الأربعاء, مايو 27, 2026 21:27
/
/
النقب في تقرير المُراقب: مواطنون مشبوهون لا دولة مُقصِّرة

النقب في تقرير المُراقب: مواطنون مشبوهون لا دولة مُقصِّرة

أيقون موقع وصلة Wasla
366091 5 SMART REFRESH Arabic 520 1140x145px 300 ppi
جنان أبو اشتيّة
د. جنان أبو اشتيّة – مركّزة مشروع تعزيز المساواة في النّقب في جمعية سيكوي-أُفق

 

يعرض مراقب الدولة، متنياهو إنجلمان، في تقريره الأخير المعنون بـ”الجنوب المتوحّش”، صورةً للنقب باعتباره حيّزًا خارجًا عن السيطرة، يحتاج إلى مزيد من الإحكام الأمنيّ والرقابة. ويعدّد التقرير ما يصفه بـ”الظواهر الحارقة” في البلدات العربية في النقب، مثل التلوّث البيئي، صعوبة جباية الضرائب، والسياقة المتهوّرة، لكنّه يذهب أبعد من ذلك حين يطرح ما يسمّيه “ظاهرة الفلسطنة” بين المواطنين العرب-البدو، أي تبنّيهم للهويّة القوميّة الفلسطينيّة، بوصفها مسألة تستوجب المعالجة والمراقبة.

“لا يكتفي التقرير بإعادة إنتاج العنف البنيوي القائم أصلًا ضد الفلسطينيّين في النقب، والمتمثّل في مصادرة الأراضي، رفض الاعتراف بالقرى، هدم البيوت، والحرمان من الخدمات، بل يمنح هذا العنف شرعيّة مؤسساتيّة إضافيّة، عبر تقديمه كاستجابة ‘مهنيّة’ لمشكلة إداريّة أو أمنيّة”

وانطلاقًا من هذا التصوّر، يوصي التقرير بتكثيف حضور الشرطة وأجهزتها في النقب، وتعزيز أدوات جمع المعلومات حول السكّان العرب، عبر إقامة هيئة حكوميّة تركّز المعطيات الموجودة لدى الوزارات المختلفة. وهكذا، لا يكتفي التقرير بتوصيف النقب كحيّز “فوضوي” أو “غير متحضّر”، بل يقدّمه باعتباره مساحة ينبغي إخضاعها أمنيًّا وسياسيًّا.

هذا الخطاب لا يمكن فصله عن النظرة الاستعماريّة التاريخيّة التي تعاملت بها الدولة مع الفلسطينيّين في النقب منذ قيامها. فبينما يصوّر التقرير السكّان العرب كمصدر للمشكلة، يتجاهل السياق البنيوي الذي أنتج واقع التهميش والإقصاء أصلًا. ففي النقب يعيش مئات آلاف الفلسطينيّين، ويعيش قسم كبير منهم في قرى مسلوبة الاعتراف أو بلدات حُرمَت لعقود من الحدّ الأدنى من البنى التحتيّة والخدمات الأساسيّة، من كهرباء ومياه وتعليم ومواصلات وسكن ملائم.

ولا يخفى على مراقب الدولة أنّ آلاف الطلّاب في النقب يدرسون في مبانٍ مؤقّتة تفتقر إلى الحدّ الأدنى من الظروف اللائقة، وأنّ مدارس كثيرة تعتمد على مولّدات كهرباء ملوِّثة وصاخبة، تؤثّر مباشرة على صحّة الأطفال والبيئة معًا. لكن بدلًا من مساءلة الوزارات والهيئات المسؤولة عن هذا الحرمان المتراكم، يوجّه التقرير اهتمامه نحو تشديد أدوات السيطرة على السكّان أنفسهم.

طوال سنوات ولايته السّبع، لم يبرز مراقب الدولة كجهة دفعت بشكل جدّي نحو محاسبة المؤسّسات الرسميّة على تقصيرها المزمن تجاه المواطنين العرب في النقب. أمّا في هذا التقرير، فيبدو أنّه يتبنّى بصورة مباشرة الخطاب السياسيّ السائد في إسرائيل خلال السنوات الأخيرة، والقائم على “الأمننة” المتزايدة لكل ما يتعلّق بالمواطنين الفلسطينيّين، وعلى التعامل مع هويّتهم الوطنيّة باعتبارها موضع اشتباه ورقابة.

كرفانات تستخدم كغرف تدريسية في مدارس النقب.
كرفانات تستخدم كغرف تدريسية في مدارس النقب – الصورة: مركز مساواة

 

وهنا تكمن خطورة التقرير الحقيقيّة: فهو لا يكتفي بإعادة إنتاج العنف البنيوي القائم أصلًا ضد الفلسطينيّين في النقب، والمتمثّل في مصادرة الأراضي، رفض الاعتراف بالقرى، التضييق الجغرافي، هدم البيوت، والحرمان من الخدمات، بل يمنح هذا العنف شرعيّة مؤسساتيّة إضافيّة، عبر تقديمه كاستجابة “مهنيّة” لمشكلة إداريّة أو أمنيّة.

بهذا المعنى، يشكّل تقرير إنجلمان مؤشّرًا إضافيًّا على التحوّل العميق الذي تشهده مؤسسات الدولة، وخصوصًا المؤسّسات المرتبطة بإنفاذ القانون والرقابة. فحين يتحوّل جهاز يُفترض به مراقبة تقصير الدولة ومحاسبة سلطاتها، إلى أداة تتبنّى خطابها الأمني والسياسي، تصبح الرقابة على المواطنين الفلسطينيّين نفسها جزءًا رسميًّا من عمل هذه المؤسسات.

وبدل أن يسائل التقرير السياسات التي أنتجت التهميش والفقر والحرمان في النقب، يختار أن يضع الهويّة الفلسطينيّة نفسها في موضع الاتهام. ومن هنا، لا يبدو الحديث عن “الفلسطنة” توصيفًا عابرًا، بل تعبيرًا واضحًا عن الدوافع السياسية والهويّاتيّة الكامنة وراء التقرير، وعن الرغبة المتزايدة في مأسسة الشكّ والرقابة تجاه الفلسطينيّين داخل الخط الأخضر، لا باعتبارهم مواطنين أصحاب حقوق، بل باعتبارهم جماعة ينبغي مراقبتها وضبطها باستمرار.

* د. جنان أبو اشتيّة، مركّزة مشروع تعزيز المساواة في النّقب في جمعية سيكوي-أُفق

**المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر موقع وصلة للاقتصاد والأعمال.

366091 5 SMART REFRESH Arabic 520 1140x145px 300 ppi

مقالات مختارة

Skip to content