
ولد البروفيسور سليم حاج يحيى، أحد أبرز جراحي القلب والصدر الفلسطينيين، عام 1967 في مدينة الطيبة. ارتبط اسمه بإنجازات هامة في جراحة القلب والصدر وعمليات زراعة القلب، إلى جانب نشاطه المهني والأكاديمي في البلاد وفي العالم. بدأ مساره الأكاديمي بدراسة الحقوق، لكنه انتقل لاحقاً لدراسة الطب في “التخنيون”، حيث رسم مساره المهني إلى أن تخصّص في جراحة القلب والصدر في مستشفى “تل هشومير”.
شغل في الماضي منصب العميد المؤسس والمدير العام لمستشفى النجاح الجامعي في نابلس، وأسس المعهد الوطني للقلب والرئة، وعمل بروفيسوراً في جامعة بريستول ومديراً للبرنامج الوطني لزراعة القلب في اسكتلندا. يشغل حالياً منصب بروفيسور جراحة القلب والصدر والزراعة في جامعة غلاسكو، ويعمل بالتوازي عميداً مؤسساً لكلية الطب في جامعة الخليل ومستشاراً أول لجراحة القلب في مركز هرتسليا الطبي. وهو عضو في الكلية الملكية للجراحين في إنجلترا وغلاسكو.
وفي مقابلة مع موقع “صبرا”، يصف خبرته المهنية والإنسانية الطويلة، وتجربته كجراح قلب وصدر فلسطيني يعمل داخل منظومة صحية إسرائيلي تتسم بعدم المساواة بشكل بنيوي. بالنسبة له، الجراحة ليست مجرد مهنة طبية، بل هي أيضاً أداة للتغيير الاجتماعي، من خلال تعزيز التعليم الطبي وإقامة مؤسسات صحية داخل المجتمع الفلسطيني في إسرائيل.
من الحقوق إلى مشرط الجرّاح
متى أدركتَ أن الطبّ هو رسالتك؟
كنت أميل إلى عالم الطب منذ صباي، لكن شروط القبول للطلاب العرب في تلك السنوات لم تكن عادلة. كانت دراسة الطب تقتصر حينها على المرشحين الذين تزيد أعمارهم عن 20 عاماً، وهذا القيد منع الكثيرين من تحقيق حلمهم. كان والدي أكاديمياً في مجال علم الإجرام، وبتأثير من البيئة العائلية القريبة بدأت بدراسة الحقوق. كانت تلك الفترة فترة بحث عن الذات. ثمّ، حين بلغت العشرين من عمري، توجهت لدراسة الطب انطلاقاً من شعور واضح بأن الطبّ هو رسالتي في الحياة.
كيف تصف تجربة العمل في المستشفيات الإسرائيلية كطبيب فلسطيني؟
جميع الهويات السياسية تبقى خارج غرفة العمليات. فالمريض لا يسأل عن قومية الطبيب أو دينه، بل عن مؤهلاته وهل يمتلك القدرة على إنقاذ حياته. هذه هي الحقيقة التي تتجلّى أمامي يومياً في عملي. ومع ذلك، فإن العنصرية تطل برأسها خارج غرفة العمليات، وتتجلى في التعيينات، والترقيات الأكاديمية، وفرص الوصول إلى المناصب التي تُتخذ فيها القرارات. هناك تفضيل منهجي وواضح لمن خدموا في الجيش، وكأن الخدمة العسكرية هي مقياس للقدرة الطبية. هذا التمييز يسد الطريق أمام العديد من الأطباء العرب ويمنعهم من التقدم رغم إنجازاتهم المهنية.
الطواقم العربية هي العمود الفقري غير المرئي للمنظومة الصحية الإسرائيلية
لقد صرّحتَ أكثر من مرة أن النظام الصحي الإسرائيلي يُعتبر متطوراً بفضل عدّة عوامل من بينها الكوادر الطبية العربية.
صحيح، وهذه ليست مجرد وجهة نظري الشخصية بل واقع تدعمه البيانات والأرقام. يشكل العرب قرابة ربع القوة العاملة في النظام الصحي الإسرائيلي. وتجلب الكوادر الطبية العربية معها مستوى عالياً من الإنسانية والصبر والرحمة تجاه المرضى. غالباً ما يتم تجاهل هذه الحقائق، رغم أنها تشكل الأساس لأي مستشفى يعمل بنجاح.
ومع ذلك، فإن هذه المساهمة لا تترجم تقريباً إلى مساواة فعلية، ولا يزال المجتمع العربي يعاني من التمييز ونقص حاد في الخدمات الصحية، خاصة في الأطراف مثل النقب، حيث سيقام مستشفى جديد تشارك أنت في تأسيسه.
صحيح. منطقة النقب هي من أكثر المناطق تهميشاً وضعفاً في مجال الصحة في إسرائيل. يعاني المجتمع البدوي من نقص حاد في الخدمات الطبية، كما أن الفجوات التاريخية في البنية التحتية الصحية تجبر آلاف المرضى على السفر لمسافات طويلة لتلقي رعاية طبية أساسية. ومن رحم هذا الواقع وُلِدَت مبادرتنا؛ إذ نجحنا في تجنيد 13 مليون دولار، ونحن الآن بانتظار استكمال التصاريح اللازمة للبدء في البناء. صحيح أنّنا نتحدّث عن مستشفى جراحي صغير نسبياً، لكنه سيوفر خدمات حيوية وسيتيح الرعاية الطبية للسكان المحليين. وإلى جانب المشروع، أطلقنا أيضاً برامج تدريب مدعومة بالكامل للأطباء البدو، والهدف هو إعداد جيل من الأطباء المحليين لخدمة مجتمعاتهم.
النظام أهم من الفرد
كانت المحطة الدولية الأبرز في مسيرة حاج يحيى المهنية في بريطانيا؛ حيث عمل في مستشفى “برومبتون” و”هارفيلد” المرموقين، وشارك في تطوير برامج متقدمة لزراعة القلب والرئة، ومنظومات التبرع بالأعضاء. وبالتوازي مع ذلك، وسّع نطاق عمله ليشمل إدارة المؤسسات الصحية، في جمع نادر بين الخبرة الجراحية والرؤية الشاملة المتعلقة بالمنظومة الطبية. وبلغت هذه المرحلة ذروتها عندما عُين بروفيسوراً في جامعتي بريستول وغلاسكو في آن واحد، بالإضافة إلى حصوله على زمالة خاصة من الكلية الملكية للجراحين في إنجلترا.
مسيرتك المهنية الدولية مثيرة للإعجاب. ما الذي أضافته لك هذه التجربة؟
كان الانتقال إلى بريطانيا قراراً حاسماً في مسيرتي المهنية. أهم شيء تعلمته هناك هو الفهم العميق لما يُعرَف ببناء المؤسسات. في بريطانيا، النظام أهم من الفرد، لأنه مصمم بحيث يمكنه العمل والاستمرار بكفاءة بمرور الوقت. العمل كله يستند إلى بروتوكولات واضحة، إلى جانب الرؤية والتخطيط طويل الأمد. وإلى جانب ذلك، مُنحت فرصة استثنائية للقيادة في سن مبكرة، عندما كُلفت بمنصب حساس. لقد أدرك النظام أنني جراح متميز، لكنه أدرك أيضاً أنني بحاجة إلى مرافقة إدارية وقيادية؛ وبناءً على ذلك، عُرضت عليّ برامج تأهيل مخصصة ومرافقة مهنية حقيقية. مثل هذه الثقافة الإدارية لا تزال مفقودة في منطقتنا.

هل غيّرتك السنوات التي عملت فيها في بريطانيا على المستوى الشخصي أيضاً؟
بالتأكيد. تعلمت أن القيادة ليست سلطة بل خدمة، وأنه لا معنى للنجاح الشخصي إذا لم يُترجم إلى نجاح جماعي. في بريطانيا، هناك فهم عميق لفكرة أن تطوير شخص واحد في منصب قيادي قد يؤثر على المؤسسة بأكملها، بل وعلى المجتمع ككل. هذا التفكير الاستراتيجي غير الطريقة التي أرى بها دوري كطبيب وكإنسان.
بصفتك شخصاً يعمل ويتنقل بين الأنظمة الصحية والأكاديمية في إسرائيل وفلسطين، ما رأيك في المقارنات التي تُجرى بين دراسة الطب في فلسطين وتلك التي في إسرائيل؟
رغم نقص الموارد وغياب البنى التحتية الأساسية، مثل مختبرات التشريح، فإن دراسة الطب في الجامعات الفلسطينية لا تقل في مستواها الأكاديمي عن الجامعات الإسرائيلية. الفرق يكمن بشكل أساسي في ظروف الدراسة والواقع المحيط بالطلاب، وليس في جودة التأهيل أو القدرات. وفي حين يبدأ العديد من الطلاب في إسرائيل من نقطة انطلاق مريحة أكثر، يضطر الطلاب الفلسطينيون إلى مواجهة واقع غير طبيعي منذ بداية طريقهم. ومع ذلك، عندما تتاح لهم الفرصة للدراسة أو العمل في الخارج، فإنهم غالباً ما يثبتون أنهم من بين الأبرز في مجالهم، ما يشير إلى أن الفجوة تكمن في الظروف، وليس في المستوى الأكاديمي.
غزة وانهيار خط الدفاع الأخير
كطبيب، كيف تنظر إلى ما حدث في غزة، سواء من ناحية عمل نشاط الطواقم الطبية هناك، أو في ظل تصريحات أطباء في إسرائيل برروا استهداف المستشفيات؟
إن ما قامت به الطواقم الطبية في غزة يتجاوز بكثير المعايير المعروفة للطب الحديث. لقد بقي الأطباء والممرضون إلى جانب مرضاهم تحت القصف، مخاطرين بحياتهم، بمستوى نادر من الالتزام الإنساني والأخلاقي. وفي المقابل، فإن التصريحات التي تبرر استهداف المستشفيات لا تُعبّر عن رسالة مهنة الطب وأخلاقياتها؛ فالطبيب الذي يُبرّر ذلك يفتقر للفهم الأساسي لروح المهنة. لا يمكن للطب أن يكون رهيناً للهوية أو السياسة، وفي هذا السياق تحديداً، يؤكد عمل الأطباء في غزة مدى التزامهم بالحفاظ على الحياة، حتى في أشدّ الظروف قسوة.

مشاريع لتقليص الفجوات العنصرية
إلى جانب مسيرته الأكاديمية والطبية، يقود البروفيسور حاج يحيى سلسلة من المبادرات الطبية في المجتمع العربي الفلسطيني في إسرائيل وفي الضفة الغربية، من بينها إقامة مستشفى في النقب، ومبادرة لإقامة مستشفى لجراحات اليوم الواحد (العمليات التي لا يحتاج المريض بعدها إلى المبيت في المستشفى) وإعادة التأهيل في الطيبة بمنطقة المثلث، وإقامة مستشفى جامعي في الخليل.
لا تقتصر مبادرتك في إقامة مستشفى على النقب. ما الذي دفعك لقيادة مبادرة مماثلة في الطيبة؟
الدافع الأكبر في ذلك هو إدراكي بأن التقدم الطبي في إسرائيل لا يستفيد منه الجميع بشكل متساوٍ. يعاني المجتمع العربي من نقص في البنى التحتية الطبية الأساسية، مثل غرف العمليات، وأجهزة التصوير المتقدمة، والمراكز الطبية المتخصصة في مجالات مختلفة. أمام هذا الواقع، شعرت أني أحمل على عاتقي واجباً أخلاقياً لترجمة المعرفة التي اكتسبتها في بناء المؤسسات الطبية في بريطانيا وفلسطين لصالح المجتمع العربي الفلسطيني في إسرائيل. لقد حصلنا مؤخراً على ترخيص خاص لإقامة المستشفى، لأن الرؤية كانت واضحة: وهي تقليص الفجوات في المجال الصحي وخلق نموذج يمكن أن يكون مثالاً لأماكن أخرى أيضاً.
ما الإرث الذي تود أن تتركه من بعدك؟
الإرث الحقيقي للإنسان يُقاس بما يقدمه من عطاء. أغلى ما أملكه هو الدعوات والبركات التي أتلقاها من مرضاي وأفراد عائلاتهم. أود أن يتمّ تذكري كشخص عمل على إقامة مؤسسات طبية وإنسانية خدمت المجتمع، لا كشخص جمع الألقاب أو المناصب.
المقال مترجم ومنشور في وصلة بإذن خاص من موقع “صبرا – Sabra“.










