
كشف تقرير جديد صادر عن قسم الأجور في وزارة المالية أن الفجوة في الأجور بين القطاعين العام والخاص تتقلص بسرعة، في وقت يواجه فيه القطاع العام صعوبة متزايدة في جذب أصحاب الكفاءات العالية والحفاظ عليهم. وأظهر التقرير أن واحدًا من كل خمسة موظفين حكوميين يعمل أيضًا في وظيفة إضافية في القطاع الخاص لاستكمال دخله.
ويضم القطاع العام في البلاد حوالي 750 ألف موظف يعملون في مجالات الصحة والتعليم والسلطات المحلية والوزارات الحكومية والتعليم العالي والشركات الحكومية وهيئات أخرى. ويتميز هذا القطاع باستقرار وظيفي مرتفع مقارنة بالقطاع الخاص، وبنظام أجور يعتمد بشكل أساسي على المهنة والدرجة الوظيفية والأقدمية.
وبحسب التقرير، فإن هذا النظام يوفر الاستقرار والمساواة بين العاملين، لكنه يحد من قدرة الجهات الحكومية على مكافأة الأداء المتميز أو استقطاب أصحاب المهارات العالية. وفي بعض الحالات، قد يجعل نظام الأجور في القطاع العام الوظائف الحكومية أقل جاذبية لأصحاب الكفاءات العالية القادرين على الحصول على رواتب أعلى في القطاع الخاص، ما قد ينعكس على مستوى الخدمات التي تقدمها المؤسسات الحكومية.
وأظهرت البيانات أن نسبة العاملين في القطاع العام من إجمالي الأجراء ارتفعت من 16% في عام 2013 إلى 17% في عام 2023. وخلال الفترة نفسها تقلصت الفجوة في الأجور بين القطاعين بشكل ملحوظ. ويبلغ متوسط الأجر الشهري في القطاع العام 14 ألف شيكل مقابل 12 ألف شيكل في القطاع الخاص، لكن التقرير يشير إلى أن هذا الفارق لا يعكس الصورة الكاملة، لأن القطاع الخاص يضم عددًا كبيرًا من العاملين بدوام جزئي، وهو ما يخفض متوسط الأجور فيه. ومع ذلك، فإن نمو الأجور في القطاع الخاص كان أسرع بكثير منذ عام 2019.
وعند مقارنة أصحاب الشهادات الأكاديمية فقط، تنقلب الصورة بالكامل. فمتوسط أجر الأكاديميين في القطاع الخاص يزيد على 20 ألف شيكل شهريًا، بينما يبلغ في القطاع العام أكثر قليلًا من 15 ألف شيكل. واتسعت هذه الفجوة بصورة ملحوظة منذ عام 2019، ويربط التقرير ذلك جزئيًا بتأثير قطاع الهايتك.
وأظهرت الدراسة أن الأجور في القطاع الخاص ارتفعت بنسبة 42% خلال العقد الأخير، وهي وتيرة أسرع من معظم فروع القطاع العام. ففي المؤسسات العامة غير الخاضعة لأنظمة الأجور الحكومية المعتادة ارتفعت الأجور بنسبة 36%، وفي قطاع التعليم بنسبة 33%، وفي الأجهزة العسكرية والأمنية بنسبة 29%، وفي مؤسسات التعليم العالي بنسبة 28%. وتختلف الصورة أيضًا بحسب التخصص الدراسي. فخريجو الحقوق والعلوم الإنسانية يحصلون على أجور أعلى نسبيًا في القطاع العام، بينما يحقق خريجو الرياضيات والإحصاء وعلوم الحاسوب والاقتصاد أجورًا أعلى بكثير في القطاع الخاص، مع استمرار اتساع الفجوة بمرور الوقت.
وأشار التقرير إلى ارتفاع نسبة الموظفين الحكوميين الذين يعملون أيضًا في القطاع الخاص، حيث ارتفعت نسبتهم في الوزارات من 15% إلى 20% خلال العقد الأخير. ويعود ذلك في بعض الحالات إلى العمل الجزئي في قطاعات مثل الصحة والتعليم العالي، بينما يرتبط في حالات أخرى بالحاجة إلى زيادة الدخل.
وأشار التقرير إلى تراجع قدرة القطاع العام على جذب أصحاب الكفاءات العالية. فبين عامي 2013 و2023 انخفضت نسبة أصحاب العلامات المرتفعة في امتحان البسيخومتري بين العاملين في القطاع العام من 5.7% إلى 4.2%، أي أكثر من 25%. كما تراجعت نسبة المتفوقين في امتحانات البجروت داخل الوزارات بنسبة 20%، بينما ارتفعت في القطاع الخاص بنسبة 12%. وتتوافق هذه النتائج مع دراسة سابقة لبنك إسرائيل أظهرت أن مهارات العاملين في القطاع العام أصبحت أقل مقارنة بالعاملين في القطاع الخاص وفق اختبارات المهارات الدولية PIAAC.
وبحسب التقرير، يعود جزء من هذه الظاهرة إلى أن القطاع العام ينجح في استقطاب معظم موظفيه الجدد مباشرة بعد التخرج من الجامعات، لكنه يواجه صعوبة في جذب أصحاب الخبرة المهنية من القطاع الخاص. ويرجع ذلك إلى أن الأجور في القطاع الخاص أعلى، خصوصًا لأصحاب المهارات العالية، إضافة إلى تمركز معظم الوزارات الحكومية في القدس، ما يجعل الانتقال إلى العمل الحكومي أقل جاذبية لكثير من المرشحين. وحذر معدو التقرير من أن استمرار هذا الاتجاه قد ينعكس سلبًا على جودة الخدمات الحكومية في المستقبل.
وتناول التقرير أيضًا جوانب ديموغرافية، إذ تبين أن العاملين في القطاع العام يميلون إلى الزواج من أشخاص يعملون في القطاع نفسه، وأحيانًا في المؤسسة ذاتها. وسُجلت أعلى نسبة في الأجهزة الأمنية والعسكرية، حيث إن 39% من العاملين متزوجون من موظفين في القطاع العام.
وفي هذا السياق، يحذر بنك إسرائيل من أن تراجع جاذبية العمل في القطاع العام ينعكس على مستوى المهارات لدى العاملين فيه بوتيرة أكبر مما هو مسجل في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، وخاصة بين الرجال الشباب. وأشار البنك إلى أن هذا الواقع قد يؤثر سلبًا على جودة الخدمات التي تقدمها المؤسسات الحكومية، كما قد ينعكس على أداء الاقتصاد ونموه على المدى الطويل. وأضاف أن ضعف الأجور ليس العامل الوحيد وراء هذه الظاهرة، إذ قد تكون هناك أسباب أخرى، من بينها تراجع مكانة الوظيفة العامة في نظر المواطنين.











