
تفرض 54 دولة في أنحاء العالم عقوبات على إسرائيل، تشمل عقوبات تجارية، وأخرى على مسؤولين إسرائيليين، وعقوبات أكاديمة تتعلق بمقاطعة الجامعات والمؤسسات البحثية الإسرائيلية. ووصل عدد العقوبات المطبّقة حاليًا إلى 110 عقوبة، بينها 93 عقوبة في مجالات مختلفة و17 عقوبة فرضتها مؤسسات أكاديمية. وهناك أيضًا مقترحات لفرض 10 عقوبات إضافية على إسرائيل، لكنها لم تُطبّق حتى الآن.
في هذا الصدد، يحذّر شوكي فريدمان، رئيس معهد سياسات الشعب اليهودي، في حديثه مع صحيفة داماركر، من أن هذه العقوبات قد تتوسّع لتشمل البنوك الإسرائيلية واستيراد المكوّنات اللازمة لصناعة الأسلحة، ما قد يعرّض الاقتصاد الإسرائيلي لأضرار خطيرة. ويتابع فريدمان العقوبات المفروضة على إسرائيل ويوثّقها في قاعدة بيانات تضم 138 عقوبة، من بينها عقوبات مطبّقة حاليًا وأخرى لم تعد مطبّقة. وتتصدر إسبانيا قائمة الدول التي اتخذت خطوات عقابية ضد إسرائيل، بعشرة عقوبات، تليها الولايات المتحدة بثماني عقوبات فرضتها مؤسسات أكاديمية أمريكية، ثم بريطانيا بسبع عقوبات، وبلجيكا وتركيا بخمس عقوبات لكل منهما. وتفرض إيطاليا وإيرلندا وهولندا وكندا وفرنسا ثلاث أو أربع عقوبات لكل دولة.
ومن أحدث الخطوات ضد إسرائيل إعلان لوكسمبورغ، قبل شهر، أنها لن تواصل المصادقة على إصدار سندات «البوندس» الإسرائيلية في الاتحاد الأوروبي. وهذه السندات تستخدمها إسرائيل لاقتراض الأموال، وتُباع أساسًا لليهود المقيمين خارجها. وكانت لوكسمبورغ قد تولّت هذه المهمة قبل سنة، بعدما رفضت إيرلندا مواصلة المصادقة على إصدارها، بعد أن قامت بذلك لسنوات طويلة. وبذلك، رفضت دولتان أوروبيتان خلال سنة واحدة الاستمرار في تقديم هذه الخدمة المالية لإسرائيل، في ظل الانتقادات الدولية الموجّهة إليها بارتكاب إبادة جماعية.
ولم تجد إسرائيل حتى الآن دولة أوروبية بديلة توافق على إصدار هذه السندات. وتبلغ قيمة سندات البوندس المباعة سنويًا 2.5 مليار دولار، ولذلك فإن وقف إصدارها في أوروبا لن يسبّب ضررًا اقتصاديًا كبيرًا لإسرائيل. لكن الخطوة تشير إلى تراجع استعداد الدول الأوروبية للتعاون المالي معها، وتثير مخاوف من فرض قيود مالية إضافية على إسرائيل مستقبلًا.
ويحذّر فريدمان في حديثه مع الصحيفة من أن إسرائيل قد تواجه عقوبات مشابهة لتلك المفروضة على إيران وروسيا. ويقول إن ما تفعله إسرائيل بإيران من خلال العقوبات قد يفعله العالم بإسرائيل، وإن تجاهل هذه التطورات قد يضعها في وضع مشابه لروسيا، رغم أن مساحة إسرائيل أصغر من مساحة روسيا بـ800 مرة، ولا تمتلك مواردها الطبيعية.
ومن أبرز العقوبات المفروضة حظر استيراد منتجات المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة. وخضع مسافرون إسرائيليون خلال الأسابيع الأخيرة لتفتيش حقائبهم في مطار أمستردام، للتأكد من عدم إدخال منتجات محظورة، منها النبيذ المصنوع في الجولان. كما فُرضت عقوبات شخصية على وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش، شملت منعهما من دخول معظم الدول المتقدمة اقتصاديًا.
ويقول فريدمان إن حظر منتجات المستوطنات قد يؤثر أيضًا على بيع المنتجات الإسرائيلية الأخرى في الأسواق الأوروبية. فالشركات الأوروبية التي تستورد بضائع من إسرائيل قد تفضّل التوقف عن شرائها، بدلًا من فحص كل منتج للتأكد من أنه لم يُصنع في المستوطنات. ويحذّر كذلك من احتمال امتناع مستثمرين أجانب عن الاستثمار في إسرائيل، خشية التعرّض لعقوبات أو مشكلات قانونية.
ويعتبر فريدمان أن من أخطر العقوبات المحتملة منع بيع منتجات لإسرائيل يمكن استخدامها للأغراض المدنية والعسكرية، مثل الرقائق الإلكترونية. ويوضح أن الصناعات العسكرية الإسرائيلية تعتمد على مكوّنات مستوردة، ولا توجد منظومات سلاح إسرائيلية معقّدة تُصنّع جميع أجزائها داخل البلاد. ولذلك، فإن منع تصدير الرقائق الإلكترونية إلى إسرائيل قد يصعّب عليها تصنيع الأسلحة التي تحتاج إليها.
وتشمل مخاوف فريدمان أيضًا احتمال فرض عقوبات على البنوك الإسرائيلية. فقد أعلنت بريطانيا وفرنسا وكندا قبل شهر فرض عقوبات على شركات تعمل في الأراضي المحتلة، فيما أعلنت تسع دول أخرى تأييدها لهذه الخطوة، لكنها لم تفرض عقوبات فعلية بعد. ولم تُنشر حتى الآن التفاصيل الرسمية لهذه العقوبات، وهناك مخاوف في إسرائيل من أن تشمل البنوك التي تموّل مشاريع البناء في المستوطنات، وخصوصًا مشروع البناء الكبير في منطقة E1 المجاورة لمستوطنة معاليه أدوميم.
ويتابع بنك إسرائيل واتحاد البنوك هذه التطورات بقلق، بسبب احتمال فرض بريطانيا قيودًا على البنوك الإسرائيلية التي تموّل المشروع. ومن بين المخاوف احتمال تأثّر علاقات بنك هبوعليم مع البنوك البريطانية، رغم أن قطع هذه العلاقات بالكامل يُعتبر احتمالًا ضعيفًا. لكن عدم وضوح العقوبات التي قد تُفرض يجعل من الصعب تقدير حجم الضرر المحتمل.
ويحذّر مسؤولون كبار في الحكومة الإسرائيلية من احتمال اتخاذ إجراءات أشد، بينها إلغاء اتفاقية التجارة بين إسرائيل والاتحاد الأوروبي. وهناك أيضًا مخاوف من أن تتوقف الولايات المتحدة مستقبلًا عن منع مجلس الأمن الدولي من فرض عقوبات على إسرائيل، إذا تغيّر موقف الإدارة الأمريكية بعد الانتخابات الرئاسية المقبلة. وقد يؤدي تحقق هذه الاحتمالات إلى عزلة دولية شبيهة بالعقوبات والمقاطعة التي واجهتها جنوب أفريقيا بسبب نظام الفصل العنصري.

وتُعتبر الولايات المتحدة الدولة البارزة الوحيدة التي لم تفرض حكومتها عقوبات على إسرائيل، إذ اقتصرت العقوبات الأمريكية حتى الآن على إجراءات اتخذتها جامعات. لكن أعضاء من الحزب الديمقراطي في الكونغرس الأمريكي قدّموا مقترحات لفرض خمس عقوبات على إسرائيل، تهدف جميعها إلى تقييد بيع الأسلحة والذخيرة لها. وتشكّل هذه المقترحات نصف العقوبات العشر الجديدة التي يجري اقتراح فرضها على إسرائيل في دول مختلفة، ولم تُطبّق أيّ منها حتى الآن. ويحذّر فريدمان من خطورة هذه المقترحات، ويصنّف اثنين منها ضمن أشد العقوبات المحتملة.
وقد تتصاعد العقوبات الأمريكية تبعًا لنتائج الانتخابات المقبلة. فإذا فازت الحكومة الإسرائيلية الحالية في الانتخابات القادمة، وخسر الجمهوريون أغلبيتهم في مجلسَي النواب والشيوخ الأمريكيين في انتخابات نوفمبر، فقد تتزايد المبادرات لفرض قيود على إسرائيل. لكن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يستطيع حاليًا استخدام حق النقض لمنع إقرار مثل هذه التشريعات.
وفي المقابل، ألغت بعض الدول عقوبات على إسرائيل بعد وصول حكومات يمينية مؤيدة لها إلى السلطة، كما حدث في تشيلي وكولومبيا وسلوفينيا. وقد تحدث تغييرات سياسية مماثلة في البرازيل وإسبانيا وفرنسا، وهو ما قد يؤثر على قرارات هذه الدول بشأن العقوبات.
ورغم تزايد العقوبات، فإن تأثيرها الاقتصادي المباشر على إسرائيل ما زال محدودًا. فبعد وقف التجارة مع تركيا، اتجهت إسرائيل إلى أسواق أخرى في الهند والصين ودول آسيوية. كذلك، ساهم النمو الكبير في صادرات شركة إنفيديا في تعويض التراجع الذي تعاني منه بعض الشركات الإسرائيلية المصدّرة، ولذلك لم تظهر حتى الآن أضرار كبيرة في الأرقام الإجمالية للصادرات.
لكن هذه الظروف قد لا تستمر، خصوصًا بعد انتهاء ولاية ترامب وانتخاب رئيس أمريكي جديد بعد سنتين. فقد يكون الرئيس القادم أقل تأييدًا لإسرائيل، حتى لو كان من الحزب الجمهوري. كما أن تراجع التأييد لإسرائيل لم يعد مقتصرًا على الحزب الديمقراطي، وقد تتبنّى شخصية جمهورية مثل نائب الرئيس جيه دي فانس مستقبلًا سياسة أقل دعمًا لها.
ويرى فريدمان أن استمرار العقوبات وتوسّعها يشكّلان تهديدًا استراتيجيًا قد يتحوّل إلى خطر على وجود إسرائيل، خصوصًا أن النقاش في أوساط الحزب الديمقراطي الأمريكي لم يعد يقتصر على الاحتلال والاستيطان، بل أصبح يتناول أيضًا شرعية دولة إسرائيل.
وينتقد فريدمان تعامل الحكومة الإسرائيلية مع تزايد العقوبات، مؤكدًا أن مكتب رئيس الحكومة ووزارة الخارجية لا يتخذان الإجراءات اللازمة لمواجهتها. ويقول إنه لا توجد أي جهة حكومية تتابع العقوبات المفروضة على إسرائيل بصورة منظّمة، أو تدرس الأضرار التي قد تسبّبها للاقتصاد الإسرائيلي. وفي ظل غياب هذه المتابعة الحكومية، يتولى فريدمان بنفسه جمع المعلومات عن العقوبات وتوثيقها بصورة تطوعية.
مقالات ذات صلة: بينها تنوفا وأروما: الأمم المتحدة تضيف 61 شركة جديدة لـ”قائمتها السوداء”










