الإثنين, مايو 18, 2026 14:52
/
/
من “البترودولار” إلى “البترويوان”: الحرب مع إيران تعيد النقاش حول مستقبل هيمنة الدولار

من “البترودولار” إلى “البترويوان”: الحرب مع إيران تعيد النقاش حول مستقبل هيمنة الدولار

أيقون موقع وصلة Wasla
366091 5 SMART REFRESH Arabic 53 1140x145px 300 ppi

أسواق المال 1

أعادت الحرب مع إيران النقاش حول مستقبل النظام المالي العالمي القائم على “البترودولار”، وهو النظام الذي ربط تجارة النفط العالمية بالعملة الأمريكية لعقود طويلة ومنح الولايات المتحدة نفوذًا ماليًا واسعًا. وفي هذا السياق، يشير تقرير لصحيفة “ذي إيكونوميست” إلى أن التحولات الجارية في أسواق الطاقة العالمية، وخصوصًا انتقال مركز الطلب على نفط الخليج من الغرب إلى آسيا، بدأت تثير تساؤلات حول مستقبل هيمنة الدولار في تجارة النفط العالمية.

ويعود مصطلح “البترودولار” إلى الاقتصادي المصري إبراهيم عويس، الذي استخدمه عام 1974 خلال محاضرة في جامعة جورجتاون الأميركية، بعدما تبيّن له أن الدول الخليجية المصدّرة للنفط بدأت تمتلك كميات ضخمة من الدولارات بوتيرة أسرع من قدرتها على استخدامها.

وخلال سبعينيات القرن الماضي، تحولت الدولارات المتدفقة من صادرات النفط الخليجية من مصدر قلق بالنسبة للولايات المتحدة والدول المستوردة للنفط إلى داعم رئيسي للعملة الخضراء. ففي نهاية عام 1974، وافقت وزارة الخزانة الأميركية على السماح للبنك المركزي السعودي بشراء سندات حكومية أميركية بشكل سري خارج المزادات التقليدية، وسبب السرية هو خشية السعودية من تعرضها لانتقادات عربية بسبب تمويلها غير المباشر للولايات المتحدة الداعمة لإسرائيل. وفي الفترة نفسها، قررت شركة “أرامكو” السعودية بيع النفط بالدولار فقط بدل الجنيه الإسترليني.

وأدى تسعير النفط بالدولار إلى خلق طلب عالمي دائم على العملة الأميركية، كما أن استثمار عائدات النفط في أصول مالية مقومة بالدولار منح الولايات المتحدة نفوذًا ماليًا كبيرًا استمر لعقود، ويعتبر الخبراء نظام البترودولار هذا أحد أهم ركائز الهيمنة الأميركية خلال ما يقارب نصف قرن.

لكن الحرب مع إيران، بحسب التقرير، تلقي بظلال جديدة على هذا النظام، خاصة أن أكبر زبائن نفط الخليج أصبحوا اليوم من الدول الآسيوية لا الغربية. فالصين تدفع منذ سنوات لإيران باليوان بدل الدولار مقابل النفط الخام، كما بدأت الصين تجربة استخدام اليوان الرقمي في بعض صفقات الشراء. كذلك تحاول دول أخرى مثل روسيا والهند شراء النفط باستخدام عملاتها المحلية بدل الدولار.

وتعتقد إحدى الخبيرات الماليات العاملات في “دويتشه بنك” في حديثها مع الصحيفة أن الحرب مع إيران قد تسرّع تراجع هيمنة “البترودولار” وتمهد لبداية نظام “البترويوان”. ومع ذلك، يشير التقرير إلى أن استخدام اليوان في تجارة السلع العالمية ما يزال محدودًا، وبأنه من الصعب أن ترتفع حصة اليوان إلى أكثر من 10% من تجارة السلع العالمية خلال السنوات الخمس المقبلة.

ويناقش التقرير أيضًا ما إذا كان تراجع هيمنة “البترودولار” يشكل خطرًا فعليًا على الولايات المتحدة. ووفقًا لبعض التقديرات، فإن تسعير النفط بالدولار يشكل عنصرًا مهمًا في هيمنة العملة الأميركية، لأن الشركات التي تشتري النفط بالدولار تميل أيضًا إلى تسعير صادراتها بالدولار، ما يوفر لها نوعًا من الحماية من تقلبات أسعار العملات. لكن التقرير يشير إلى أن هذا التفسير ليس كاملًا، لأن أسعار النفط والسلع الأخرى تتغير باستمرار وفق تحركات الأسواق والعملات. ولذلك، فإن النفط وحده لا يفسر استمرار اعتماد عدد كبير من الشركات العالمية على الدولار في تعاملاتها التجارية.

كما يرى التقرير أن هيمنة الأصول المالية المقومة بالدولار لم تعد مرتبطة فقط بعائدات النفط الخليجية. ففي الثمانينيات تحدث إبراهيم عويس عن ظاهرة سماها “تراجع البترودولارات”، بعدما بدأت الفوائض المالية التي حققتها دول الخليج من النفط بالانخفاض. وبحسب الباحث براد ستسر من مجلس العلاقات الخارجية، فإن السعودية كانت قد حققت فوائض مالية كبيرة منذ عام 1970، لكن الإنفاق والعجوزات المالية التي جاءت في السنوات التالية أدت بحلول عام 2000 إلى استنزاف هذه الفوائض بالكامل.

ورغم أن دول الخليج حققت فوائض مالية كبيرة مجددًا قبل الأزمة المالية العالمية بين عامي 2007 و2009، فإنها عادت لاحقًا إلى تسجيل عجوزات مالية خلال عامي 2024 و2025. ويشير الباحث براد ستسر إلى أن الفوائض المالية لدى الدول المصدّرة للنفط، بما فيها روسيا والنرويج، أصبحت اليوم أقل بكثير مقارنة باقتصادات شرق آسيا، إذ بلغ إجمالي فائضها العام الماضي 200 مليار دولار فقط، مقابل 1.5 تريليون دولار لدى اقتصادات شرق آسيا.

وفي ختام التقرير، يشير الكاتب إلى أن قوة الدولار لم تعد تعتمد اليوم على “البترودولارات” كما كان الحال في سبعينيات القرن الماضي، وأن الدول المصدّرة للنفط لم تعد العامل الحاسم في مستقبل النظام النقدي العالمي. لكنه يلفت إلى أن السياسات الأميركية، بما فيها العقوبات الاقتصادية والتدخلات الجيوسياسية، تدفع عددًا متزايدًا من الدول إلى البحث عن وسائل دفع بديلة وأدوات جديدة لحفظ القيمة بعيدًا عن الدولار.

ويعيد التقرير التذكير بمفهوم آخر طرحه إبراهيم عويس قبل أكثر من 50 عامًا، وهو “رأس المال المحتجز”، في إشارة إلى الأصول الموجودة ضمن النظام المالي الأميركي والتي يمكن للولايات المتحدة تجميدها أو مصادرتها. ويرى الكاتب أن هذا المفهوم قد يكون أكثر أهمية اليوم في تفسير مستقبل الدولار من مفهوم “البترودولار” نفسه.

366091 5 SMART REFRESH Arabic 520 1140x145px 300 ppi

مقالات مختارة

Skip to content