وتراجع النشاط الاقتصادي وارتفاع معدلات البطالة، برزت أزمة نقص إمدادات الوقود كحلقة جديدة في سلسلة الأزمات التي تثقل كاهل المواطن والاقتصاد الفلسطيني على حد سواء، وخصوصًا أصحاب المركبات العمومية. في هذا التقرير نرصد أسباب الأزمة وتداعياتها والحلول المطروحة حتى الآن.

كازية الهدى
طوابير أمام كازية الهدى، تصوير: طه أبو حسين

 

أمام محطة المحروقات المغلقة، ينتظر سائق المركبة العمومية عمران أبو حمدية قائلًا إن الأزمة في محافظة الخليل باتت تشكل معاناة يومية للسائقين، موضحاً أن سعة خزان سيارته الصغيرة لا تكفيه لأكثر من ثلاثة أيام، ما يضطره إلى التوجه إلى محطة الوقود فور وصول شحنات السولار والانتظار لساعات من أجل التزود بالوقود، لكن انتظاره يكون بلا طائل في كثير من الأحيان حيث تنفذ الكميات قبول وصول دوره.

ويضيف أبو حمدية أن السائقين يبدأون بالاصطفاف أمام محطات الوقود حتى قبل وصول صهاريج السولار، لافتاً إلى أنه يهدر يومياً ما لا يقل عن ساعتين في الانتظار، وهو وقت يُقتطع من ساعات عمله ومصدر رزقه. وأشار أبو حمدية إلى أن الازدحام الشديد أمام محطات الوقود يتسبب بأزمات مرورية خانقة، تؤدي إلى زيادة استهلاك الوقود وتعطيل حركة المواطنين، إلى جانب الخسائر التي يتكبدها السائقون نتيجة ضياع ساعات العمل.

وتأتي هذه الأزمة في وقت تحتاج فيه الضفة الغربية يوميًا إلى نحو 3.5 مليون لتر، بينما لم تتجاوز الكميات المورّدة خلال الأزمة 3 مليون لتر في أي من أيامها، وتراوحت في بعض الأيام بين 2 و 2.5 مليون لتر فقط، وهو ما أدى إلى تراجع الكميات التي تصل المحافظات وعدم تلبية الطلب اليومي للمواطنين، وخاصة في محافظة الخليل التي تعتبر “قلعة الاقتصاد الوطني” كما يوضّح رئيس نقابة المحروقات سامر أبو حديد.

سامر أبو حديد، رئيس نقابة المحروقات
سامر أبو حديد، رئيس نقابة المحروقات

 

وأضاف أبو حديد أن أزمة إيداع الشيكل تمثل أحد أبرز أسباب استمرار الأزمة، إذ يواجه التجار وأصحاب محطات الوقود صعوبة في إيداع النقد بالشيكل لدى البنوك، ما يعيق قدرتهم على الوفاء بالتزاماتهم المالية وسداد قيمة المحروقات، إلى جانب ثمن المحروقات الذي يُدفع مقدماً لهيئة البترول قبل التوريد.

وتطرّق أبو حديد لموضوع إغلاق الحواجز وتقطيع الطرق، الذي من شأنه تأخير وصول صهاريج الوقود إلى المحافظات في المواعيد المحددة. كذلك، يسهم تهافت المواطنين على شراء الوقود نتيجة تأثّرهم بالإشاعات في تفاقم الأزمة، حيث يُخزّن العديد منهم كميات تفوق حاجتهم اليومية، ما يحرم الآخرين من الحصول على الوقود ويخلق نقصاً مصطنعاً في السوق.

ويؤكّد أبو حديد إلى أن الأزمة تتراجع لفترات قصيرة ثم تعود مجدداً لسببين رئيسيين، أولهما توقف توريد المحروقات من الجانب الإسرائيلي مع نهاية كل أسبوع، ووالسبب الثاني هو غياب الحلّ الجذري للأزمة والاقتصار على الحلول الجزئية، إذ تُغطّى الشحنات الموردة بمبالغ مالية محدودة، ومع نفاد السيولة المتاحة تعاني المحطات من جديد من نفاد الوقود، لتتكرر الأزمة إلى حين تحويل دفعات جديدة.

وشدد أبو حديد على أن معالجة الأزمة تتطلب تعاوناً مشتركاً بين عدة أطراف، يتمثل في إيجاد الحكومة ووزارة المالية وهيئة البترول آلية مستدامة لتسوية الالتزامات المالية وضمان استمرار التوريد، إلى جانب توسيع البنوك لقدرتها على استقبال إيداعات الشيكل لتسهيل تحويلات أصحاب المحطات.

طوابير كازية
طوابير انتظار السيارات أمام المحطات

 

في هذا الصدد، يقول الناشط النقابي المختص بقطاع النقل، سامر وزوز، إن أزمة الوقود تُلحق أضرارًا مباشرة وجسيمة بسائقي المركبات العمومية، وتنعكس على أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية والنفسية. حيث يؤدي توقف المركبة عن العمل إلى انقطاع الدخل اليومي بشكل كامل، نظرًا لاعتماد السائق على العمل المستمر لتأمين مصدر رزقه. كما يتسبب ذلك في تراكم الديون والالتزامات المالية، مع عجز العديد من السائقين عن سداد أقساط المركبات، ورسوم التأمين، أو الإيجار اليومي المستحق لمالكي المركبات.

وأضاف أن أزمة الوقود ترفع أيضًا من تكاليف الصيانة، إذ إن تشغيل المركبة بخزان وقود شبه فارغ يؤدي إلى سحب الشوائب المترسبة في الخزان، ما يتسبب في تلف مضخة الوقود والبخاخات والفلاتر، ويزيد من نفقات الإصلاح. وبيّن وزوز أن توقف المركبات لفترات طويلة دون تشغيل يسرّع من تآكل أجزائها الميكانيكية والكهربائية، مثل البطارية والإطارات، الأمر الذي ينعكس سلبًا على قيمتها السوقية.

وأكد أن الأزمة لا تقتصر على الجوانب الاقتصادية، بل تمتد إلى آثار نفسية واجتماعية عميقة، إذ يعيش السائقون حالة من الضغط النفسي والقلق المستمر نتيجة عجزهم عن توفير الاحتياجات الأساسية لأسرهم، والخوف من استمرار الأزمة. كما أن الضغوط المالية الناجمة عن توقف العمل تسهم في زيادة المشكلات والخلافات الأسرية داخل منازل السائقين.

كازية 1
كازية الهدى، تصوير: طه أبو حسين

 

وفي سياق مواز، قال رئيس الهيئة العامة للبترول، مجدي الحسن، في تصريحات لراديو “أجيال”، إن الهيئة ستبدأ اعتبارًا من اليوم بزيادة حصة السولار على حساب البنزين في توريد المحروقات، بهدف حماية قطاع النقل العام والقطاعات الحيوية والإنتاجية، وضمان استمرار عملها في ظل الأزمة الحالية.

وأوضح الحسن أن الهيئة تتوقع عودة التوازن إلى سوق المحروقات اعتبارًا من الأسبوع المقبل، مع تحسن وتيرة التوريد واستقرار الإمدادات، مبيّنا أن انتشار الإشاعات وحالة الخوف من المجهول لدى المواطنين أسهما في مضاعفة أزمة المحروقات، نتيجة الإقبال الكبير على التزود بالوقود بما يفوق الاحتياج الفعلي. وأضاف أن جزءًا من الصهاريج الإسرائيلية المخصصة لنقل المحروقات إلى الضفة الغربية أصبح تحت إمرة الجيش الإسرائيلي، ويُستخدم حاليًا لأغراض عسكرية، الأمر الذي أثر في عمليات نقل الوقود.

وفيما يتعلق بالأسباب الكامنة وراء الأزمة، يؤكّد المختص الاقتصادي، د. باسم أبو داود، أنه رغم أنّ الأزمة تبدو للوهلة الأولى مرتبطة بنقص الكميات المتوفرة في محطات البنزين، إلا أن جذورها أعمق من ذلك بكثير. فهي نتاج تداخل عدة عوامل، أبرزها انخفاض كميات التوريد، وأزمة السيولة وتكدس الشيكل، والقيود المفروضة على حركة الإمدادات، إلى جانب زيادة الطلب نتيجة التخوف من استمرار الأزمة.

“لا تكمن خطورة نقص الوقود في الطوابير أمام محطات التعبئة فقط، بل في انعكاساته الواسعة على مختلف القطاعات الاقتصادية. فارتفاع تكاليف النقل يؤدي إلى زيادة أسعار السلع والخدمات، بينما تواجه المنشآت الصناعية والزراعية والتجارية ارتفاعًا في تكاليف التشغيل، الأمر الذي ينعكس على الإنتاجية والتنافسية وفرص العمل” يقول أبو داود.

د. باسم أبو داود
المختص الاقتصادي د. باسم أبو داود

 

وبين أن التأثير يطال القطاع الزراعي الذي يعتمد على الوقود في تشغيل المعدات الزراعية ومضخات المياه ونقل المنتجات، ما يرفع من تكلفة الإنتاج ويهدد الأمن الغذائي. وفي الوقت نفسه، تواجه المستشفيات، وسيارات الإسعاف، والدفاع المدني، والبلديات تحديات إضافية في استمرار تقديم خدماتها بكفاءة.

في محصّلة الأمر المواطن الفلسطيني، المتضرر الأكبر؛ إذ يتحمل ارتفاع تكاليف المواصلات، وارتفاع أسعار السلع الأساسية، وتراجع قدرته الشرائية، في ظل أوضاع اقتصادية ومعيشية صعبة أصلًا. ومع استمرار الأزمة، قد تتسع دائرة الفقر، وتتزايد الضغوط على الأسر، خاصة مع عدم انتظام الرواتب وارتفاع معدلات البطالة.

IBI SMART 1140x140 1

مقالات مختارة

Skip to content