الأحد, مايو 17, 2026 19:14

خارج السوق

ارتفع حجم الأموال المُدارة في صناديق الاستثمار في إسرائيل خلال ثلاث سنوات من نحو 12 مليار إلى 129 مليار شيكل. هذا "الثورة الاستثمارية" عادت بأرباح طائلة على مئات الآلاف في المجتمع اليهودي، لكنها تجاوزت المجتمع العربي الذي ظل، في هذا المجال أيضا، خارج الصورة تماما.
أيقون موقع وصلة Wasla

يعترف رئيس سلطة الأوراق المالية بأن المجتمع العربي خارج أسواق المال في إسرائيل وبأن احتمال الوقوع في عمليات احتيال مالية يكون أكبر عند العرب أو الحريديم وغيرهم من المجتمعات المستضعفة ويؤمن بأن بورصة تل- أبيب يمكن أن توفر أفقاً لنمو الشركات العائلية العربية.

ספי זינגר 1
سفي زينجر – رئيس سلطة الأوارق المالية، تصوير: رامي حاخام

 

غياب يعني خسارة

بحسب معطيات بورصة تل أبيب، خلال عام 2024 وحده تم فتح نحو 161 ألف حساب جديد للتداول في الأوراق المالية في البلاد، فيما قفز مؤشر “تل أبيب 125” بنحو 29%. وفي نفس الوقت، ارتفع حجم الأموال المُدارة في صناديق الاستثمار خلال ثلاث سنوات فقط من نحو 12 مليار شيكل إلى حوالي 129 مليار شيكل. هذا “الثورة الاستثمارية” عادت بأرباح طائلة على مئات آلاف العائلات والأفراد في المجتمع اليهودي، لكنها تجاوزت المجتمع العربي الذي ظل، في هذا المجال أيضا، خارج الصورة تماما.

الحديث عن “الاستثمارات المالية” وعن البورصات والأسهم وصناديق الائتمان وبناء الثروة المالية، ظل إلى حد كبير جدا خارج الفضاء الاقتصادي العربي، كما أن حضور الجهات التي يُفترض أن تُقرّب هذا العالم إلى الجمهور، وعلى رأسها سلطة الأوراق المالية، بقي لسنوات غائب تماماً. والنتيجة لم تكن فقط فجوة في المعرفة المالية، بل فجوة حقيقية في الثروة أيضًا: ففي الوقت الذي استفادت فيه الأسر اليهودية من صعود الأسواق والنمو المتواصل في الأصول المالية، بقي جزء كبير من أموال المجتمع العربي راكدًا في الحسابات الجارية، أو “تحت البلاطة”، أو في العقارات، بعيدًا عن أحد أبرز محركات تراكم رأس المال في الاقتصاد الحديث خلال السنوات الأخيرة، أسواق المال.

“في مناطق الضواحي وفي مجتمعات الأقليات المختلفة نشهد تفاقم ظاهرة الاحتيال والنصب المالي”، يعترف رئيس سلطة الأوراق المالية، سيفي زينغر. ويعتقد، بإن دخول شرائح واسعة من المجتمع العربي إلى عالم الاستثمارات المالية من دون معرفة مالية كافية، أو استشارة مهنية حقيقية، أو الإلمام بالسوق الخاضع للرقابة، جعل هذا الجمهور أكثر عرضة للاستغلال والاحتيال.

لكن هذه الفجوات لم تنشأ من فراغ. فعلى مدى سنوات طويلة، بقي سوق المال الإسرائيلي، بمؤسساته، ولغته، وهيئاته التنظيمية، بعيدًا إلى حد كبير عن المجتمع العربي، ولم ينظر إليه كجزء أساسي من جمهور المستثمرين في البلاد. اليوم، ومع انكشاف مزيد من الشباب العرب على عالم الاستثمار عبر شبكات التواصل والمنصات الديجيتالية المختلفة، تحاول سلطة الأوراق المالية، بحسب ادعاءها، تعزيز حضورها باللغة العربية والوصول إلى جمهور لم يكن جزءًا فعليًا من الخطاب المالي والاستثماري في البلاد.

في مقابلة خاصة مع “وصلة”، يشرح زينغر كيف تحاول السلطة التعامل مع هذا الواقع، من مواجهة عمليات الاحتيال عبر الشبكات الاجتماعية، وصولًا إلى السؤال الأكبر: لماذا لا يزال المجتمع العربي غائبا ومغيّبا عن أسواق المال وعالم الاستثمار في الاقتصاد الإسرائيلي.

רשות ניירות ערך1

برأيك، لماذا من المهم أن يكون الأفراد العاديون جزءًا من عالم الاستثمار والمال؟

“أولًا، من الناحية الاقتصادية العامة، وجود سوق مال متطور وفعّال، قادر على توجيه الأموال إلى أماكن تُنتج قيمة ونشاطًا اقتصاديًا أكبر، يُعتبر أحد الأسس المركزية لأي اقتصاد حديث ومتطور. هذا على مستوى الاقتصاد ككل. أما على مستوى المستثمر نفسه، أي الشخص العادي الذي يريد استثمار أمواله، فنحن نعرف أن المال الذي يبقى دون استثمار هو مال يخسر قيمته. بمعنى أنه عندما لا أستثمر أموالي، بغض النظر الآن عن طريقة الاستثمار، فإذا كان لدي، على سبيل المثال، 50 ألف شيكل في الحساب الجاري، فهذا المال لا يحقق أرباح فحسب، بل هو فعليًا يخسر. والسبب بسيط: التضخم. ففي كل سنة ينخفض جزء من القيمة الحقيقية لهذا المال، مرة بنسبة 3%، ثم 2%، ثم 4%. لذلك من المهم جدًا، ومن المنطق بالنسبة للمواطن العادي، ألا يترك أمواله تخسر قيمتها، ولهذا من المهم أن تكون هذه الأموال مستثمرة”

ما هو الدور المركزي لسلطة الأوراق المالية بشكل عام، وخصوصًا في عالم الاستثمار والمال؟

“الدور الأساسي لسلطة الأوراق المالية هو حماية المستثمرين، بأبسط معنى للكلمة. سوق المال الإسرائيلي هو سوق يضم لاعبين كبارًا ومتطورين، وتعمل داخله منظومة كاملة، بدءًا من الشركات المدرجة في البورصة والتي تجمع الأموال من الجمهور، وصولًا إلى سلسلة طويلة من الوسطاء الذين يربطون بين الجمهور الذي يستثمر أمواله وبين تلك الشركات التي تُجنّد الأموال. نحن نتحدث هنا عن صناديق الاستثمار التي يستثمر الجمهور من خلالها في الشركات العامة، وعن عالم الوسطاء الماليين مثل المستشارين ومديري المحافظ ومديري الاستثمارات، إضافة إلى البورصة نفسها، التي تُعتبر المنصة التي يحدث فيها كل هذا النشاط. وظيفة سلطة الأوراق المالية، أولًا وقبل كل شيء، هي ضمان أن تعمل هذه المنظومة الكبيرة بطريقة نزيهة وشفافة. رؤيتنا الأساسية هي: كيف نحمي المستثمرين؟ أي كيف نضمن أن يعرف الشخص الذي يدخل إلى سوق رأس المال أنه يدخل إلى بيئة خاضعة للرقابة، آمنة، وتعمل وفق قواعد واضحة وعادلة، قواعد تساعد على تطوير السوق وتحافظ عليه في الوقت نفسه”.

حريدي في قلب تل- أبيب

دخل سيفي زينغر، الذي ينتمي إلى خلفية دينية حريدية، منصب رئيس سلطة الأوراق المالية الإسرائيلية عام 2023، بعد تعيينه من قبل وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، ومصادقة الحكومة على تعيينه رغم تحفظات أبداها مسؤولون كبار في وزارة المالية، اعتبروا أنه يفتقر إلى خبرة إدارية كافية. قبل تعيينه، كان شريكًا في مكتب محاماة كبير، وقبل ذلك عمل لسنوات في قسم الاستشارة والتشريع بوزارة القضاء، حيث شارك في عدد من أبرز الإصلاحات الاقتصادية، بينها “مخطط الغاز”، وتنظيم سوق الائتمان غير البنكي.

وزير المالية بتسلئيل سموتريتش / تصوير: نوعام موشكوفيتس، مكتب الناطق بلسان الكنيست.
تعيين زينجر أثار استهجان السوق- وزير المالية بتسلئيل سموتريتش / تصوير: نوعام موشكوفيتس، مكتب الناطق بلسان الكنيست.

 

عندما ننظر اليوم إلى المجتمع العربي، لا نجد فيه شركات استثمار عربية، ولا صناديق مالية عربية، ولا شركات عربية مُدرجة في البورصة. كيف تفسّر هذا الواقع؟

“أعتقد أن هناك عدة عوائق تراكمت على مدار السنوات أدت إلى هذا الوضع. مثلا عندما تريد شركة ما أن تتحول إلى شركة عامة وتدخل البورصة، فإنها تكون مطالبة بإدخال قدر كبير من التنظيم والشفافية، وهذا ليس أمرًا بسيطًا دائمًا، خصوصًا بالنسبة للمصالح العائلية، المنتشرة جدًا في المجتمع العربي. ومن جهة أخرى، وبسبب ذلك تحديدًا، أعتقد أن سوق رأس المال يمكن أن يكون مناسبًا جدًا للشركات في المجتمع العربي، خاصة لدى الجيل الثاني، في الحالات التي تكون فيها حاجة لتنظيم انتقال الثروة بين الأجيال وخلق توزيع أوضح للملكية. كما أعتقد أن كون المجتمع العربي لم يكن، على مدار سنوات طويلة، جزءًا مركزيًا من العالم المالي الاستثماري الإسرائيلي، ساهم أيضًا في تعميق هذه الفجوة، سواء من ناحية المعرفة بسوق رأس المال، أو بسبب غياب مؤسسات مالية عربية قوية، أو نتيجة عدم وجود نماذج كافية لشركات عربية دخلت البورصة ونجحت. لكننا نعتقد بالتأكيد أن هناك مكانًا لعدد أكبر بكثير من الشركات والمستثمرين العرب داخل سوق المال الإسرائيلي، وسنكون سعداء جدًا برؤية ذلك يحدث.”

لكن إذا كان المجتمع العربي شبه غائب عن سوق المال الإسرائيلي، ألا يُعتبر ذلك أيضًا فشلًا من جانب الدولة والجهات الرسمية ذات العلاقة؟

“هذا صحيح، وهو بالفعل تحدٍّ حقيقي. فمن الأسهل دائمًا التركيز على الشريحة الكبيرة والمركزية في السكان. لكن تحديدًا لهذا السبب من المهم بالنسبة لنا استثمار المزيد من الموارد في المجتمع العربي. نحن نحاول الوصول إلى هذه الفئات عبر حملات باللغة العربية، ومن خلال المؤتمرات، والعمل عبر شبكات التواصل، وأيضًا عبر أشكال مختلفة من التعاون. نحن ندرك جيدًا أن هذا تحدٍّ كبير”.

تحولت شبكات التواصل الاجتماعي خلال السنوات الأخيرة من ساحة للترفيه والسياسة فقط، إلى واحدة من أبرز ساحات تسويق الاستثمارات والتداول والاحتيال المالي أيضًا. إعلانات تعد بـ”أرباح سريعة”، ومجموعات “تلغرام” تعرض “فرص استثمار”، وفيديوهات ممولة تنتحل شخصيات رجال أعمال وخبراء اقتصاد معروفين، كلها أصبحت جزءًا ثابتًا من فضاء شبكات التواصل والانترنت. في سلطة الأوراق المالية يعترفون بأن هذه الظاهرة تضرب بشكل خاص الفئات الأضعف ومناطق الضواحي الاجتماعية، وبينها المجتمع العربي، حيث يتعرّف جزء كبير من الجمهور إلى عالم الاستثمار أساسًا عبر الشبكات الاجتماعية، وليس من خلال المنظومة المالية التقليدية. وفي موازاة ذلك، أشارت أبحاث ونقاشات برلمانية خلال السنوات الأخيرة إلى أن شبكات التواصل تحولت أيضًا إلى أداة مركزية لتفشي الجريمة، والتلاعب، وعمليات الاحتيال داخل المجتمع العربي وهو واقع يفرض تحديًا جديدًا أيضًا أمام الجهات التنظيمية والرقابية.

أنتم تقولون إن المجتمع العربي أكثر عرضة لعمليات الاحتيال المالي. لماذا تحديدًا هناك؟

“نحن نرى تركيزًا أكبر لعمليات الاحتيال تحديدًا بين جمهور الأقليات والمجتمعات الضعيفة؛ لدى الحريديم، والعرب، والمهاجرين الجدد. هناك نرى حالات احتيال أكثر. والسبب أن هذه المجتمعات تعاني أحيانًا من نقص في المعرفة المالية، ومن عدم الإلمام بالمنظومة المالية، وأحيانًا أيضًا من محدودية الوصول إلى جهات الاستشارة المهنية التقليدية. وعندما يدخل الناس إلى عالم الاستثمار أساسًا عبر شبكات التواصل الاجتماعي، فإن مستوى الخطر يرتفع”.

لكن في حالة المجتمع العربي، نحن نتحدث عن عالم أنتم عمليًا لستم موجودين فيه — لا من ناحية اللغة، ولا الثقافة، ولا حتى المنصات التي تحدث فيها هذه الظواهر. كيف يمكن لجهة تنظيمية أن ترصد عمليات الاحتيال أو تحمي جمهورًا لا تعرفه أصلاً؟

“هذا صحيح. لكنني أعتقد أن دورنا لا يقتصر على ذلك فقط، بل يشمل أيضًا البحث عن طرق للوصول إلى مجتمعات الأقليات ومناطق الضواحي، وأن نكون حاضرين فيها أيضًا. هذا بالتأكيد تحدٍّ أكبر، لكننا نبذل جهودا لتغيير الوضع”.

عندما نتحدث عن عمليات الاحتيال المالي عبر شبكات التواصل الاجتماعي، فإن المسؤولية لا تقع فقط على المحتالين أنفسهم، في نهاية المطاف، المنصات — مثل “ميتا”، و”إنستغرام”، و”فيسبوك”، هي التي تتيح حدوث هذه الاحتيالات. من وجهة نظركم، هل تتحمل هذه المنصات أيضًا جزءًا من المسؤولية؟

“بالتأكيد. عندما نتحدث عن منصة بحجم وتأثير ‘ميتا’، فمن الواضح بالنسبة لنا أن أي قيود أو آليات رقابة تُفرض هناك سيكون لها تأثير أوسع وأكثر أهمية. توجهنا إلى ميتا وقلنا إن من واجبها تطوير آليات رقابة تمنع أي شخص من انتحال شخصية أي شخص آخر وعرض استثمارات على الجمهور. ميتا قبلت هذا المطلب، وهي تعمل حاليًا على تطوير آلية تُلزم الجهات التي تنشر إعلانات استثمارية بالكشف عن هويتها”.

لكن أمام شركات تكنولوجيا عملاقة ومع السرعة التي تنتشر بها عمليات الاحتيال اليوم عبر الشبكات الاجتماعية والذكاء الاصطناعي، ألا تبدو هذه معركة أكبر من قدرة جهة تنظيمية مثل سلطة الأوراق المالية؟

“هذا هو التحدي الذي نقف أمامه اليوم. وأنا لا أملك رفاهية القول إن هذه المهمة أكبر مني. إنها لعبة قط وفأر. لن توجد أداة قادرة على القضاء نهائيًا على عمليات الاحتيال. دائمًا سيجد المحتالون الطريقة التالية للالتفاف على المنظومة”.

ai
ثورة الذكاء الاصطناعي تعزز امكانيات النصب والاحتيال

 

عندما تنظر إلى المستقبل، كيف تتمنى أن ترى حضور المجتمع العربي داخل سوق رأس المال الإسرائيلي بعد عشر سنوات؟

“أنا أعتقد بالتأكيد أن المجتمع العربي يمكن أن يكون له حضور أكبر بكثير داخل سوق المال الإسرائيلي. فالمجتمع العربي هو مجتمع ريادي بطبيعته، وفيه مصالح وشركات قوية ومتنامية، وسأكون سعيدًا جدًا برؤية عدد أكبر من الشركات العربية يصل إلى سوق رأس المال ويأخذ دورًا فعليًا فيه. برأيي، يمكن أن يشكل ذلك فرصة حقيقية أيضًا للشركات داخل المجتمع العربي”.

مقالات مختارة

Skip to content