
تحولت حقوق بث كأس العالم خلال العقود الماضية من خدمة تلفزيونية متاحة للجميع إلى واحدة من أكبر الصناعات في عالم الرياضة والإعلام. فبعدما كانت مباريات المونديال تُشاهد على القنوات المفتوحة وتجمع مختلف فئات المجتمع أمام الشاشة نفسها، أصبحت اليوم سلعة إعلامية تدر مليارات الدولارات وتخضع لمنافسة شرسة بين القنوات التلفزيونية والمنصات الرقمية وشركات البث.
وتعود بداية هذا التحول إلى ستينيات القرن الماضي. فبعد أول نقل تلفزيوني لكأس العالم في سويسرا عام 1954، بدأ الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” فرض سيطرته على حقوق البث. وارتفعت قيمة صفقة البث مع اتحاد البث الأوروبي من 75 ألف دولار في مونديال 1962 إلى 800 ألف دولار في مونديال 1966. ثم واصل سعر الحقوق الارتفاع ليبلغ 1.5 مليون دولار في مونديال 1970 و1.75 مليون دولار في مونديال 1974.
وخلال العقود التالية قفزت الأسعار بوتيرة متسارعة، فبلغت قيمة حقوق البث 34 مليون دولار في مونديال الأرجنتين 1978، و40 مليون دولار في إسبانيا 1982، و50 مليون دولار في المكسيك 1986، و75 مليون دولار في إيطاليا 1990، و87 مليون دولار في الولايات المتحدة 1994، ثم 107 ملايين دولار في فرنسا 1998.
وشكل مونديال 2002 نقطة تحول رئيسية بعدما دخلت البطولة عصر الصفقات المليارية. فقد اشترت مجموعة “كيرش” الألمانية حقوق نسختي 2002 و2006 مقابل 903 ملايين دولار، ثم أعادت بيع الحقوق لشبكات البث حول العالم محققة إيرادات إجمالية بلغت 1.87 مليار دولار. ومنذ ذلك الحين انتقلت البطولة من نموذج البث المفتوح إلى نموذج الحقوق الحصرية والاشتراكات المدفوعة.
وفي العالم العربي، كانت نسخة 2002 بداية هذا التحول. فقبل ذلك كانت حقوق البطولة تُدار عبر اتحاد إذاعات الدول العربية وتُوزع على القنوات العربية. لكن شبكة ART حصلت على حقوق مونديال 2002 وقدمته عبر بطاقات اشتراك مدفوعة. وبعد ذلك باعت ART حقوقها ومحتواها الرياضي إلى الجزيرة الرياضية في صفقة قُدرت بمليار دولار وشملت حقوق مونديالي 2010 و2014. ومع تحول الجزيرة الرياضية لاحقًا إلى “بي إن سبورتس”، ترسخ نموذج البث الحصري والاشتراكات المدفوعة في المنطقة.
وتظهر الأرقام حجم النمو الهائل في قيمة البطولة. فبحسب منصة “سبورتس برو”، ارتفعت قيمة حقوق البث العالمية من 903 ملايين دولار في مونديال 2006 إلى 4.3 مليارات دولار في مونديال 2026، أي أكثر من ثلاثة أضعاف خلال 20 عامًا. كما ارتفعت الإيرادات من 2.4 مليار دولار في جنوب أفريقيا 2010 إلى 2.5 مليار دولار في البرازيل 2014، و3.1 مليارات دولار في روسيا 2018، و3.4 مليارات دولار في قطر 2022.
وتتوقع شركة “أمبير أناليسيس” أن تبلغ إيرادات الحقوق الإعلامية لمونديال 2026 حوالي 3.8 مليارات دولار، بزيادة 22% مقارنة ببطولة قطر 2022، بينما يتوقع الفيفا تحقيق 3.925 مليارات دولار من حقوق البث خلال دورة 2023-2026. ويعود جزء من هذه الزيادة إلى التوسع الكبير في نسخة 2026، حيث ارتفع عدد المنتخبات من 32 إلى 48 منتخبًا، وزاد عدد المباريات من 64 إلى 104 مباريات. ويعني ذلك ساعات بث إضافية ومحتوى أكبر للبيع للقنوات والمنصات الرقمية، إضافة إلى مساحات إعلانية وفرص تجارية جديدة.
وتستمد حقوق البث قيمتها من طبيعة الحدث نفسه، فالمباراة لا يمكن تأجيل مشاهدتها كما يحدث مع الأفلام والمسلسلات، بل يجب متابعتها لحظة وقوعها، وهو ما يمنح الناقلين قدرة على جذب جمهور عالمي في الوقت نفسه للمباراة. وقدر الفيفا عدد مشاهدي نهائي مونديال قطر 2022 بين الأرجنتين وفرنسا بـ1.5 مليار شخص حول العالم.
وشهدت الولايات المتحدة قفزة كبيرة في أسعار حقوق البث، فقد ارتفعت قيمة حقوق البث الأمريكية لمونديال 2026 بنسبة 94% مقارنة بنسخة 2022. وستبث شبكة “فوكس” 70 مباراة من أصل 104 مباريات عبر قنواتها ومنصاتها، بينما تمتلك “تيليموندو” حقوق البث باللغة الإسبانية. وذكرت صحيفة “نيويورك تايمز” أن فوكس دفعت قرابة 500 مليون دولار للحصول على حقوق البطولة.
وتتوقع “فوكس” و”تيليموندو” أن يصل الإنفاق الإعلاني المرتبط بمونديال 2026 إلى 850 مليون دولار في الولايات المتحدة وحدها، ما يعكس حجم العوائد التجارية التي تحققها البطولة. فكل مباراة وكل استراحة وكل محتوى مرتبط بالحدث أصبح مساحة إعلانية قابلة للبيع. واعتمدت الفيفا استراتيجية تقسيم العالم إلى أسواق ومناطق مختلفة عند بيع الحقوق، بدل بيعها لجهة واحدة عالميًا. ففي أفريقيا وآسيا وأوروبا تُباع الحقوق لشبكات متعددة وفق اعتبارات جغرافية ولغوية وتجارية، ما يرفع العائدات المالية.
ورغم ذلك، لا يستطيع الفيفا تحويل جميع المباريات إلى محتوى مدفوع بالكامل. ففي عدد من الدول الأوروبية تفرض القوانين عرض مباريات كبرى على قنوات مفتوحة. ففي بريطانيا تتقاسم “بي بي سي” و”آي تي في” حقوق البث، وفي فرنسا تنقل البطولة “بي إن سبورتس” و”M6″، وحصلت “دويتشه تيليكوم” على الحقوق في ألمانيا قبل إعادة بيع جزء منها لقنوات أخرى. وفي البلاد، فازت هيئة البث الإسرائيلية، متمثلة بقناتي كان ومكان، بحقوق بث البطولة مجاناً باللغتين العربية والعبرية.
أما في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فتحتفظ “بي إن سبورتس” بحقوق البث الحصرية لمونديال 2026 في 24 دولة. وتختلف أسعار الاشتراك بحسب السوق، حيث تبدأ من 77 دولارًا في مصر وتصل إلى 149 دولارًا في دول الخليج، وفق العروض المحلية لخدمة “تود” التابعة للمجموعة.
ولزيادة عائدات الناقلين، بدأ الفيفا السماح بعرض إعلانات خلال فترات التوقف لشرب المياه أو من خلال إعلانات تظهر بجانب البث المباشر. ويعكس ذلك اتساع النشاط التجاري المحيط بالمباريات، حيث لم تعد حقوق البث مجرد بيع لمباريات كرة قدم، بل أصبحت جزءًا من منظومة اقتصادية متكاملة تشمل الإعلانات والرعاية والتسويق والضيافة والتذاكر والمحتوى الرقمي.
وتتوقع ميزانية الفيفا لدورة 2023-2026 تحقيق 1.786 مليار دولار من الحقوق التسويقية وحدها، ما يؤكد أن كأس العالم لم يعد مجرد بطولة رياضية، بل أصبح مشروعًا إعلاميًا وتجاريًا عالميًا تُبنى قيمته الاقتصادية على المشاهدين الذين يدفعون ثمن الوصول إلى المباريات عبر الاشتراكات والإعلانات وأسواق البث المتعددة حول العالم.












