“ريادة الأعمال ليست أصعب من تربية الأطفال”.. كيف صنعت مياسة حلبي نموذجًا اقتصاديًا صامدًا في عسفيا؟

السبت, يوليو 25, 2026 15:12
/
/
“ريادة الأعمال ليست أصعب من تربية الأطفال”.. كيف صنعت مياسة حلبي نموذجًا اقتصاديًا صامدًا في عسفيا؟

“ريادة الأعمال ليست أصعب من تربية الأطفال”.. كيف صنعت مياسة حلبي نموذجًا اقتصاديًا صامدًا في عسفيا؟

أيقون موقع وصلة Wasla
3ecfaa25 8082 40ba 8369 e578110905ac
مياسة يوسف حلبي (تصوير يحيى أمل جبارين)
في مطعم “أجبان مياسة” في عسفيا، لا يبدأ الارتباط بالمكان دائمًا بتصفح قائمة الطعام. أحيانًا يكفي أن يراقب الزبون حركة يدي السيدة مياسة حلبي وهي تجهز قطع الجبن العربية الطازجة، أو تتابع تفاصيل إعداد “الزقاليط” واللبنة وخبز الطابون. خلف الطاولة يقف طاقم العمل؛ يتابعون الحركة، يبتسمون، ويردون على طلبات الزبائن بلغة تعيد إلى المائدة جودة يفتقدها الكثيرون اليوم في ظل انتشار الوجبات السريعة والمصنعات الغذائية.

المكان يبدو للوهلة الأولى كمطعم فطور عادي: طاولات، رائحة معجنات طازجة، وحركة مستمرة لزبائن الصباح والمساء. لكن التجربة التي تحاول مياسة بناءها هنا تحمل أبعادًا أعمق من مجرد تقديم وجبة. فالمشروع تحوّل، بعد سنوات من العمل من داخل البيت، إلى معلم محلي يقصده زوار من كافة المناطق في البلاد. لقد بات المكان نموذجًا مصغرًا لاختبار سؤال أساسي: هل يمكن للمرأة في المجتمع المحلي أن تدير مصلحة تجارية مستدامة تعتمد على الموروث التقليدي والأيدي العاملة المحلية، متحديةً في الوقت نفسه غياب البنية التحتية وضيق الشوارع المحيطة بالمكان؟ النجاح في أجبان مياسة لم يأت كبادرة مجاملة من المحيطين، بل كاستحقاق لعمل عصامي متقن، يثبت أن الجودة قادرة على شق طريقها حتى في أكثر الأسواق ضيقًا.

المشروع هنا يحاول اختبار معادلة مغايرة لما تطرحه الأسواق الكبرى؛ فبينما يتجه السوق نحو السلع المصنعة سريعة الربح على حساب جودة وصحة الزبائن، يتأسس مشروعها كالتزامٍ أخلاقي يعيد صياغة المصلحة المحلية كحاضنة للجودة والأصالة. وتلخص هذه الرؤية لـ “وصلة” قائلة: “سر نجاح أجبان مياسة يكمن في الطعم الطيب الذي يلمس فيه الناس شغل البيت، والنكهة الخاصة للمواد الطبيعية. أنا أستضيفهم في بيتي كما تربينا، حتى تصبح العلاقة معهم كأنهم قرابة لي؛ فأنا موجودة لاستقبالهم وتوديعهم بنفسي”.

مياسة يوسف حلبي، صاحبة ومؤسسة المشروع، لا تتحدث عن فكرتها كخطة تجارية جافة. بالنسبة إليها، بدأت القصة من ملاحظة يومية داخل بيتها ومحيطها، ومن مسيرة طويلة بدأت فيها بمفردها مع والدها الذي كان يحلب الأبقار: “أنا مياسة حلبي، زوجة أيمن حلبي، وأم لأيال وديان وزهرتي الصغيرة. بدأت حكايتي قبل المطعم من خلال تقديم ورشات عمل للنساء؛ فقد كانت الشرارة الأولى هي ملاحظتي أن معظم ما نشتريه من الدكاكين هو بضائع مصنعة تهدف للربح على حساب جودة وصحة الزبون. وقبل سبع أو ثماني سنوات، لاحظتُ أن المطاعم تفتح أبوابها متأخرة ولا توفر وجبات الفطور التقليدية الأصيلة التي نشأنا عليها، فقررت أن أملأ هذا الفراغ بمنتجات صحية تصنع فارقًا”.

97dffa6e 9af3 4ffe 807a e843aad3f33a
مطعم أجبان مياسة (تصوير يحيى أمل جبارين)

 

من هذه الفكرة، بدأت مياسة تصعد بمشروعها “درجةً درجةً” دون قفزات مفاجئة أو قروض بنكية قد تثقل كاهلها. قبل عام 2018، كانت الانطلاقة عبر ورشات عمل للنسوة في البلدة، ركزت فيها على رصد الفجوة بين ما يطرحه السوق من خيارات استهلاكية سريعة وبين ما تحتاجه العائلات من غذاء نقي. هذه الورشات تحولت بين عامي 2018 و2019 إلى مرحلة التأسيس داخل مطبخ بيتها، معتمدة على مساعدة خالتيها زهور وغنيدة. وفي عام 2019، جاءت الانطلاقة الرسمية للمطعم بتمويل ذاتي ركّز على تقديم وجبات الفطور في ساعات الصباح الباكرة.

هذا الصعود التدريجي اتبع استراتيجية “المشروع الواحد كل سنة”؛ من المطبخ إلى البلكونة، ثم التجهيزات الكبيرة، وصولًا إلى عمل “البرجولة” الخارجية، وحاليًا تطوير الشارع وموقف السيارات. كل هذه التوسعات التي كلفت أكثر من مليون شيكل تمت بجهد شخصي، لتصطدم ببيروقراطية المجالس المحلية وغياب التقدير الكافي.

وتصف مياسة هذا التحدي بمرارة قائلة: “أنا في عسفيا، ورغم أنني أشغل عشرات النساء، للأسف الشديد لا أجد التقدير الكافي من المجالس المحلية. كل توسعات المشروع قمت بتمويلها على حسابي الشخصي وعلى مدار تسع سنوات دون مساعدة، بل أدفع أرنونة ثقيلة، وتوجهت للمجلس وما استفدت شيئًا.. الأمر أشبه بدق المي وهي مي”.

التحدي الأساسي لم يكن في غياب البنية التحتية فقط، بل في بناء نموذج صامد يوفر فرصة عمل حقيقية. اليوم، يضم طاقم مياسة بين 30 إلى 40 عاملًا وعاملة في الوردية الواحدة، وتتراوح أعمار النساء بينهن من 16 إلى 70 عامًا، ما يمنح مساحة آمنة ومحافظة لنساء قريتها اللواتي قد لا يجدن فرصًا خارجها، دون أن يتعارض ذلك مع هويتها المعروفية المتدينة. وعن هذا التمكين النسائي تقول مياسة: “بالنسبة لي، فإن ريادة الأعمال ليست أصعب من تربية الأطفال، فبإمكاننا نحن النساء القيام بكل شيء إذا توفر الإصرار”.

ولم تعد الورشات مجرد نشاط عابر، بل أصبحت من الأحد إلى الخميس تجربة متكاملة؛ حيث تقضي المشتركات 3 ساعات في تعلم صناعة الأجبان الرخوة و”النص قاسية”، ويخرجن بمرطبانات “الزقاليط” واللبنة وشهادات تقديرية، قبل أن ينزلن للمطعم لتناول الفطور بعد العاشرة صباحًا مع بدء وقت الضغط.

584db651 f2e1 422c a322 d76c2a126d2b
مياسة يوسف حلبي (تصوير: يحيى أمل جبارين)

 

 وتختتم مياسة حديثها لـ “وصلة” برسالة واضحة: “الناس بتفكر الأجبان مجرد منتج، بس هي نقل موروث للجيل الجديد؛ فاليوم بنفقد اللبنة وزيت الزيتون والدقة (الزعتر) لصالح المرتديلا والأشياء الصناعية، وأنا أحاول تشجيع الناس للعودة للأكل الصحي. رسالتي لكل من يطمح للنجاح هي ألا ينسخ أفكار الآخرين، بل أن يبحث عن فكرة مميزة ويضع فيها كل طاقته؛ فالجميع فتحوا مطاعم فطور بعدي، لكن ما يميزنا هو أننا نصنع كل شيء بأيدينا وبحب، والأصالة التي لا تُشترى”.

IBI SMART 1140x140 1

مقالات مختارة

Skip to content