
بالنسبة لمعظم مواطني إسرائيل، تمثل عبارة “خارج التغطية” خللًا مؤقتًا ومزعجًا. لكن بالنسبة لمئات الآلاف من السكان البدو في النقب، يُعد هذا واقعًا يوميًا ثابتًا. في عصر تُدار فيه قطاعات العمل، والأوساط الأكاديمية، والخدمات الحكومية والطبية بالكامل تقريبًا عبر الشبكة، لم يعد الاتصال المستقر بالإنترنت ترفًا، بل شرطًا أساسيًا للحياة المدنية. غير أن هذا التحقيق يكشف أن هذا الشرط الأساسي لا يزال مجرد طموح بعيد المنال لقطاعات واسعة من السكان البدو في الجنوب.
حتى في البلدات المعترف بها والتي تحظى باعتراف مؤسساتي، يبدو الواقع الميداني بعيدًا كل البعد عن الصورة المنظمة. فخلف واجهة البلدات الثابتة التي تضم شوارع وأحياء مخططة ومظهرًا حضريًا منظمًا، تختبئ في كثير من الأحيان بنية تحتية متهالكة للإنترنت وتغطية خلوية ضعيفة للغاية. تنقطع المكالمات الهاتفية في منتصفها، وتتعطل دروس “زوم”، وفي بعض الأحيان تنعدم إمكانية الاتصال بالشبكة من الأساس. تعمل هذه البلدات في ظل قيود قاسية وبنيوية تعرقل الروتين اليومي للسكان في كل ساعة، وتُظهر فجوة عميقة بين التخطيط المادي على الورق، وجودة الحياة الرقمية على أرض الواقع.
تعاني البلدات من نقص حاد في البنية تُربك روتين الحياة اليومية للسكان في كل لحظة، وتجسد الفجوة بين التخطيط الهيكلي على الورق وبين جودة الحياة الرقمية على أرض الواقع. وتؤكد ديما أسعد من “اتحاد الإنترنت الإسرائيلي” أن الأمر لا يتعلق بحدثٍ عارض، حيث تقول: “إن مشكلة الإنترنت في المجتمع البدوي في النقب ليست خللًا عابرًا، بل هي جزء من فشل بنيوي واسع يرتبط بالنقص الشامل في البنى التحتية الأساسية”.

وتُبرز البيانات البحثية عمق الأزمة: فوفقًا لتقرير “متصلون لكن غير متساوين” الصادر عن اتحاد الإنترنت الإسرائيلي، في حين تبلغ نسبة الاتصال المنزلي بالإنترنت في إسرائيل 78%، تهبط هذه النسبة في البلدات البدوية المعترف بها في النقب إلى 34% فقط. 2% فقط من السكان متصلون بشبكات الألياف الضوئية، مقارنة بـ 41% في المجتمع اليهودي. ويعتمد نحو 42% من السكان على الاتصال الخلوي حصرًا، والذي يستند في الغالب إلى تقنية الجيل الثالث (3G) القديمة، مما يوفر تصفحًا بطيئًا وغير مستقر.
هل البلدات المعترف بها معزولة هي الأخرى عن الشبكة؟
تتبدد الفرضية السائدة بأن مشاكل الاتصالات تقتصر فقط على القرى غير المعترف بها، وذلك عند اصطدامها بشهادات الخبراء والسكان في البلدات الثابتة. يواجه طارق أبو غليون، صاحب متجر اتصالات في “شقيب السلام” وناشط اجتماعي، هذه الأزمة يوميًا عبر زبائنه، ويقول: “أزمة البنية التحتية لا تستثني البلدات المعترف بها، التي تعاني من إهمال مستمر من قبل السلطات وشركات الاتصالات. خذوا على سبيل المثال تل السبع، وهي بلدة معترف بها بكل ما للكلمة من معنى. وبسبب قربها الجغرافي من عومر، يتمتع بعض السكان بتغطية معقولة، لكن من يسكن في وسط البلدة أو في مناطق داخلية أخرى يكون مقطوعًا تمامًا”.

ويشير أبو غليون إلى نقطة فشل مماثلة في مدينة رهط: “هناك أحياء في مدينة رهط تفتقر إلى خطوط الهاتف الأرضي (بيزك)، مما يجعل الناس معزولين تمامًا عن العالم. أنا ألمس معاناة زبائني يوميًا، وقد توجهت مرات لا تحصى إلى قسم الهندسة في شركة ‘بيلفون’، لكن شيئًا لم يتغير”.
كيف تبدو الحياة اليومية في ظل غياب شبكة اتصالات مستقرة؟
هذا الواقع يضطر العاملين في قطاع التكنولوجيا المقيمين في هذه البلدات إلى إجراء تعديلات استثنائية على عملهم. رامي أبو سريحان، ابن بلدة تل السبع ويعمل مهندس نظم معلومات في شركة ناشئة بهرتسليا، يكشف عن الضريبة المهنية التي يضطر لدفعها، ويقول: “الإنترنت في البلدة سيء جدًا، والبنية التحتية معيبة وغير مستقرة. عندما أرغب في العمل من المنزل، أتجنب مسبقًا المهام التي تتطلب اتصالًا بالإنترنت، وأكتفي فقط بما يمكن إنجازه بدونه. أحيانًا لا توجد تغطية إطلاقًا، ولا توجد وسيلة للاتصال”. ويؤكد أبو سريحان أن هذا يمثل مساسًا مباشرًا بحق أساسي لكل عامل اليوم في مجال الهايتك، وهو الحق في العمل عن بُعد.
“لماذا يقطع الطلاب مسافات طويلة مجبرين للوصول إلى شبكة الإنترنت؟”
تفرض الفجوة الرقمية ثمنًا باهظًا أيضًا على الجيل الشاب الذي يحاول الاندماج في الأكاديمية وعالم ريادة الأعمال. يصف عمر (اسم مستعار)، وهو طالب هندسة برمجيات في جامعة بن غوريون يسكن في قرية غير معترف بها في منطقة ديمونة، دراسته بأنها “رحلة يومية مرهقة”. فمن أجل المشاركة في دروس “زوم” وتسليم المهام الدراسية، يضطر للسفر حتى بلدة عرعرة النقب أو إلى مركز جماهيري بعيد تتوفر فيه إمكانية الوصول للشبكة.
هل حلّت الألياف الضوئية المشكلة حقاً؟
حتى في المدن الأكبر، مثل رهط، يخوض الطلاب والرياديون صراعًا يوميًا. يصف ضياء نصاصرة، وهو من سكان رهط ويعمل مستشارًا في مجال ريادة الأعمال التكنولوجية، ويجمع بين عمله بدوام كامل والدراسة في الجامعة المفتوحة، صورة مركبة لتحسن جزئي في البنى التحتية يقابله انهيار في الشبكات الخلوية: “اليوم، يمكنني وصف حالة البنية التحتية للإنترنت المنزلي بالممتازة؛ فمنذ دخول الألياف الضوئية إلى رهط، أصبح الإنترنت مستقرًا ويعمل بسلاسة. في المقابل، لا تزال التغطية الخلوية إشكالية للغاية، وكثيرًا ما تتعرض للانقطاع. ليست كل مناطق رهط تتمتع بتغطية خلوية جيدة، وأحيانًا أتواجد في أماكن داخل المدينة دون إنترنت ودون تغطية إطلاقًا. حتى الآن، تنقطع مكالمات العمل فجأة، وأضطر للصعود فوق السطح فقط لأستطيع الكلام”.

وتعاني البلدات أيضًا من شبكات طاقة متهالكة تؤدي إلى تعطيل الميزات التي توفرها بنية الألياف الضوئية المتقدمة. “المشكلة الأكثر شيوعًا لدي هي انقطاعات الكهرباء”، يقول ضياء. “في الأسبوع الماضي، كان لدي اجتماع ‘زوم’ مهم للغاية، وفي منتصفه انقطعت الكهرباء. اضطررت للصعود إلى الطابق الثالث لالتقاط تغطية خلوية وإكمال الاجتماع عبر الهاتف، لكن الاتصال كان متقطعًا. حلي المؤقت في مثل هذه المواقف هو ببساطة السفر إلى بئر السبع أو إلى الجامعة”.
وعندما سُئل ضياء كيف يقارن ظروفه بظروف الطلاب في مناطق أخرى من البلاد، كانت إجابته قاطعة: “هذه مقارنة تشبه المقارنة بين دولة من العالم الثالث ودولة متقدمة. أنا أتواجد كثيرًا في تل أبيب وأختبر الفروقات في البنية التحتية عن كثب. ذات مرة أجريت محادثة مع زميل حول ما سيحدث إذا انقطع الإنترنت لمدة ساعة، وبدأ يصف ذلك وكأنه كارثة نووية. عندما أخبرته عن وضعنا، لم يفهم حقًا كيف يمكن العيش بهذه الطريقة. هذا لا يؤثر بشكل مباشر على خياراتي المهنية، لكنه بالتأكيد يُحبط العزيمة. الفرق بين البنية التحتية المتاحة لي وتلك الموجودة في بقية أنحاء البلاد هو كالفرق بين السماء والأرض. أشعر بالغضب تجاه الوضع، إلى جانب أمل في إصلاح سريع، خاصة فيما يتعلق بشبكة الهواتف الخلوية”.

كيف تتحول الفجوة في البنية التحتية إلى تفاوتٍ في الفرص؟
يعرّف البحث الذي أجراه كل من د. هامة أبو كشك ود. ليئور سولوموفيتش من كلية “سابير” هذا الواقع بـ “الفجوة الرقمية المزدوجة”. فالمجتمع البدوي في النقب (الذي يبلغ تعداده نحو 270 ألف نسمة، منهم نحو 120 ألفًا في القرى غير المعترف بها) يعاني من تأخر هائل في البنية التحتية، ليس فقط مقارنة بالمجتمع اليهودي، بل أيضًا مقارنة بالمجتمع العربي في شمال ووسط البلاد. ويؤكد الباحثون أن هذا الانقطاع يُترجم مباشرة إلى إقصاء عن التعليم العالي وعن الوظائف النوعية، مما يعمق حالة الفقر القائمة.
من المتضرر الأكبر من هذه الفجوة؟

يقع الضرر بشدة خاصة على النساء؛ إذ تُفيد نحو 65% من الطالبات البدوية بتعرضهن لضغوط عائلية لاختيار تخصصات تقليدية، إلى جانب رقابة اجتماعية، وهو ما يجعل الوصول إلى الفضاء الرقمي أمرًا حاسمًا بالنسبة لهن.
ماذا يحدث عندما تتقاطع الأزمة مع أوقات الطوارئ؟
أما في أوقات الطوارئ والحروب، فتتجلى هذه الفجوة بكل قسوتها، لتخلق مأزقًا مزدوجًا: فمن جهة، يفتقر الطلاب إلى الأدوات والاتصال اللازم للتعليم عن بُعد، ومن جهة أخرى، المنزل نفسه ليس محميًا فعليًا.” وفقًا لتقرير مراقب الدولة، يعيش 46% من المواطنين في المجتمع العربي في إسرائيل بدون ملاجئ مطابقة للمواصفات والمعايير، مقارنة بنحو 26% في عموم السكان، بينما يبقى أكثر من نصف السكان في البلدات البدوية المتاخمة للحدود دون أي حماية على الإطلاق. إن الفجوة الرقمية وفجوة الحماية هما وجهان لعملة واحدة من الإهمال البنيوي.
هل تأتي الحلول من الميدان؟
وفي ظل هذا الفراغ، يجد الناشطون الاجتماعيون والجهات المحلية أنفسهم مضطرين للتدخل ومحاولة إيجاد حلول اتصالات مستقلة من قلب الميدان. أحد الأمثلة البارزة على هذه المبادرات النشطة هو عمل طارق أبو غليون في تل السبع. لم يكتفِ أبو غليون بتقديم الشكاوى لشركات الاتصالات، بل حشد المجلس المحلي لصالح حل عملي وملموس: “في إطار إحدى مبادراتي، قدت تعاونًا مباشرًا مع قسم الهندسة في المجلس المحلي بتل السبع. ونجحنا معًا في الدفع نحو حل ملموس، وهو إقامة برج اتصالات خلوي (أنتينا) جديد فوق سطح مبنى المجلس، بهدف تحسين جودة التغطية للسكان في المنطقة”.
ومع ذلك، فإن قصة إقامة البرج الخلوي في تل السبع تؤكد أنه إلى جانب اللامبالاة المؤسساتية، يضطر الناشطون ميدانيًا لمواجهة تحديات داخلية أيضًا. يوضح أبو غليون أن الخطوة واجهت حواجز ثقافية واجتماعية داخل المجتمع نفسه: “من المهم الإشارة إلى أنه إلى جانب النجاح، لا تزال هناك معارضة شديدة من قبل بعض السكان في البلدة. فكثيرون يرفضون السماح بوضع أبراج اتصالات داخل الأحياء بسبب مخاوف صحية مختلفة، وهو ما يُعقّد عملية النشر الواسع والمستقر للشبكة”.
مبادرة أخرى يقترحها باحثون ميدانيون تأتي من تكنولوجيا الأقمار الصناعية. يقترح حبيب مخول، الباحث في مركز “مدى الكرمل” للأبحاث، توفير الإنترنت عبر أنظمة Starlink، ويقول: “نحن نتحدث عن حل إبداعي وسهل وغير مكلف، يمكن أن يشكل بديلًا لآلاف الأشخاص. يمكن تثبيت النظام في مبنى مركزي أو عام في البلدة، وربطه بالطاقة الشمسية، مما يوفر في تكاليف الصيانة. وسيدفع السكان رسوم مشاركة رمزية مقابل الحصول على إنترنت أقوى بكثير”. ويضيف مخول: “جهاز واحد يمكنه تزويد عدة منازل بإنترنت سريع، كما أن المنظومة لا تتطلب تكاليف صيانة تُذكر، وكل ما سيتوجب على السكان فعله هو تنظيف اللوح الشمسي بين الحين والآخر”. ويرهن مخول نجاح المبادرة في النهاية بمدى تقبل المجتمع لها وقناعته بجدواها المباشر.

ورغم أهمية هذه المبادرات، إلا أنها تثير أسئلة معقدة تتعلق بثقة الشارع والمخاوف الصحية، وتؤكد أن الحلول الموضعية لا يمكن أن تشكل بديلًا عن سياسة حكومية شاملة وطويلة المدى. إن غياب هذا الملف عن جدول الأعمال العام والسياسي يترك الميدان معتمداً بشكل أساسي على المبادرات المحلية.
ردّ وزارة الاتصالات: “من المتوقع استكمال نشر شبكة الألياف الضوئية هذا العام”
في ردها، قالت وزارة الاتصالات إنها تولي أهمية بالغة لسد الفجوات في مجال الاتصالات بالبلدات العربية والبدوية في الجنوب، وتعمل على توسيع نطاق التغطية. وأوضحت الوزارة أنه من بين نحو 393 ألف أسرة مشمولة بخطة التغطية الإلزامية في هذه البلدات، أنجزت شركة “بيزك” البنية التحتية للألياف الضوئية لنحو 368 ألف أسرة، على أن يُستكمل تزويد باقي الأسر بالخدمة خلال العام الجاري.
كما أشارت الوزارة إلى أن نشر الشبكة المتقدمة يلبي الأهداف الحكومية المحددة (80% من الأسر في هذه البلدات)، وتجري حاليًا دراسة العروض المقدمة لمناقصة تشمل نحو 13 ألف أسرة إضافية. أما بشأن ضعف التغطية الخلوية، فأكدت الوزارة أنها تجري متابعة مستمرة مع شركات الاتصالات والسلطات المحلية في النقاط التي تواجه تعقيدات في التركيب.
وأضافت الوزارة أن إجراءات إقامة الأبراج الخلوية تصطدم بمعارضة محلية، وبغياب التعاون من قِبل بعض السلطات، وصولًا في بعض الحالات إلى أعمال تخريب وتفكيك المحطات القائمة، مؤكدة أنها تنسق مع القيادات المحلية لتجاوز هذه العقبات.










