الأحد, يونيو 28, 2026 20:46
/
/
كيف يُـصـنَع أصحاب التريليونات حقًا؟

كيف يُـصـنَع أصحاب التريليونات حقًا؟

أيقون موقع وصلة Wasla
366091 5 SMART REFRESH Arabic 520 1140x145px 300 ppi
من صفحة سبيس إكس على فليكر
من صفحة سبيس إكس على فليكر

 

عقب طرح أسهم شركة سبيس إكس (SpaceX) للاكتتاب العام الأولي هذا الشهر، تجاوزت ثروة إيلون ماسك بسهولة تريليون دولار. ومهما قُلت، لن أبالغ في تقدير أهمية أول تريليونير على مستوى العالَم. الواقع أن ثروة ماسك، التي كانت تزداد بأكثر من مليون دولار كل دقيقة على مدار العام الماضي، أصبحت الآن أكبر من ثروة ما يقرب من أربعة مليارات إنسان مجتمعين ــ أو 46% من سكان العالم.

في عام 2017، توقع فريقي في منظمة أوكسفام أن يشهد العالم ظهور أول تريليونير في غضون 25 عاما. وفي عام 2024، عدّلنا تقديراتنا بشكل متحفظ إلى أقل من عقد من الزمن، الأمر الذي استفز عناوين أخبار جزوعة. لكن سرعة تركز الثروة فاجأتنا جميعا، وأثار هذا تساؤلات حول ما إذا كان من الممكن الحفاظ على الديمقراطية في ظل هذا التفاوت الهائل.

قد يزعم بعض المراقبين أن أول تريليونير في العالم يمثل قصة نجاح تكنولوجي وانتصارا للرأسمالية الأميركية. من المؤكد أن الصواريخ الفضائية القوية القادرة على العودة إلى الأرض تبعث على الرهبة والإعجاب، وقد قدمت شركات ماسك مساهمات ضخمة في مجال الإنترنت عبر الأقمار الصناعية والمركبات الكهربائية. لكن الرواية التي تزعم أن المستثمرين في شركة سبيس إكس يكافئون البراعة الهندسية وحدها هي مجرد خيال. فلم تراهن الأسواق على تكنولوجيا متطورة أو حتى على شركة أكبر من أن تفشل، بل على فكرة وجود محتكر عملاق بلغت ثروته ونفوذه مستويات شديدة الضخامة، حتى أن الحكومة الأميركية من غير الممكن أن تسمح بفشله.

إن إدراك مدى ارتباط مكانة ماسك على نحو لا ينفصم بالدعم الحكومي أمر حاسم لفهم وتصحيح التفاوت في الثروة ــ وليس فقط في الولايات المتحدة. إنه، على مستوى ما، نتاج ثانوي لأجندة اقتصادية يدعمها رئيس أميركي ملياردير. شَكَّل “مشروع القانون الواحد الكبير والجميل” عام 2025 الذي أقره دونالد ترمب أكبر عملية نقل للثروة من الطبقة العاملة إلى أصحاب الثراء الفاحش في التاريخ الحديث. أما الضمانات ضد تجاوزات الشركات، مثل مكتب الحماية المالية للمستهلك، فإنها توشك على الانهيار.

في منصبه السابق كرئيس لوزارة كفاءة الحكومة في عهد ترمب، عمل ماسك على تفكيك الوكالات الحكومية وخفض المساعدات المقدمة لأفقر سكان العالم. وهذا قد يتسبب في وفاة ما يقدر بنحو 700 ألف شخص سنويا بحلول عام 2030. في الوقت ذاته، عززت الإدارة مكانة ماسك: فمنحت شركاته عقودا جديدة، وأوقفت التحقيقات الجارية بشأنها، وخففت القيود التنظيمية التي كانت تقيدها.

وكانت النتيجة هذا التشابك الخطير بين القطاعين العام والخاص، حيث تعمل الدولة بالاعتماد على الأجهزة والبيانات التي تزودها بها شركات ماسك. لنتأمل هنا مدى الأهمية الحيوية التي اكتسبتها خدمة “ستارلينك” (Starlink) في توصيل الحكومة الأميركية بشبكات الاتصالات في المدار الأرضي المنخفض. ومن الواضح أن اعتماد المؤسسة العسكرية الأميركية ومجمع الفضاء الأميركي على إمبراطورية ماسك يعني ضمنا أنه يفرض قدرا كبيرا من النفوذ على الدولة.

لكن هذه التبعية لم تتشكل بين عشية وضحاها. ربما بلغت سلطة ماسك ذروتها في عهد ترمب، لكنها كانت تُستَنبَت وتُصقَل على مدار عقود من الزمن. من يتمكن من جمع تريليون دولار فلابد وأنه حظي برعاية الحزبين. كان ماسك قادرا على الحصول على إعانات دعم عامة لتأمين الهيمنة على السوق، حيث تلقت شركاته حوالي 38 مليار دولار من عدة إدارات. على سبيل المثال، ساعد الرئيس باراك أوباما في خلق “احتكار الفضاء” الواضح الذي يتمتع به ماسك. فقد اعتمد مَنشأ شركتي تيسلا وسبيس إكس واستمرار وجودهما على الدعم الفيدرالي والدعم على مستوى الولايات. لكن في حين تحمل دافعو الضرائب الأميركيون المخاطر، فإنهم لم يحصلوا على أي حصص في رأس المال، أو مشاركة في الأرباح، أو ضمانات بتأمين أسعار معقولة.

إن صناعة تريليونير تتطلب وضع التفاوت الشديد في الحسبان. ينبغي لكل دولة أن تتعلم من الكيفية التي عمل بها النظام السياسي الأميركي على تمكين صعود ماسك. ويشمل ذلك قانون ضرائب يحابي أصحاب المليارات، والذي بموجبه لم تدفع شركة تسلا وماسك أي شيء تقريبا من ضرائب الدخل الفيدرالية لسنوات؛ ونظام مكافحة الاحتكار الذي سمح بإخضاع ثلثي الأقمار الصناعية النشطة التي تدور حول الأرض لسيطرة ماسك؛ وقوانين تمويل الحملات الانتخابية التي هيأت الظروف لماسك لينفق قُرابة 300 مليون دولار لدعم ترمب ومرشحين جمهوريين آخرين في انتخابات عام 2024.

إيلون ماسك في مقر سبيس إكس، الصورة: ويكيميديا
إيلون ماسك في مقر سبيس إكس، الصورة: ويكيميديا

 

لن يتسنى تحويل دفة الأمور إلا بالاستعانة بإصلاح بنيوي مدعوم من الحكومة. في حين يجب أن يسترعي نفوذ ماسك دون شك اهتمامنا الجماعي، وخاصة في ضوء هوسه بالعِرق ودعمه لشخصيات من اليمين المتطرف، فإن مشكلة حكم الأقلية أكبر منه. نحن نعيش في عصر ديستوبي بائس يتسم بتركز الثروة والسلطة على نحو فاحش، حيث تسيطر حفنة من الشركات على تكنولوجيات رائدة مثل الذكاء الاصطناعي، وتجني شركات صناعية عملاقة في قطاعات النفط والغاز، والدفاع، والمالية أرباحا غير مسبوقة من حرب تبدو بلا نهاية.

بوسع الولايات المتحدة أن تستفيد من تاريخها الطويل في التصدي للتفاوت الشديد والدفاع عن الديمقراطية. أدى “العصر الـمُذَهَّب” في أواخر القرن التاسع عشر إلى فرض ضريبة الدخل. وفي أعقاب أزمة “الكساد العظيم” والحرب العالمية الثانية، أُنشئ برنامج الضمان الاجتماعي، وجرى وضع حد أدنى للأجور، وفُرِضَت معدلات ضريبة الدخل الأقصى عند 94%. وفي العقود التي تلت ذلك، عملت الحكومة على رعاية الطبقة الوسطى وكبح جماح الاحتكارات.

لكن من الخطأ أن نركز على الإصلاحات في أميركا وحدها. يجب أن تُـعالَج فجوات التفاوت في الثروة في كل مكان. في عام 2026، تُظهر بعض الحكومات أن العمل في التصدي لهذا التفاوت ممكن، بدءا من فرض الضرائب على الثروة وصولا إلى ملاحقة هدف الرعاية الصحية الشاملة، وخفض الأسعار، وتعزيز حقوق العمال. إنه مثال يجب على الآخرين اتباعه.

في أعقاب صُـنع أول تريليونير في العالم مدعوم من الحكومة، من غير الممكن أن نستهين بضرورة إعادة النظر في نظامنا الاقتصادي الدولي الداعم لحكم القِـلة من الأثرياء وأصحاب المصالح الخاصة. في حين تركز المناقشات العالمية غالبا على الصراعات بين القوى العظمى، فإن المشكلة الأكبر كثيرا تتمثل في حقيقة مفادها أن القواعد المتعددة الأطراف التي تحكم التعاون الدولي ــ في مجالات التجارة، والملكية الفكرية، والضرائب، والديون ــ أصبحت في العقود الأخيرة مصممة لصالح الأثرياء، على حساب العمال في مختلف أنحاء العالم. وينبغي للدور الذي تضطلع به إدارة ترمب في تمزيق النظام المتعدد الأطراف الذي بنته الولايات المتحدة أن يحث دولا أخرى على صياغة أشكال جديدة من التعاون.

قبل ما يقرب من قرن من الزمن، حذر قاضي المحكمة العليا الأميركية لويس د. برانديز من أن أميركا يجب أن تختار بين تَـرَكُّز الثروة الشديد والديمقراطية. وقد اكتسب تحذيره أهمية جديدة وملحة للجميع. وماسك هو الدليل على ذلك.

نبيل أحمد كبير مديري قسم العدالة الاجتماعية في منظمة أوكسفام أميركا.

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2026.
www.project-syndicate.org

366091 5 SMART REFRESH Arabic 53 1140x145px 300 ppi

مقالات مختارة

Skip to content