الأربعاء, أبريل 22, 2026 14:54
/
/
العنصرية في المجتمع الحريدي تتفشّى: في الأعراس يُغَنُّون “لتحترق قراكم”.. وفي الشوراع يرمون الحجارة على السائقين العرب

العنصرية في المجتمع الحريدي تتفشّى: في الأعراس يُغَنُّون “لتحترق قراكم”.. وفي الشوراع يرمون الحجارة على السائقين العرب

تكشف مقاطع الفيديو على شبكات التواصل الاجتماعي، والتصريحات العلنية وشهادات المواطنين العرب عن قضية لا يتم الحديث عنها في المجتمع الحريدي: منذ 7 أكتوبر قامت القيادة السياسية والحاخامية الحريدية "بإطلاق سراح" العنصرية التي كانت تحت السيطرة في السابق. والعنف يظهر في الشارع بوضوح.
أيقون موقع وصلة Wasla
1 1
 أحمد المغربي، سائق باص من سكان القدس، تعرّض لاعتداء في حي النبي يعقوب بالقدس في يوليو 2025. الصورة بإذن من “هبرغود” (הפרגוד)

 

ستمر سنوات طويلة قبل أن تتضح تماماً آثار هجوم السابع من أكتوبر والحرب الطويلة التي تلته على المجتمع الإسرائيلي ككل. وفي هذا السياق، لا يختلف المجتمع الحريدي عن بقية فئات المجتمع الإسرائيلي، لكن إحدى القضايا التي يظهر فيها التغيير جلياً منذ الآن هي تزايد مظاهر العنصرية الصارخة تجاه العرب. التصريحات العنصرية العلنية، المنشورات ومقاطع الفيديو على شبكات التواصل الاجتماعي، غناء “ليحترق قريتكم” في المناسبات العامة، والأخطر من ذلك كله العنف الجسدي، كلّ ذلك أصبح أكثر شيوعاً مقارنة بأي وقت مضى. أما القيادة الحريدية، الحاخامية والسياسية، وعلى نحو غير مفاجئ ولأسبابها الخاصة، فتلتزم الصمت.

تعتبر المواصلات العامة إحدى نقاط الاحتكاك البارزة بين الشباب الحريديم والعرب. فعلى سبيل المثال، في القدس يشكل الفلسطينيون من شرق المدينة نسبةً كبيرة من سائقي الحافلات، ويتّضح من شهاداتهم حجم الاعتداءات الجسدية والفظية التي باتوا يتعرضون إليها من الحريديم بشكل متزايد. “في إحدى الحالات، كان على متن حافلتي خمسة شباب من الحريديم الذين استمروا معي حتى المحطة النهائية ورفضوا النزول. شتموني، وقالوا لي أشياء مثل ‘يا عربي، أنت تعمل عندنا’، وفقط بعد أن صوروا عدة مقاطع فيديو تيك توك ذهبوا”، هكذا يصف محمد (لم نذكر اسمه الكامل) في حديث مع “شومريم”  إحدى الحوادث العنصرية التي تعرّض لها.

“لطالما تعرّضنا لحوادث مشابهة مع الحريديم لكنها تفاقمت بشكل كبير في الآونة الأخيرة. في المحطات يلقون عليّ أحياناً أشياء مختلفة، مثل زجاجات المياه والحجارة. وعندما يريدون النزول من الحافلة يشتمونني بشتائم عنصرية. عندما أتصل بالشرطة، تأتي أحياناً بعد نصف ساعة وأحياناً لا تأتي أبداً. قدمت شكاوى أيضاً ولكن في كل الحالات قالوا لي إنها أُغلقت بحجة ‘عدم وجود مصلحة عامة’. بعض أصدقائي من السائقين دخلو المستشفى بسبب الاعتداءات ولم يتم اعتقال أحد”، يروي محمد عن واقع الحياة خلف المقود.

لا يبدو د. آساف ملحي -وهو عالم اجتماع وباحث أول في المعهد الإسرائيلي للديمقراطية لدراسات المجتمع الحريدي- متفاجئاً من هذه الحوادث. فإلى جانب أسباب تفشي العنصرية (التي سيتم تفصيلها لاحقاً)، يقول إن القيادة الحريدية، تماماً مثل قيادة التيار الديني القومي الإسرائيلي، فقدت جزءاً كبيراً من قدرتها على مراقبة أو ضبط الشارع، والنتائج واضحة.

إلى أين يتجه كل هذا؟ على الأقل في الوقت الحالي، لا يبدو أن أي جهة رسمية ترغب أصلاً في إعادة حبس “شيطان العنصرية” في قمقمه، ناهيك عن إمكانية نجاحهم بذلك حتى لو أرادوا.

“في الماضي كنا نغني: القطار توتو… العرب يموتو”

إن السردية التي يُقدِّمها  الحريديم فيما يتعلق بتطور العنصرية ليست مفاجئة. فكما هو الحال في المجتمعات الدينية المحافظة الأخرى، كان “الغريب” في المجتمع الحريدي دائماً في وضع المشتبه به، ولكن في الوقت نفسه حرصت القيادة الحريدية على منع تفجر العنصرية. على سبيل المثال، يقول شموئيل، الذي نشأ في عائلة حسيدية في القدس، إنه يتذكر أنّه في طفولته كان يغني “القطار تو-تو… العرب يموتو” في كثير من الأحيان، لكنه كان يتلقّى أيضاً توبيخًا على ذلك. “أتذكر أنه في إحدى العمليات (العسكرية)، قيل لنا إنه عند انشقاق البحر الأحمر، عندما غرق المصريون، غضب الله عندما أرادت الملائكة أن تفرح وقال لهم: ‘صنع يدي يغرقون في البحر وأنتم تنشدون الترانيم؟’. لذا كانت هناك مظاهر كراهية لكنها كانت محدودة للغاية”.

ويصف يحيئيل -وهو ليتواني نشأ في القدس قبل عشر سنوات من الفترة التي يتحدث عنها شموئيل- موقفاً مشابهاً إلى حد ما. “أتذكر نفسي عندما كنت طفلاً صغيراً في فترة اتفاقية أوسلو وأنا أُخطط مع أصدقائي للذهاب لثقب إطارات سيارات العرب. أعتقد أن الجمهور الحريدي كان يمينياً جداً حتى ذلك الحين، لكن القيادة كانت أكثر اعتدالاً. لم ينعكس ذلك فقط في التعامل مع العرب، بل أيضاً في التعامل مع العلمانيين. أنا مثلاً درست في مدرسة دينية (تلمود توراه) في حي ‘جيولا’ بالقدس، حيث كان هناك معسكر للجيش وحركة مستمرة للجنود والمجندات، ولم يكن ذلك يزعج أحداً. من الصعب اليوم التصديق أنّه تمّ الاعتداء على مجندتين في بني براك. وإذا كان هذا ما حدث مع الجنود أنفسهم، فيمكن للمرء أن يتخيل فقط كيف تفاقمت كراهية الغرباء بشكل عام”.

ويتحدث الصحفي الحريدي بني رابينوفيتش عن صدمته من مقطع فيديو انتشر مؤخراً على شبكات التواصل الاجتماعي، يظهر فيه شباب حريديم يرقصون في حفل زفاف بالسكاكين والمسدس. وبرأيه، إنّ لتفشّي العنصرية عنواناً واضحاً هو القيادة الحريدية. “من أجل حصد الأصوات، تحالفت قيادات الأحزاب الحريدية مع اليمين المتطرف في إسرائيل. وتبعهم الإعلام الحريدي، ثم انجرف هذا الإعلام أيضاً خلف الجيل الشاب الذي لا يهتم لا بالتوراة ولا بأي شيء. والنتائج نراها الآن”.

 

100 حادثة تعرّض لها سائقو الحافلات بالقدس وحدها

لا تقتصر مظاهر العنصرية على شبكات التواصل الاجتماعي أو المناسبات مثل حفلات الزفاف، بل كما ذكرنا، تتجلّى العنصرية أيضاً في العنف الجسدي. في بداية المقال، ذكرنا المواصلات العامة كنقطة احتكاك أساسية والأرقام واضحة في هذا الشأن: ففي عام 2025 سُجِلَ ارتفاع بنسبة 30% في عدد حوادث العندف تجاه العاملين في قطاع المواصلات العامة في جميع أنحاء البلاد – سواء كانوا سائقين أو متفشي تذاكر. ورغم عدم وجود تفصيل خاص لعدد حوادث العنف التي تعرّضها لها العاملون العرب تحديدًا أو أسبابها، إلا أنه يمكن استنتاج ذلك إلى حدٍّ ما من المدينة التي تتصدّر حالات العنف على مستوى  البلاد بهذا المجال، وهي القدس، نظرًا للأعداد الكبيرة من الحريديم الذين يسكنونها، ولوجود أعداد كبيرة أيضًا من سائقي الحافلات العرب من شرق القدس. وهكذا، في القدس وحدها، وقعت في العام الماضي 100 حادثة عندف ضد العاملين في المواصلات العامة.

a9222f9e 4631 4e99 b7d6 6b095695f597

يوضح يانيف بار إيلان، الناطق الرسمي باسم منظمة “قوة العمال”، التي تمثل العاملين في المواصلات العامة، في حديث مع “شومريم” إن معاناة السائقين لا تقتصر فقط على حوادث العنف، بل تشمل أيضًا إهمال الشرطة لمتابعة الموضوع. ويؤكد إيلان أن الشرطة تغلق حوالي 90% من الملفات بحجة واهية للغاية وهي “عدم وجود مصلحة عامة”، ما يدفع العديد من السائقين لعدم تقديم شكاوى من الأساس. ويضيف أن البعد القومي في الاعتداءات لا يتم التعبير عنه بتاتاً، حيث تفضّل الشرطة، حسب قوله، التعامل مع الاعتداءات على أنّه “نزاع بين المواطنين”.

ويرسم أمل عرابي، وهو حقوقي وكاتب وناشط اجتماعي يركز على المجتمع العربي، في حديث مع “شومريم” الصورة ذاتها لمعاناة سائقي الحافلات. “سائقو الحافلات، سواء هنا في الشمال أو في المركز، يواجهون الكثير من الهتافات العنصرية والبصق والمعاملة غير المحترمة. ومن المهم في هذا السياق الإشارة إلى وجود تعليمات من شركات الحافلات للموظفين بعدم التعاون مع الصحفيين فيما يتعلق بهذا الموضوع”.

2 3
أمل عرابي. الصورة: بإذن من صاحبها

 

يصف عرابي باستفاضة ما يُعرّفه بالتباعد بين السكان الحريديم والعرب على خلفية عمليات الاستقطاب في إسرائيل، ويعدد عدة أسباب، أو “طبقات” بحسب تعبيره، “على المستوى السياسي، ربط الجمهور الحريدي مستقبله في العقد الأخير بنتنياهو بعلاقة ‘هات وخذ (أخد وعطاء)’؛ هذا الارتباط دفع الحريديم أكثر فأكثر نحو اليمين. وهناك طبقة سياسية (سبب سياسي) أخرى مشتقة من الصراع بين الصهيونية الدينية والحريديم؛ فتسرّب الشباب الحريدي إلى الصيهونية الدينية يقلق قادة الحريديم الذين يحاولون معرفة ما الذي يجذب شبابهم إلى حزب ‘عظمة يهودية’ (عوتسما يهوديت) ويجعلهم ينخرطون فيه”. أما الطبقة الثالثة (السبب الثالث) التي ينتبه الناس إليها بشكل أقل، بحسب رأيه، فتتعلق بالنقاش المستمر حول تجنيد الحريديم في الجيش الإسرائيلي. “إحدى الحجج التي تثار بخصوص ذلك هي ‘وماذا عن العرب’. لقد سمعنا هذا على لسان عدة أعضاء كنيست حريديم. هذا الأمر بطبيعته أثار خطاباً عدائياً تجاه الجمهور العربي الذي أصبح فجأة يُقدَّم على أنّه الطرف المستفيد من تجنيد الحريديم”.

وبعد كل هذه الأسباب، يخلص عرابي إلى أنّ السابع من أكتوبر أدّى إلى دفع الهوية الإسرائيلية نحو “مزيد من العسكرة التي تعد ركيزة جامعة وعنواناً بارزاً يمنح صاحبه الاحترام والمكانة والتعاطف الجماهيري”. ويعتقد عرابي أن الحريديم ليسوا شركاء في ذلك، ولذا يتعين عليهم البحث عن طريق غير مباشر وبديل للارتباط بالهوية الإسرائيلية. وباعتقاده، تؤدي كراهية العرب “هذه المهمة”.

“هكذا يتم الانخراط في الهوية الإسرائيلية”

في هذا الصدد، يعتقد د. آساف ملحي، الذي يبحث في المجتمع الحريدي منذ نحو 18 عاماً، أن نظرية عرابي معقولة ومن الممكن أن تكون هذه الطريقة هي بالفعل طريقة المجتمع الحريدي في “الانخراط” في الهوية الإسرائيلية بعد هجوم السابع من أكتوبر.

“إنه لأمر محزن الاعتقاد بأن ذلك يُشكِّل بالفعل جزءًا من الهوية الإسرائيلية، وهو بالتأكيد ليس جزءاً من القاسم المشترك الإيجابي الذي كنت أرغب في تطويره مع المجتمع الحريدي. ولكن في ظل غياب التربية على المواطنة والتاريخ، وعلى قيم مثل المساواة والتسامح والتعددية، فمن الواضح تماماً لماذا ينجذب الجمهور الحريدي تحديداً إلى هناك – إلى القاسم المشترك الأدنى المتمثل في العنصرية والكراهية تجاه الآخر”.

3
الدكتور آساف ملحي. تصوير: عوديد أنتمان، المعهد الإسرائيلي للديمقراطية

 

يشير ملحي إلى الدولة باعتبارها المسؤولة عن الإخفاق التعليمي في المجتمع الحريدي، ونتيجة لذلك أيضاً هي المسؤولة عن تصاعد العنصرية. “الدولة لا تأبه بتاتاً بالجمهور الحريدي؛ الأمر لا يهمها حقاً. كل ما يهم المنظومة السياسية هو بقاؤها، والصفقات السياسية لا تسمح بأي إصلاح. خلال العامين والنصف الماضيين، اتضح لنا بشكل حاد جداً أن وزارة التربية والتعليم ليس لها أي تأثير على ما يحدث في نظام التعليم الحريدي. إنه يُموَّل بشكل ضخم من قبل الدولة ولكن لا تشرف عليه الوزارة بأي شكل من الأشكال ولا يخضع لرقابتها. وهذا يعني أنّه ليس لدينا أي فكرة عما يحدث داخل الصفوف الدراسية وما تحتويه المناهج. كل ذلك يقود فعليًا أجزاء معينة من المجتمع الحريدي إلى التماهي مع عناصر عنصرية في المجتمع الإسرائيلي”.

يتفق ملحي مع تحليل عرابي ويلقي هو أيضاً المسؤولية على القيادة الحريدية، التي – على عكس القيادة الحاخامية في الماضي، وعلى رأسها الحاخام عوفاديا يوسف والحاخام شاخ التي كانت تُعتبر معتدلة – تتسبب في التطرف. “كما هو الحال في التيار الديني القومي، فقدت القيادة الحريدية أيضاً جزءاً كبيراً من القدرة على مراقبة أو ضبط الشارع. أسباب الظواهر التي نراها الآن هي، من بين أسباب أخرى، نتيجة لفقدان القيادة الحريدية اتجاهها”. ويقول ملحي إنه في الآونة الأخيرة ظهرت داخل المجتمع الحريدي أصوات مختلفة أيضاً، لكنه يضيف أنها لا تزال تمثل مجموعة ضعيفة نسبياً، تفتقر إلى القيادة والقدرة على التأثير في الشارع الحريدي أو على نظرته للعالم.

يتحدث البروفيسور كيمي كابلان، وهو مؤرخ متخصص بشكل أساسي في أبحاث المجتمع الديني والحريدي، ومحاضر في جامعة بار إيلان، عن أن جذور العنصرية في المجتمع الحريدي عميقة جداً. “هناك طبقات عديدة لهذا الأمر، مثل تعامل الحريديم الأشكناز مع الحريديم السفارديم، وهو تعامل عنصري واضح يتضمن إقصاءً بنيوياً لا يتم التستر عليه حتى؛ وهناك أيضًا الموقف السائد تجاه ‘التائبين العائدين إلى التدين (החוזרים בתשובה)’، والذي ينطوي على بُعد عنصري من خلال النظر إليهم كمن يعانون من عيب خلقي فطري لا يمكن إصلاحه، حيث لا تقتصر هذه الوصمة عليهم بل تمتد حتى إلى أبنائهم وأحفادهم. لذا فنحن نتعامل مع مجتمع يمكن تسميته، في قضايا مختلفة وعلى سبيل التعميم، بالعنصري”.

4
لبروفيسور كيمي كابلان، الصورة: بإذن من صاحبها

 

على خلفية ذلك، يضيف كابلان قائلاً إن الجمهور الحريدي يتحرك أيضاً باستمرار نحو اليمين، وهو مؤيد جداً لاستخدام القوة في الصراع، كما أن أجزاءً لا يستهان بها منه تعيش على خطوط التماس في مدن مثل “موديعين عيليت”، “بيتار عيليت”، “عمانوئيل” و”إلعاد”. “نحن نعلم جيداً ما يحدث لمن يعيش على خط التماس. الناس الذين يعيشون على خط التماس يمرّون بتوترات وأحداث مستمرة بشكل طبيعي. هذا الاحتكاك اليومي مع الفلسطينيين يتراكم مع الوقت ويؤثر على من يعيش هناك، وليس على الحريديم فحسب”.

بالنسبة للمراقب من الخارج، يبدو أن العنصرية قد تجذرت بعمق ولا يوجد أمل كبير في التغيير، لا من جانب مؤسسات الدولة ولا من جانب القيادة الحريدية. ومع ذلك، فإن كلًا من عرابي وبار إيلان من منظمة “قوة العمال”، يبديان تفاؤلاً معيناً عند حديثهم عن بوادر تغيير يشعرون بها مصدرها ما يُعرَف بـ”الحريديم العصريين” في المجتمع الحريدي.

في سنة انتخابية، من الصعب رؤية كيف يمكن لمبادرات محلية من هذا النوع أن تترسخ، فربما يحدث العكس، ولكنها لا تزال تمثل أصواتاً مختلفة، وهو أمر ذو أهمية كبيرة في مجتمع متجانس للغاية.

المقال مترجم ومنشور في وصلة بإذن خاصة من موقع شومريم.

مقالات مختارة

Skip to content