يشهد سعر الدولار في الآونة الأخيرة تراجعًا ملحوظًا أمام الشيكل، حتى اقترب من مستوى ثلاثة شواكل فقط للدولار، وهو تطور يطرح تساؤلات واسعة حول أسبابه، خاصة في ظل واقع اقتصادي وأمني لا يوحي بالضرورة بقوة العملة المحلية. غير أن النظرة المتعمقة تكشف أن ما يحدث في سوق الصرف لا يرتبط فقط بالاقتصاد التقليدي، بل بتحولات أعمق في حركة الأموال والاستثمارات.
بحسب تحليل نشرته الكاتبة ميراف ارلوزوروف في صحيفة دا ماركر، فإن أحد أبرز العوامل التي تقف وراء هذا التراجع هو الدور المتزايد الذي تلعبه المؤسسات المالية الكبرى في إسرائيل، مثل صناديق التقاعد وشركات التأمين وصناديق الاستثمار . هذه الجهات، التي تدير مئات المليارات، لم تعد مجرد لاعب في السوق، بل تحولت إلى قوة قادرة على التأثير المباشر في سعر الصرف.
الآلية التي تقف خلف هذا التأثير تبدو تقنية، لكنها حاسمة. فعندما ترتفع الأسواق الأميركية، وخاصة مؤشرات وول ستريت، ترتفع تلقائيًا قيمة الاستثمارات الخارجية لهذه المؤسسات. هذا الارتفاع يدفعها إلى إعادة موازنة محافظها، من خلال بيع جزء من الأصول المقومة بالدولار وتحويلها إلى الشيكل. هذه العملية، التي تتم بشكل مستمر، تؤدي إلى زيادة المعروض من الدولار في السوق مقابل ارتفاع الطلب على الشيكل، ما يترجم عمليًا إلى تراجع في سعر العملة الأميركية.
وتشير الكاتبة في دا ماركر إلى أن العلاقة بين أداء الأسواق الأميركية وسعر الدولار مقابل الشيكل أصبحت شبه ثابتة خلال السنوات الأخيرة . فارتفاع مؤشرات مثل S&P 500 لا يبقى محصورًا في الولايات المتحدة، بل يمتد تأثيره إلى سوق العملات في إسرائيل عبر هذه التدفقات المالية. وهكذا، يتحول تحسن أداء الأسهم الأميركية إلى عامل ضغط على الدولار محليًا.

في موازاة ذلك، تلعب حركة رؤوس الأموال دورًا إضافيًا في تعزيز قوة الشيكل. فبعد فترة شهدت خروج استثمارات من إسرائيل على خلفية التوترات السياسية والحرب، عادت بعض هذه الأموال إلى السوق المحلية، ما يعني تحويل العملات الأجنبية إلى الشيكل وزيادة الطلب عليه. هذا التحول يعمّق الاتجاه نفسه، ويدفع الدولار إلى مزيد من التراجع.
ولا يمكن فهم الصورة الكاملة دون التوقف عند حجم هذه المؤسسات مقارنة بالسوق المحلي. فوفق ما تذكره الكاتبة، فإن أصول الجهات المؤسسية في إسرائيل تفوق بشكل كبير حجم سوق الأسهم المحلية ، ما يجعل تحركاتها — حتى لو كانت تقنية — ذات تأثير واسع على سوق العملات. بمعنى آخر، لم يعد سعر الصرف يتحدد فقط وفق معطيات الاقتصاد الكلي، بل أيضًا وفق قرارات استثمارية تتخذ في غرف إدارة المحافظ.
إلى جانب هذه العوامل، تبقى هناك عناصر إضافية تؤثر في سعر الدولار، مثل حركة العملة الأميركية عالميًا، ومستوى الفائدة في الولايات المتحدة، وحالة عدم اليقين في الأسواق. إلا أن هذه العوامل، رغم أهميتها، تبدو أقل تأثيرًا من تدفقات الأموال التي تقودها المؤسسات الكبرى.
في المحصلة، يكشف تراجع الدولار أمام الشيكل عن واقع جديد في الاقتصاد الإسرائيلي، حيث لم يعد سعر الصرف انعكاسًا مباشرًا للأداء الاقتصادي المحلي فقط، بل نتيجة لتشابك معقد بين الأسواق العالمية وحركة رؤوس الأموال. وكما توضح الكاتبة في TheMarker، فإن ما نشهده اليوم هو تعبير عن هذا الترابط العميق، حيث يمكن لارتفاع الأسهم في نيويورك أن يضغط على سعر الدولار في تل أبيب .
بهذا المعنى، فإن قوة الشيكل الحالية لا تعكس بالضرورة واقع الاقتصاد اليوم، بقدر ما تعكس توقعات المستثمرين وحركة أموالهم — وهي عوامل قد تتغير بسرعة، تمامًا كما تغيرت في السابق.










