
دفعت الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز قطر إلى خفض ميزانيتها لعام 2026 بنسبة 30%، بعدما كانت محددة في الأصل بـ61 مليار دولار، كما قررت خفض حجم استثماراتها خارج البلاد 85%، بحسب صحيفة فايننشال تايمز. وتعرضت دول الخليج عمومًا لأضرار اقتصادية بسبب الحرب وتراجع قدرتها على تصدير النفط والغاز الطبيعي المسال، لكن الضرر الذي أصاب قطر كان الأكبر بسبب اعتماد اقتصادها بدرجة كبيرة على صادرات الغاز.
وتدير قطر استثماراتها الخارجية من خلال جهاز قطر للاستثمار (QIA)، وهو صندوق الثروة السيادي للدولة. ولا تُنشر جميع تفاصيل استثماراته، لكن قطر كانت تخطط لاستثمارات بقيمة 500 مليار دولار في الولايات المتحدة خلال السنوات العشر المقبلة في التكنولوجيا والبنية التحتية والطاقة، إضافة إلى 10 مليار دولار في الهند في البنية التحتية والتكنولوجيا والصناعة. كما اتفقت مع إندونيسيا على إنشاء صندوق استثماري مشترك تساهم فيه كل دولة بملياري دولار للاستثمار في الصناعة والطاقة المتجددة والصحة. وفي إطار علاقاتها مع تركيا، تعهد البلدان برفع حجم التجارة بينهما إلى 5 مليار دولار. وقد يؤدي الخفض الكبير في الاستثمارات الخارجية إلى تقليص بعض هذه الاستثمارات المخطط لها.
وتضررت جميع دولل مجلس التعاون الخليجي من تراجع القدرة على تصدير النفط والغاز الطبيعي المسال، ما أدى إلى تباطؤ كبير في نمو اقتصاداتها خلال 2026. لكن قطر تواجه الضرر الأكبر، إذ يتوقع صندوق النقد الدولي أن ينكمش اقتصادها 8.6% حتى نهاية العام. ويرتبط ذلك باعتمادها الكبير على الغاز الطبيعي المسال، الذي شكّل 34.7% من الناتج المحلي الإجمالي في العام الماضي، بحسب البيانات الرسمية القطرية.
ويهدد تعطل صادرات الغاز أيضًا مكانة قطر باعتبارها موردًا رئيسيًا وموثوقًا للغاز الطبيعي المسال. ففي 2025، أصبحت ثاني أكبر مصدّر للغاز الطبيعي المسال في العالم بصادرات بلغت 81.5 مليون طن، متقدمة على أستراليا التي صدرت 80.3 مليون طن، بينما احتلت الولايات المتحدة المركز الأول بـ110.7 ملايين طن. وشكلت صادرات الدول الثلاث مجتمعة 63% من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًا.
ومع استمرار إغلاق مضيق هرمز، وهو الممر البحري الوحيد الذي يربط الخليج بالخارج، توقعت وكالة الطاقة الدولية الشهر الماضي انخفاض الطلب العالمي على الغاز الطبيعي 0.5% حتى نهاية العام مقارنة بالعام الماضي. وانخفض إنتاج الغاز الطبيعي المسال في قطر والإمارات خلال الفترة من مارس إلى يونيو قرابة 80% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
ولا يُتوقع أن تنتهي أضرار قطاع الغاز القطري بمجرد التوصل إلى وقف لإطلاق النار مع إيران وإعادة فتح مضيق هرمز. فقد استهدفت إيران في مارس مجمع رأس لفان القطري، حيث تتم معالجة الغاز وتحويله إلى غاز طبيعي مسال معدّ للتصدير. وقالت قطر إن المنشأة المتضررة، التي كانت مسؤولة عن 17% من صادراتها من الغاز الطبيعي، قد تحتاج إلى خمس سنوات للعودة إلى العمل بصورة طبيعية.
وبسبب الأضرار التي لحقت بمنشأة رأس لفان، فعّلت قطر بند القوة القاهرة في عدد من عقود التوريد، أي إنها أبلغت الأطراف المتعاقدة معها بأنها غير قادرة على تنفيذ بعضًا من التزاماتها بسبب ظروف استثنائية خارجة عن سيطرتها. ويُتوقع أن يؤدي تعطل المنشأة إلى خسارة قطر 20 مليار دولار من الإيرادات سنويًا حتى إصلاحها.
وتحاول قطر الحفاظ على زبائنها الرئيسيين في شرق آسيا حتى في ظل عدم قدرتها على تزويدهم بالغاز القطري بالكميات المعتادة. وفي إطار هذه الجهود، توجه وزير المالية القطري علي الكواري إلى الساحل الغربي للولايات المتحدة بهدف شراء شحنات غاز طبيعي مسال أميركية من السوق الفورية (Spot Market)، رغم أن أسعارها أغلى، ثم إرسالها إلى زبائن قطر في آسيا. واشترت قطر 33 شحنة من شركة Venture Global الأميركية، وبحسب رويترز، كانت وجهاتها اليابان وكوريا الجنوبية والهند وبنغلادش وتايوان. والهدف من هذه الخطوة هو الاستمرار في تزويد الزبائن والحفاظ على سمعة قطر كمورد موثوق للغاز.
وتخشى قطر أن تستغل السعودية تراجع قدرتها على تصدير الغاز من أجل تعزيز موقعها في السوق. وفي هذا الصدد، عقد مسؤولون قطريون اجتماعات مع مسؤولين جزائريين للبحث عن حلول لأزمة صادرات الغاز. وقد تكون الأضرار الاقتصادية التي لحقت بقطر أكبر مما تعلنه الدوحة رسميًا، لكن حجمها الفعلي لا يزال غير معروف.
وقدّر فاروق سوسة، الاقتصادي المختص بشؤون الشرق الأوسط في غولدمان ساكس، في حديث مع فايننشال تايمز، أن قطر والكويت تخسران حاليًا إيرادات من صادرات الطاقة تتراوح بين 1.5 وملياري دولار أسبوعيًا. وتتعرض الدولتان لأضرار أكبر من بعض الدول الخليجية الأخرى لأن صادراتهما تعتمد بدرجة أكبر على المرور عبر مضيق هرمز. ففي المقابل، تستطيع السعودية الوصول إلى البحر الأحمر عبر ساحلها الغربي، بينما تمتلك الإمارات منفذًا في الفجيرة خارج مضيق هرمز. وقال سوسة إن دول الخليج تتحمل خسائر كبيرة ومكلفة، لكنها في معظمها دول غنية وقادرة على استيعابها ماليًا. وأضاف أن السؤال الأساسي هو ما إذا كانت هذه الخسائر ستستمر فترة طويلة، وإلى أي مدى ستضر بقدرة اقتصادات الخليج على النمو مستقبلًا.
وقد تمتد آثار الأزمة القطرية إلى استثمارات الدوحة في أنحاء العالم، وكذلك إلى أولوياتها السياسية. وقد تضطر قطر إلى تقليص استثماراتها في بعض الدول والمجالات إذا استمرت الأضرار الاقتصادية وتفاقمت.










