الثلاثاء, أبريل 21, 2026 10:10
/
/
من إغلاق إلى إغلاق: “الوضع الحالي في القدس هو الأسوأ على الإطلاق”

من إغلاق إلى إغلاق: “الوضع الحالي في القدس هو الأسوأ على الإطلاق”

بالنسبة لتُجار البلدة القديمة في القدس، الحرب الأخيرة كانت رصاصة الرحمة لاقتصاد منكوب منذ السابع من أكتوبر.
أيقون موقع وصلة Wasla
New web design photos
البلدة القديمة في القدس أثناء الإغلاق، تصوير: رحمة علي

 

من يأتي إلى القدس الغربية في يوم عادي سيجد مدينة تعج بالحركة والناس. المشهد ذاته يتكرر في الأسواق المشهورة مثل سوق محنيه يهودا أو في شارع يافا التجاري. لكنك إذا واصلت السير ووصلت إلى أسوار البلدة القديمة ودخلت من إحدى أبوابها فسترى أمامك عشرات المحلات التجارية جنبًا إلى جنب، كلها مغلقة. أبواب حديدية، أقفال صدئة، ولافتات معلّقة فوق واجهات لم تعد ترى زبائن. لا أصوات، لا حركة، ولا حتى محاولات للبيع. فقط ممرات ضيقة فارغة، كأن السوق أُخلي على عجل. سوق أشباح.

يدير أحمد دنديس (60) محلا لبيع ألعاب الأطفال عند مدخل باب العامود. “ندير تجارة في هذا المحل منذ 100 سنة تقريبا”، يقول أحمد. “توارثاه أباً عن جد. في السابق كنا نبيع الملابس لكني قررت قبل بضعة سنوات التحول إلى بيع العاب الأطفال لكن منذ خمس سنوات تقريبا تراجعت الحركة الاقتصادية في السوق لدرجة الشلل التام خاصة في فترة الحرب الأخيرة”. يؤكد دنديس أنه كان ينتظر شهر رمضان لإنعاش تجارته بعد فترة طويلة من الكساد التام بسبب الأوضاع الأمنية وتضييقات الشرطة، لكن الحرب والأحداث قضت على أي أمل في الانتعاش الاقتصادي ودفعت أفراد عائلته الذين كانوا يعملون معه في المحل إلى تركه والعمل كأجيرين في القدس الغربية. “اشتريت بضاعة  بـِ25 ألف دولار ولم أبع منها قطعة واحدة. ها هي مكدسة داخل المحل“.

אחמד דנדיס
أحمد دنديس – صاحب محل في البلدة القديمة

 

عندما كانت السوق شريان حياة القدس

يُقدَّر عدد المحلات التجارية في سوق البلدة القديمة في القدس بنحو 2,075 محلًا وفق أحدث مسح ميداني شامل أُنجز بين عامي 2019–2020، إلا أن هذا الرقم لا يعكس صورة نهائية مستقرة بسبب إشكالية مزمنة في توفر البيانات ودقتها. فمصادر أخرى تقدّم أرقامًا مختلفة، إذ تشير تقديرات سابقة للغرفة التجارية إلى نحو 1,400 محل فقط، بينما أظهرت بيانات إسرائيلية في التسعينيات قرابة 1,896 منشأة تجارية. هذا التباين لا يعود بالضرورة إلى تغيّر فعلي في عدد المحلات، بل إلى اختلاف التعريفات والمنهجيات.

وبحسب المسح الميداني المذكور، يتراوح حجم القوى العاملة في المنشآت التجارية المختلفة في السوق ما بين 2600 إلى 3700 عامل وعاملة، غالبيتهم الساحقة من سكان البلدة القديمة أو المناطق المجاورة لها.

“تدهور حالة السوق في القدس القديمة لم يبدأ في السنتين ثلاث الأخيرة، بل تعود إلى عام 1967″. ” يقول حجازي الرشق، عضو الغرفة التجارية والصناعية في القدس والتي تعتبر من الهيئات الرسمية القليلة التي تتابع أوضاع التجار في القدس الشرقية بشكل عام، لكنه يؤكد بأن تدهور الأوضاع في الأشهر الأخيرة غير مسبوق منذ عقود.

1 2
السوق المغلق من الأعلى، تصوير: رحمة علي

 

بحسب مسح ميداني من سنة 2020 بلغ إجمالي المحال التجارية المُغلقة تماما 605 محلات من أصل 2075، أي ما يقارب 30% من المحلات التجارية. “بعد السابع من أكتوبر وكل الأحداث الأمنية التي حصلت منذ ذلك التاريخ هذه النسبة ارتفعت بشكل ملحوظ” يقول الرشق. “الوضع حاليًا هو الأسوأ على الإطلاق”. في حديثه معنا أكد الرشق بأن ما حصل خلال شهر آذار/ مارس الأخير كان بمثابة مسمار آخر في نعش السوق الميت أصلا منذ ثلاث سنوات تقريبا. “مع بدء الحرب مع إيران تم عمليا إغلاق السوق نهائيا وتحول إلى شبه ثكنة عسكرية. نحن نتحدث عن فترة شهر رمضان التي تعتبر بالنسبة لغالبية التجار أفضل فترة في السنة وكانوا ينتظرونها لتعويض خسائر السنوات الماضية لكن ما حدث كان العكس تماما” يؤكد الرشق ويتابع أن بعض التجار باتوا يفتحون محالهم فقط أيام الجمعة والسبت في حال لم يكن هناك منع، بينما اضطر آخرون للعمل في القدس الغربية في وظائف مثل النظافة، في محاولة لتأمين دخل بديل.

WhatsApp Image 2026 03 29 at 18.41.44 1
حجازي الرشق

 

ما يصفه الرشق حصل مع التاجر سراج أبو عصب (35) الذي يدير محلا لبيع التحف السياحية. “80% من نشاط المحل يعتمد على السياح، و 20% على السوق المحلي. طبعا السياحة مشلولة تماما منذ السابع من أكتوبر والآن وبسبب الحرب والإغلاقات الزبون المحلي اختفى أيضا” يقول سراج. “قبل بدء شهر رمضان اشتريت بضاعة  بـ105 ألف شيكل، لكن مع اندلاع الحرب تلقيت أمراً بإغلاق المحل بحجة عدم وجود مكان آمن، ولم أبع سوى 10 قطع عبر الإنترنت لم اقبض ثمنها حتى الآن”. “هذه أسوأ فترة مرت علينا على الإطلاق فحتى لو سُمح لنا بفتح المحل لن يدخل أي زبون لأن البلدة القديمة فارغة تماما من الناس بسبب الأوضاع”.

في موازاة الشهادات الميدانية، تكشف معطيات قانونية عن جانب آخر من الأزمة: قرارات إغلاق تُتخذ على الأرض دون توضيح قانوني واضح. يقول رامي صالح، مدير مركز القدس للمساعدة القانونية، إن المركز تلقى عدة إفادات من تجار مُنعوا من فتح محالهم في البلدة القديمة، دون سند قانوني معلن.

ראמי סאלח
رامي صالح – مدير مركز القدس للمساعدة القانونية

 

“في إحدى الحالات، حاول تاجر في سوق البازار فتح محله جزئيًا بهدف ترتيب البضاعة فقط، لكن الشرطة أجبرته على الإغلاق بحجة عدم توفر مكان محمي، وقامت بتغيير لافتة المحل إلى “مغلق” بنفسها” يروي صالح، لاحقًا، تعرّض للمنع مرة أخرى، ما دفعه للتوقف عن محاولة فتح محله نهائيًا. وبحسب إفادته، كانت محال في الحي اليهودي مفتوحة في الوقت نفسه.

وفي حالات أخرى، مُنع تجار من فتح محالهم رغم عدم وجود إعلان رسمي شامل بالإغلاق، في وقت تقتصر فيه الأنشطة المسموح بها على متاجر الأغذية والصيدليات. ويشير صالح إلى أن المركز توجه إلى الجهات الرسمية للحصول على توضيح قانوني لهذه الإجراءات، دون تلقي رد حتى الآن.

ويرى أن ما يجري يعكس استخدامًا واسعًا لصلاحيات تقديرية تحت مبررات أمنية، دون معايير واضحة أو متساوية، ما يثير تساؤلات حول طبيعة هذه السياسات، خاصة في ظل تكرارها في كل جولة تصعيد.

69e08a3d8e0661abb7b13b4a סראג אבו עסב משמאל
سراج أبو عصب (يمين) أمام محله في البلدة القديمة

 

أين اختفى الناس؟

تعتبر البلدة القديمة وسوقها مركزا سياحيا واقتصاديا أساسيا بالنسبة لسكان القدس العرب. وعلى مر العقود اعتمدت البلدة القديمة على ثلاث فئات مركزية وهي السياحة (الداخلية والوافدة)، الفلسطينيين سكان الضفة الغربية وفلسطينيو الداخل.

ومع قيام الحكومة الإسرائيلية بإغلاق الحواجز أمام الفلسطينيين من الضفة ومنعهم من الوصول إلى القدس، انقطع شريان اقتصادي واجتماعي مركزي آخر عن البلدة القديمة وأدى إلى تراجع الحركة الاقتصادية فيها بشكل حاد.

أما الشريان المركزي الأخير، وهو فلسطينيو الداخل فقد ضُرب هو الآخر بسبب التوترات والتشديدات الأمنية في الأشهر الأخيرة. “في الأوضاع العادية يصل إلى المسجد الأقصى أيام الجمعة في شهر رمضان ما يقارب 250 ألف مصلٍ، قسم كبير منهم هم من فلسطينيو الداخل”، يقول أحد العاملين في المسجد الأقصى والذي فضّل عدم الكشف عن اسمه، “لكن في شهر رمضان الأخير وبسبب التضييقات ومنع المُصلين من دخول الحرم بحجة الحرب والأوضاع الأمنية، انقطع هؤلاء عن الوصول إلى المسجد خلال شهر رمضان”. هذا الأمر انعكس أيضا بشكل كارثي على الحركة التجارية في السوق.

2 4
حاجز للشرطة على مدخل السوق، تصوير: رحمة علي

 

3 1
السوق أثناء الإغلاق، تصوير: رحمة علي

 

بالنسبة للسياحة مثلا، بلغ عدد السياح الذين زاروا القدس سنة 2019 حوالي 4.4 مليون سائح، غالبيتهم الساحقة زارت البلدة القديمة وأسواقها وانعكس ذلك بطبيعة الحال بانتعاشه اقتصادية ملحوظة على البلدة القديمة. في المقابل بلغ عدد السياح الأجانب الذين زاروا القدس سنة 2024 ما يقارب 330 ألف سائح، أي أقل من 8% مقارنة بـ 2019. هذا التراجع الحاد دفع العديد من المصالح التجارية العاملة في مجالات السياحة إلى اغلاق أبوابها بسبب اختفاء السياح.

“في القدس الشرقية كان أكثر من 40 فندق وبيت ضيافة تعود ملكيتها أو إدارتها إما لأهل القدس الشرقية أو لمؤسسات كنسية، بسبب الأوضاع في السنوات الأخيرة لم يبق منها سوى 24” يقول رائد سعادة، رئيس التجمع السياحي المقدسي وصاحب فندق “جيروسليم” في القدس. ويضيف بأن هناك أكثر من 400 محل لبيع التحف السياحية داخل البلدة القديمة والمناطق المحاذية لها أكثر من ثلثها مغلق.

سعادة يؤكد بأن الوضع الحالي يُذكر بالأوضاع الصعبة خلال سنوات الانتفاضة الثانية “لا سياحة أجنبية بسبب الأوضاع الأمنية، ولا سياحة داخلية (من فلسطينيو الداخل) بسبب إغلاق المسجد الأقصى وكنيسة القيامة خلال شهر مارس بسبب الحرب، وحتى الناشطين والصحفيين الأجانب اختفوا.”

ראיד סעדה
رائد سعادة – رئيس التجمع السياحي المقدسي

 

إغلاق المحال والفنادق ينعكس بشكل مباشر على حياة العاملين والعاملات من أهل البلدة القديمة الصعبة أصلا. بحسب معطيات جمعية حقوق المواطن  في عام 2022 نحو 75% من الأسر الفلسطينية و 84% من الأطفال في القدس الشرقية كانت تعيش تحت خط الفقر.

في ظل الانهيار الاقتصادي الذي تعكسه شهادات التجار والأرقام، لا تقتصر الأزمة في البلدة القديمة على الخسائر المادية، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية للسكان. تقول نور الداية (19 عامًا)، من سكان عقبة الخالدية، إن الأيام الأولى للحرب رافقها إغلاق شبه كامل للبلدة القديمة، مع تقييد الدخول لمن يحمل عنوانًا داخلها فقط، ما غيّر نمط الحياة بشكل جذري. وتضيف أن هذه القيود ترافقت مع تصاعد التوترات والاعتداءات داخل الأحياء، إلى جانب فقدانها عملها في أحد الفنادق القريبة من باب المغاربة بسبب انهيار الحركة السياحية. “لا يوجد شيء يمكنني القيام به بعد فقدان عملي”، تقول، مشيرة إلى أن الإغلاقات طالت حتى الاحتياجات اليومية، من صرافات مغلقة جزئيًا إلى صعوبة شراء مواد أساسية لعملها، فيما بات السكان يلازمون منازلهم في ظل شعور متزايد بالخوف وانعدام الأمان والأمل.

المقال منشور بالتعاون مع شومريم.

مقالات مختارة

Skip to content