
منذ أربع سنوات، يعمل وسيم عبد النبي في بيع ملابس الأطفال على بسطة في حي الرمال بمدينة غزة. وخلال حرب الإبادة التي شنتها إسرائيل على القطاع، أجبرت الاجتياحات البرية المتكررة الشاب البالغ من العمر 30 عاماً على التوقّف عن العمل لأشهر متواصلة. ولكن حتى خلال فترات الهدوء النسبي، عندما كان عبد النبي يتمكن من العمل على بسطته، كان يواجه صعوبة بالغة في إجراء المعاملات المالية الأساسية مع الزبائن.
منذ بداية الحرب، منعت إسرائيل إدخال أوراق شيكل جديدة، وهكذا ساءت حالة الأموال الورقية التي في يد الناس، حتى أصبحت كميات كبيرة منها ممزقة وباهتة لدرجة يصعب التعرف عليها. ولا يستطيع التجار مثل عبد النبي قبول الأموال التالفة لأن التجار الذين يشترون منهم بضائعهم يرفضونها، ما يترك أهل غزة في كثير من الأحيان دون أي وسيلة للدفع النقدي.
في هذا السياق، يقول عبد النبي لموقع (972+): “كنت أقبل الأوراق المهترئة التي تحتوي على تمزقات صغيرة، حتى أدركت أن التجار الذين أشتري منهم بضاعتي لا يقبلونها. هذه الأوراق التالفة أصبحت عملياً بلا قيمة”.
منذ سريان وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي، تمكن عبد النبي من إعادة افتتاح بسطته، بعد إزالة الأنقاض التي خلفها الاحتلال الإسرائيلي خلال الاجتياح الأخير لشمال غزة. لكنه الآن، شأنه شأن معظم سكان غزة الذين يواجهون أزمة سيولة حادة واقتصاداً حطمته الحرب الإسرائيلية على القطاع، يجد نفسه عالقاً في حالة من الشلل المالي.
يقول عبد النبي: “السبب الرئيسي والوحيد لمعاناتنا المالية في غزة هو الاحتلال الإسرائيلي، فقد قصفوا البنوك في غزة ويستمرون في منع إدخال الكاش”. ويضيف: “غالبية الناس في غزة يعتمدون على التحويلات المالية أو الرواتب التي تُحوَّل إلى حساباتهم البنكية، ولكن مع إغلاق أجهزة الصراف الآلي والبنوك، لا يستطيع الناس سحب أموالهم”.
وبصفته المعيل الوحيد لعائلته المكونة من سبعة أفراد، يحاول عبد النبي استخدام أوراقه النقدية المهترئة لشراء الاحتياجات لأسرته، لكن البسطات والأكشاك القليلة التي لا تزال تقبلها ترفع أسعارها أو تفرض عمولات على كل عملية شراء. وأوضح قائلاً: “هم يبيعون بضائعهم بسعر مبالغ فيه إذا أراد الزبون الدفع باستخدام أوراق مالية تالفة، وتصل الزيادة أحيانًا إلى 40% مقارنة بالسعر الأصلي”.

على الرغم من تراجع حدة العدوان الإسرائيلي منذ وقف إطلاق النار في أكتوبر، إلا أن اقتصاد غزة لا يظهر سوى بوادر ضئيلة للتعافي. لقد أعادت بعض البنوك فتح أبوابها، لكنها لا تزال تفتقر إلى السيولة. وفي نهاية نوفمبر، حذر مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD) من أن غزة تمر بـ “الانهيار الاقتصادي الأسرع والأكثر تدميراً على الإطلاق”، حيث خسر الاقتصاد في القطاع 87% من قيمته التي كان عليها قبل الحرب. ويؤكد تقرير المؤتمر أنه في عام 2024، انخفض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في غزة إلى 161 دولاراً، وارتفع التضخم بنسبة 238 بالمئة، ما يعني أن جميع سكان القطاع البالغ عددهم 2.3 مليون نسمة أصبحوا تحت خط الفقر.
يقول عبد النبي: “كنت آمل أن تبدأ المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار، وأن تُفتح الحدود حتى أتمكن من استيراد البضائع من مصر. ومع ذلك، وبسبب القيود التي تفرضها قوات الاحتلال على دخول البضائع، أصبحت تكاليف النقل باهظة للغاية، وقررت الاستمرار في تأمين بضائعي من داخل غزة”.
لكن، في ظل الانخفاض الحاد في دخل سكان غزة وفي السيولة النقدية، لا يستطيع سوى قلة من الناس شراء سلعٍ غير أساسية مثل التي يبيعها عبد النبي، الذي يقول في هذا السياق: “حتى لو سحبوا أموالهم من خلال السماسرة الذين يتقاضون 30% أو 40% من قيمة المبلغ المسحوب، فلن تكون لديهم القدرة على شراء الملابس أو غيرها من السلع غير الأساسية؛ لأنهم الأولوية ستكون للطعام والمواصلات والدواء قبل الملابس”.
خلال الحرب، بدأ عدد متزايد من السكان الذين يملكون حسابات بنكية ومدخرات في استخدام التطبيق البنكي الخاص بقطاع غزة لإرسال واستلام الأموال، لتجنب الرسوم المرتفعة والمتقلبة باستمرار التي يفرضها سماسرة الكاش. ومع ذلك، لا تزال هناك عقبات خطيرة قائمة، وعلى رأسها ضعف الاتصال بالإنترنت في القطاع أو حتى انقطاع الإنترنت الكامل في كثير من الأحيان.
وحتى عندما ينجح عبد النبي في لفت انتباه أحد الزبائن وعرض بضاعته عليه (وهو أمر نادر)، فغالباً ما يكون من المستحيل إتمام عملية البيع. يقول عبد النبي: “بعد أن يقضي الزبون وقتاً في اختيار ما يريد ونتفق على السعر، أضطر أحياناً لإلغاء البيعة لأن الإنترنت ينقطع فجأة، خاصة في حي الرمال حيث أعمل”.
ويتابع عبد النبي: “لا أستطيع السماح للناس بأخذ ما يريدون والمغادرة قبل الدفع، لأنني لست متأكداً من قدرتهم على تحويل الأموال بعد رحيلهم. أنا أجني القليل جداً من المال من عملي، وإذا اشترى زبون أو اثنان ولم يدفعا، فقد أفلس وأضطر للإغلاق”.

“نصف راتبي يأخذه السماسرة”
لم يسلم أحدٌ في قطاع غزة من الأزمة المالية الخانقة، بدءًا من التجار مثل عبد النبي، وصولًا إلى الموظفين الحكوميين الذين لا يستطيعون الحصول على رواتبهم الكاملة. يوسف العجرمي (40 عامًا) هو موظف لدى السلطة الفلسطينية ضمن الحرس الرئاسي الفلسطيني. ومنذ تدمير منزله في بلدة بيت لاهيا شمالًا في أوائل عام 2024، يعيش مع عائلته المكونة من سبعة أفراد في خيمة بخان يونس.
عندما بدأت الحرب وكانت أجهزة الصراف الآلي لا تزال تعمل، كان العجرمي يقضي ساعات في طوابير طويلة للحصول على راتبه. يقول العجرمي لموقع (972+): “كان عليّ النوم في الشارع قرب الصراف الآلي فقط لأسحب مالي قبل أن تنفد الأموال في الجهاز“.
كانت بعض أجهزة الصراف الآلي خاضعة لسيطرة عصابات محلية تبيع أدوارًا في الطابور أمام الصراف الآلي بمبلغ يصل إلى 200 شيكل، وتقوم بترهيب السكان الذين يرفضون الدفع. وفي الأيام الأولى للحرب، كان العجرمي يغادر خيمته ليصطف أمام الصراف الآلي في الساعة الواحدة فجرًا، أي قبل الموعد بسبع ساعات.
يقول: “عندما تمّ فتح جهاز الصراف الآلي، قامت مجموعة من الأشخاص المسلحين بالعصي والسكاكين بإحداث فوضى أمام الطابور، حتى وصل الفريق الأمني التابع للبنك وبدأ بضرب الجميع، بمن فيهم أنا. انتهى بي الأمر طريح الفراش لمدة أسبوع”.
وفيما نفدت الأموال من أجهزة الصراف الآلي في شمال غزة خلال الأسابيع الأولى بعد 7 أكتوبر بسبب قوة الهجمات الإسرائيلية، تمكن موظفو البنوك من الاستمرار بتزويد الصرافات الآلية في جنوب القطاع. ومع ذلك، بعد الاجتياح الإسرائيلي لرفح في مايو 2024، أصبحت معظم أجهزة الصراف الآلي في أنحاء القطاع فارغة أو تضررت بالكامل دون يكون ممكنًا للبنوك إصلاحها، وهو ما يؤكده العجرمي وسكان آخرون تحدثنا معهم. وبحسب تقرير للبنك الدولي، بحلول فبراير 2025 لم يبقَ سوى صرّافين آليين يعملان في القطاع من أصل 94 جهازًا كانت تعمل قبل الحرب، ما أجبر الغزيين على اللجوء إلى سماسرة الكاش لسحب أموالهم.

خلال معظم فترة الحرب، لم يتلقَّ العجرمي سوى جزء من راتبه الشهري البالغ 1,500 شيكل. يقول لموقع (972+): “نصف راتبي تقريبًا يأخذه الوسطاء”. وحتى بعد وقف إطلاق النار، لا يزال العجرمي يعتمد على سماسرة الكاش للحصول راتبه، الذين تراجعت عمولاتهم مع ازدياد عدد المتاجر التي أصبحت تقبل التحويلات عبر التطبيقات البنكية.
وفي ظل غياب السيولة النقدية، وعدم إمكانية الاعتماد بشكل كامل على التحويلات الإلكترونية، وتأخر الرواتب أو تقليصها، لجأ العجرمي إلى الأقارب والأصدقاء لاقتراض المال. يقول: “ليس لدي خيارات؛ فدخلي الوحيد هو راتبي، في وقت ترفع فيه أسعار السلع الأساسية في غزة بشكل جنوني”. وأضاف: “لا يمكن لأي إنسان طبيعي أن يعتاد على العيش هكذا، بلا حول ولا قوة، دون أن يكون قادرًا على إعالة أسرته، بعد حرب الإبادة التي تركتنا بلا مأوى”.
تحديات العملات الرقمية
أدّت الأزمة المالية أيضًا إلى صعوبة تلقي سكان غزة للتحويلات المالية من الخارج. فقبل الحرب، كان سامي رياض، البالغ من العمر 36 عامًا من مدينة غزة، يتلقى أموالًا من شقيقته المقيمة في كندا لدعم أسرته المكوّنة من أربعة أفراد، وكان يسحب هذه الأموال عبر بنك فلسطين. لكن مع إغلاق بنوك غزة بفعل القصف الإسرائيلي والاجتياحات البرية، لم يعد أمام رياض خيار سوى اللجوء إلى مكاتب الصرافة وتحويل الأموال.
لفترة قصيرة، اعتمد رياض على “باي بال” (PayPal) و”ويسترن يونيون” (Western Union)، إلى أن فُرِضَتْ قيود تقييد على هذه الخدمات أيضاً أو جرى تعليقها، وهو ما يصفه العديد من الفلسطينيين بأنه جزءٌ من خطة إسرائيلية ممنهجة تستهدف حدوث انهيار اقتصادي كامل في غزة. يقول رياض: “كنتُ أشعر بالعجز؛ لم يكن لدي أموال لشراء الطعام ودفع تكاليف المواصلات أثناء النزوح من مكان إلى آخر. أرادت شقيقتي إرسال المال لي، لكن لم تكن هناك وسيلة لاستلامه”.
بحسب وجيه عجور (42 عاماً)، الذي يعمل منذ 8 سنوات في عددٍ من مكاتب تحويل الأموال وصرافة العملات في غزة، فقد جرى قطع هذه الخدمات بعد أشهر قليلة أعقبت السابع من أكتوبر. يقول عجور: “حجبت إسرائيل العديد من قنوات التحويل المالي مثل ويسترن يونيون، وكانت مكاتب تحويل الأموال في الخارج تستجوب مرسلي الأموال إلى غزة بأسئلةٍ لا حصر لها، عن سبب الحوالة ولمن يرسلونها وغيرها من الأسئلة”.

مع إغلاق القنوات المالية التقليدية، اكتسبت العملات الرقمية — التي كانت غير معروفة إلى حد كبير في غزة قبل الحرب — موطئ قدم كواحدة من الوسائل المالية القليلة التي لا تخضع لرقابة السلطات الإسرائيلية. يوضح عجور قائلاً: “العملات الرقمية لا تتطلب الكثير من التفاصيل، وبمجرد وصول الحوالة، يمكن سحبها فوراً”.
طوال سبعة أشهر بعد 7 أكتوبر، لم يتمكن رياض من استلام أي مبلغ مالي حولته له من عائلته في الخارج، حتى أخبره أحد أصدقائه عن العملات الرقمية. يقول رياض: “تلقيتُ 500 USDT من شقيقتي”، في إشارة إلى العملة الرقمية المرتبطة بالدولار الأمريكي. وأضاف: “وصلت هذه الأموال في غضون دقائق، لكن المشكلة كانت في العثور على اتصال مستقر بالإنترنت للتواصل مع المسؤولين عن عملية التحويل واستلام رمز التحويل”.
وبالفعل، في ظلّ معاناة القطاع من انقطاع كامل للكهرباء وعدم استقرار الإنترنت بسبب الهجمات الإسرائيلية، أصبح استخدام العملات الرقمية بدوره محفوفًا بالمخاطر ويفتقر إلى الاستقرار.
يقول عجور: “في كثير من الأحيان، كنا نفقد الاتصال أثناء المعاملات ونضطر لإلغاء الصفقات”. خلال وقف إطلاق النار في مطلع عام 2025، اشترى ألواحاً شمسية بـ10 أضعاف سعرها الطبيعي لتأمين اتصال أفضل بالإنترنت وإتمام عمليات تبادل العملات الرقمية. وبعد ثلاثة أشهر، تضررت الألواح بفعل غارة جوية إسرائيلية ولم تعد صالحة للاستخدام.
العديد من المتاجر الكبيرة في غزة، إلى جانب عدد متزايد من الباعة المتجولين وأصحاب المشاريع الصغيرة، أصبحوا الآن يقبلون العملات الرقمية كوسيلة للدفع، وإن كان ذلك غالباً بأسعار مرتفعة. لكن طوال معظم فترة الحرب، كان تحويل العملة الرقمية إلى أوراق مالية ملموسة يمثل تحدياً كبيراً، في وقت كانت فيه البنوك وأجهزة الصراف الآلي خارج الخدمة تماماً. يقول رياض: “معظم المحلات كانت تقبل الكاش فقط، وكان عليّ تكييش مئة USDT وخسارة أكثر من 30% من قيمتها؛ لكن لم لديّ خيار آخر”.
عدم الاستقرار المتعلق بالعملات الرقمية كان مصحوبًا بمخاطر آخرى، أبرزها إغلاق المحافظ الرقمية. فقد تم تجميد محفظة “عجور” على منصة “بينانس” (Binance) منذ أربعة أشهر، ما حرمه من الوصول إلى أموال بقيمة 100,000 دولار. يقول لمجلة (972+): “عندما راسلت المنصة، قالوا إن الإغلاق جاء بناءً على شكوى تفيد بأن الأموال ستُستخدم لدعم الإرهاب أو غسيل الأموال”.
اكتشف عجور رابطاً في حسابه على “بينانس” يتضمن كلمات باللغة العبرية، ويحتوي على عنوان بريد إلكتروني للتواصل بخصوص الشكوى. وبعد التواصل، وصله ردٌ على بريده الإلكتروني — والذي كان بالعبرية أيضاً — يقول بأنّ محفظته الإلكترونية “تلقت أموالاً لدعم الإرهاب”، وهو ما يدفع عجور للاعتقاد بأن السلطات الإسرائيلية هي المسؤولة عن تجميد حسابه. وأضاف: “علمت أن العديد من الحسابات الأخرى في غزة أُغلقت بالادعاءات ذاتها”.
يعتقد البعض أن هذه العوائق الجديدة المفروضة على العملات الرقمية هي جزء من استراتيجية أوسع لتجفيف ما تبقى من موارد غزة المالية. يقول عجور: “إنهم لا يسمحون بدخول الكاش إلى غزة، والبنوك لا تعمل، والناس لا يمكنهم الوصول إلى حساباتهم إلا من خلال الوسطاء. إسرائيل تريد زيادة معاناة الناس بكل وسيلة ممكنة”.
*”أحمد أحمد” هو اسم مستعار لصحفي من مدينة غزة طلب عدم الكشف عن هويته خوفاً من الانتقام.












