
مع اقتراب الانتخابات، يتجدد النقاش بشأن انخراط الشباب العرب في الخدمة المدنية. وهذه المرة، لا يأتي النقاش فقط من أحزاب يهودية تطالب بـ“المساواة في تحمّل العبء“، بل يخرج أيضًا من داخل القيادة العربية. فقد أعلن رئيس القائمة العربية الموحدة، منصور عباس، أكثر من مرة خلال الأشهر الأخيرة تأييده لإنشاء مسار للخدمة المدنية مخصص للشباب العرب، معيدًا إلى الواجهة خلافًا لم يغب تمامًا يومًا.
وتُظهر بيانات مركز الأبحاث والمعلومات التابع للكنيست أن نحو 5,900 شخص من غير اليهود كانوا يؤدون الخدمة المدنية في نهاية عام 2024، من بين نحو 20 ألف متطوع. وتكشف البيانات عن فجوات ملحوظة؛ إذ بلغت نسبة المتطوعات بين خريجات جهاز التعليم العربي 9.7%، مقابل 1.6% فقط بين الخريجين الذكور. وكانت معدلات التطوع بين خريجات جهازي التعليم الدرزي والبدوي أعلى بكثير.
والخدمة المدنية هي إطار تطوعي مخصص لمن لم يُستدعوا للخدمة في الجيش الإسرائيلي أو حصلوا على إعفاء منها. وتمتد فترة الخدمة من عام إلى عامين، بمتوسط 40 ساعة أسبوعيًا. ويُوزَّع المتطوعون على مدارس ومستشفيات ومؤسسات للرعاية الاجتماعية وسلطات محلية ووزارات حكومية، وأحيانًا على أطر تابعة للأمن الداخلي. وفي المقابل، يحصلون على مخصصات معيشة شهرية ودورات تدريبية ومنحة مالية عند إنهاء الخدمة. وتخضع سلطة الخدمة الوطنية المدنية، التي تشرف على الأطر والجهات المشغّلة، حاليًا لإشراف وزيرة الاستيطان أوريت ستروك.
وفي هذا السياق، أصبح موقف منصور عباس أكثر وضوحًا، بعدما أعلن تأييده علنًا لـ”الخدمة للجميع، بما في ذلك العرب”. وفي يوليو، قال خلال “مؤتمر الأمن القومي” الذي نظمه موقع “واينت” وصحيفة “يديعوت أحرونوت” ومعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، إن هناك حاجة إلى صيغة تستجيب لاحتياجات الشباب العرب ولـ”التوقعات الإسرائيلية العامة” في آن واحد. وأوضح لاحقًا أنه يتحدث عن خدمة تطوعية لا ترتبط بالمؤسستين العسكرية أو الأمنية، يديرها عرب وتُوجَّه لخدمة احتياجات المجتمع العربي.
في المقابل، تتمسك لجنة المتابعة العليا بموقفها التاريخي الرافض للخدمة المدنية، والذي أعادت تأكيده في يوليو. وأوضح رئيس اللجنة، جمال زحالقة، أن الأمر لا يتعلق بقرار جديد، وإنما بتأكيد موقف قديم يرى أن الخدمة تهدف إلى ربط الشباب العرب بمسار من “الأسرلة”. كما أدان حزب التجمع اقتراح عباس، مؤكدًا أنه لا يجوز اشتراط الحصول على الحقوق بأداء الخدمة.

ويتجاوز الخلاف الجانب العملي للخدمة. فعباس، الذي يسعى إلى إعادة القائمة العربية الموحدة إلى موقع الشريك في الائتلاف الحكومي بعد الانتخابات، يعرضها بوصفها خيارًا قد يعود بالنفع على الشباب وبلداتهم. أما معارضوه، فيرونها جزءًا من محاولة أوسع لربط المساواة في الحقوق بقبول تعريفات الدولة وتوقعاتها.
وبعيدًا عن الخلاف السياسي والأيديولوجي بين الأحزاب، يواجه الشباب العرب أسئلة جوهرية لا بد لهم البت فيها: هل يتجهون إلى العمل بعد إنهاء المرحلة الثانوية، أم يبدأون الدراسة، أم يتطوعون ضمن إطار مستقل، أم يخصصون عامًا أو عامين للخدمة المدنية التي تغريهم بمزايا كثيرة، لكنها تُشكل في الوقت نفسه عبئًا سياسيًا وايديولوجياً ثقيلًا؟
“حتى لو حصلتُ على امتيازات، سأظل لين العربية”
وجدت لين حبيب الله، من عين ماهل، نفسها أمام هذا الخيار بعد إنهاء المرحلة الثانوية، إذ كان عليها الاختيار بين العمل أو التطوع أو أداء الخدمة المدنية. وكانت مشاركتها سابقًا في أطر شبابية قد عرّفتها إلى الجدل السياسي المحيط بسؤال الخدمة المدنية، حتى قبل أن تصبح مطالبة بحسم خيارها. وتقول: “لو لم أسمع عن الخدمة المدنية ولم أكن مدركة لأبعادها، لربما فكرت في الالتحاق بها”.

على الورق، قد يبدو العرض مغريًا لشابة أنهت دراستها: إطار ثابت وخبرة ودورات تدريبية وامتيازات مادية. لكن حبيب الله اختارت في نهاية المطاف العمل كنادلة في مطعم. من وجهة نظرها، توجد طرق أخرى للتطوع وخدمة المجتمع لا ترتبط بمؤسسات الدولة أو المنظومة الأمنية. وحتى الامتيازات لم تقنعها. “حتى لو حصلتُ على امتيازات، فعندما ألتحق بالجامعة أو أدخل سوق العمل، سأظل لين العربية. وسأبقى عرضة للعنصرية والتمييز، والخدمة المدنية لن تغيّر ذلك”.
والتقت حبيب الله شبابًا فكروا في الالتحاق بالخدمة من دون معرفة معمقة بخلفيتها السياسية والمؤسسية. وكانت إحدى صديقاتها تفكر في أداء الخدمة في المحاكم لاكتساب خبرة تساعدها في دراستها مستقبلًا. لكن بعد حديثهما وبحث صديقتها في خيارات أخرى، قررت بدلًا من ذلك البحث عن عمل في المجال. لا تعترض حبيب الله على فكرة التطوع بحد ذاتها، إذ تؤكد: “أريد أن أخدم مجتمعي، لكن من خلال أطر تمثلني، لا لأن الدولة وضعت ذلك شرطًا أو وعدتني بامتياز”.
أحداث أكتوبر 2000 زرعت بذرة الرفض
يعكس موقف حبيب الله معارضة متجذرة لدى منظمات وجمعيات شبابية عربية، تقول نداء نصّار، مديرة جمعية “بلدنا”، إن جذورها تعود إلى أحداث أكتوبر 2000.
وبحسب قراءتها، شكّلت مشاركة الشباب العرب في احتجاجات تلك الفترة، تعبيرًا عن هويتهم الفلسطينية وتضامنهم مع ما كان يجري في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، نقطة تحوّل في تعامل الدولة معهم. وتقول: “اكتشفت المؤسسة الإسرائيلية أن الفئة التي حاولت طوال سنوات تشكيل هويتها، واستثمرت موارد كبيرة في توجيه وعيها السياسي نحو الأسرلة، لا تزال متمسكة بهويتها الفلسطينية”.
وتربط نصّار بين اللجان التي شُكّلت في أعقاب أحداث أكتوبر وتوسيع نطاق الخدمة المدنية، مؤكدة أنه لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد تطوع لخدمة المجتمع. وتقول: “نشأ المشروع داخل المؤسسة الأمنية والاستخباراتية الإسرائيلية؛ لذلك لا يمكن فصله عن الأهداف السياسية والمتعلقة بالهوية التي رافقت تأسيسه”.

وتخشى نصّار أن تشكّل الخدمة المدنية خطوة أولى نحو اندماج أوسع في مؤسسات الدولة، بما فيها الشرطة والجيش. لكنها تشدد في الوقت نفسه على أن الانتقاد لا ينبغي أن يتحول إلى اتهام للشبان والشابات الذين يختارون الالتحاق بها. وتقول: “نحن لا ندّعي أن كل من يلتحق بالخدمة المدنية يرغب في الانضمام إلى الشرطة أو الجيش. فكثير من المشاركات شابات يل
تحقن بها بسبب الظروف الاقتصادية والاجتماعية”.
وتشير إلى أن السنوات الأخيرة شهدت تشغيل برامج للشباب لا تحمل بالضرورة اسم “الخدمة المدنية”، لكنها تستخدم خطاب التطوع والاندماج. وترى أن تقييم هذه البرامج يجب ألا يقتصر على طبيعة أنشطتها، بل ينبغي أن يشمل أيضًا الجهات التي تديرها والأهداف التي تسعى إلى تحقيقها.

مهارات جديدة
في المقابل، خرج علي صفي، من دير الأسد، باستنتاج مختلف من تجربته الشخصية. فقد أدى صفي الخدمة مدة عام في بلدته، متنقلًا بين المدارس والمجلس المحلي والمركز الجماهيري. ويؤكد: “كانت معظم المهام التي نفذتها مرتبطة مباشرة ببلدتي والمجتمع الذي أعيش فيه”.
وإلى جانب مخصصات المعيشة والمنحة المالية، يرى صفي أن الفائدة الأساسية تمثلت في الخبرة والمهارات التي اكتسبها، فضلًا عن تحسين لغته العبرية. ويقول: “لو خرجت إلى العمل، لربما كسبت مالًا أكثر، لكنني حصلت من الخدمة على أمور لست متأكدًا من أنني كنت سأحصل عليها بمجرد دخولي سوق العمل”.

ويرفض صفي الادعاء بأن الخدمة المدنية تقود إلى التجنيد في الجيش الإسرائيلي. ويقول إنه لا يعرف شخصًا واحدًا، من بين مئات الشبان في دير الأسد الذين تطوعوا على مر السنين، أُجبر لاحقًا على التجنّد أو حمل السلاح.
حتى مؤيدو الخدمة يرفضون فرضها
ومع ذلك، يعارض صفي بشدة فرض الخدمة، ويقول: “إذا حاولوا فرض الخدمة المدنية على الشباب العرب، فسيؤدي ذلك إلى رد فعل عكسي وتمسّك أكبر بالرفض”. ويرى أن الخدمة يجب أن تظل خيارًا شخصيًا لا واجبًا عامًا. كما لا يعتبر ارتباطها بمؤسسات الدولة سببًا كافيًا لرفض المشروع برمته، موضحًا: “إذا كانت المشكلة تكمن في الجهة التي تدير الخدمة، فعلينا المطالبة بتغيير تبعيتها، لا إلغاء إمكانية خدمة البلدة واكتساب الخبرة بسبب ذلك”.
أما حسين حلاج، الناشط السياسي والاجتماعي من سخنين، فيرفض الخدمة انطلاقًا من اعتبارات أوسع. ويقول: “عارضت المشروع من منظور سياسي ووطني وأخلاقي وطبقي واقتصادي”. وبالنسبة إليه، لم يكن عدم الالتحاق مجرد خيار شخصي، بل موقفًا من مشروع يرى أنه يتجاوز فكرة التطوع إلى حد بعيد.
ويتمحور اعتراضه حول الربط، في الخطاب الإسرائيلي، بين أداء الخدمة والحصول على الحقوق. ويقول: “نسمع باستمرار: العرب لا يخدمون في الجيش ولا يؤدون الخدمة المدنية، فلماذا نمنحهم حقوقًا كاملة؟ لكن إذا نظرنا إلى المواطنين الدروز، فهم يخدمون في الجيش؛ فهل حصلوا على كامل حقوقهم؟ لا”.

ويرى حلاج أن حقوق المواطن العربي، الذي يعمل ويدفع الضرائب ويسهم في الاقتصاد، يجب ألا تكون مشروطة بأداء الخدمة. ومع ذلك، فإنه يؤيد التطوع لخدمة المجتمع ويدعو إلى إنشاء أطر عربية مستقلة. ويستشهد بمخيمات صيفية شارك في تنظيمها، وأقيمت بمشاركة مئات المتطوعين الشباب. ويوضح أن الاعتراض لا ينصبّ على مبدأ خدمة المجتمع، بل على تبعية الخدمة المدنية وأهدافها السياسية؛ ولذلك يؤيد التطوع ضمن أطر عربية داخلية ومستقلة.
وهنا يتبين أن الفجوة بين الطرفين أضيق مما تبدو عليه. فالمعارضون لا يرفضون التطوع وخدمة المجتمع، في حين يرفض صفي، الذي يؤيد الخدمة انطلاقًا من تجربته الشخصية، تحويلها إلى واجب إلزامي، ويبدي استعدادًا لمناقشة تغيير الجهة المسؤولة عنها.
ولا يدور الخلاف فقط حول ما يفعله الشاب خلال عام الخدمة، بل أيضًا حول الجهة التي تحدد أهدافها والمغزى السياسي الذي تحمله. فهل هي إطار يوفر الخبرة وفرصة لخدمة البلدة، أم مشروع يسعى إلى إعادة تشكيل علاقة الشباب العرب بالدولة؟ وهل تمثل الامتيازات مكافأة مشروعة لقاء عام من التطوع، أم أنها خطوة أخرى نحو تحويل المساواة من حق مدني إلى صفقة مشروطة بأداء الخدمة؟











