الاستغلال في زمن الأبرتهايد

الأربعاء, يوليو 22, 2026 14:01
/
/
الاستغلال في زمن الأبرتهايد

الاستغلال في زمن الأبرتهايد

بعد السابع من اكتوبر واغلاق باب العمل في إسرائيل وجد آلاف العمال الفلسطينيين أنفسهم أمام خيار واحد تقريبًا: العمل في المستوطنات. شهادات جمعها هذا التحقيق تكشف كيف يتحول هذا الخيار إلى منظومة استغلال واسعة: أجور دون الحد الأدنى، إصابات بلا تعويض، تصاريح تُستخدم كأداة عقاب، وسماسرة وكمبيالات، وعاملات وأطفال في مزارع الأغوار بلا عقود أو تأمين أو أي ورقة تثبت أنهم عُمال أصلًا.
أيقون موقع وصلة Wasla
في الرابعة فجرًا، تخرج وفاء (اسم مستعار) من بيتها في إحدى قرى الضفة الغربية، قبل أن يستيقظ معظم الناس. طريقها معروف منذ أكثر من عشرة أعوام: إلى مزارع التمر والعنب في مستوطنات الأغوار، حيث تعمل في القطف والفرز والتعبئة، ثم تعود قرب الغروب بأجر لا يتجاوز 80 أو 90 شيكلًا في اليوم. من دون عقد عمل، من دون قسيمة راتب، من دون تأمين، من دون أيام مرضية، ومن دون أي ورقة تثبت أنها تعمل هناك أصلًا.
صورة لعمال فلسطينيين في بالطريق للعمل في مستوطنات مصدر جمعية معا العمالية
عمال فلسطيننين في طريقهم للعمل في المستوطنات في ساعات الفجر- مصدر: جمعية معا العمالية

“اليوم اللي بنشتغلش فيه بنقبضش عنه”، تقول وفاء. من حولها ترى أحيانًا عمالًا يهودًا يعملون في الموقع نفسه، غالبًا في وظائف إشرافية أو رقابية، وتعلم أنهم يحصلون على أجر لا يقل عن 35 شيكلًا في الساعة، مع تأمين وحقوق كاملة، بينما تُدفع أجرتها هي نقدًا عبر سمسار.

تعرف وفاء أن ما تعيشه ظلم. لكنها حين تُسأل لماذا تستمر، تجيب بجملة تختصر الحكاية كلها: “ما باليد حيلة. لا شغل في مناطق السلطة، ولا يُسمح لنا بالدخول إلى إسرائيل. هذا الموجود”.

ما تكشفه شهادة وفاء لا يقف عند حدود مزرعة واحدة في الأغوار. فبحسب شهادات جمعها هذا التحقيق من عمال وعاملات فلسطينيين في مواقع عمل مختلفة داخل الضفة الغربية، تمتد منظومة الاستغلال من الحقول الزراعية في الأغوار إلى المناطق الصناعية في المستوطنات: عمال يعملون بأجور زهيدة تقل كثيرا عن الحد الأدنى، وآخرون بلا قسائم راتب أو تأمين أو تعويض عن إصابات العمل، وسماسرة فلسطينيون يقتطعون من الأجر، وتصاريح تُستخدم أحيانًا كأداة عقاب، وكمبيالات تُوقّع لإسكات من يفكر بالمطالبة بحقه.

وبعد السابع من أكتوبر، ومع إغلاق سوق العمل داخل إسرائيل أمام عشرات آلاف العمال الفلسطينيين، أصبحت هذه المنظومة أكثر اتساعًا وقسوة: من لا يجد عملًا في مناطق السلطة، ولا يستطيع الدخول إلى إسرائيل، يجد نفسه أمام خيار واحد تقريبًا، العمل في المستوطنات، بالشروط التي يفرضها صاحب العمل أو السمسار.

“أجري 80 شيكل يوميًا وبلا أي حقوق. لكن ما باليد حيلة، فلا شغل في مناطق السلطة، ولا يُسمح لنا بالدخول إلى إسرائيل. هذا الموجود” -وفاء، عاملة في مستوطنات الأغوار.

مأساة تتفاقم

منذ السبعينيات، أصبح العمال الفلسطينيون جزءًا مركزيًا من اقتصاد المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية. فإلى جانب عمل عشرات الآلاف داخل إسرائيل، عمل آلاف آخرون داخل المستوطنات نفسها، في البناء والصناعة والزراعة والخدمات. وقبل الحرب، في الربع الثالث من عام 2023، قدّر الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني عدد العاملين الفلسطينيين في المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية بنحو 25 ألف عامل.

بعد السابع من أكتوبر، منعت إسرائيل نحو 115 ألف عامل من الضفة كانوا يحملون تصاريح للعمل داخل إسرائيل من الوصول إلى أماكن عملهم، بينما سُمح لاحقا لعشرات الآلاف بالعودة إلى العمل داخل المستوطنات؛ نحو 32 ألفًا من أصل 48 ألف عامل كانوا يعملون فيها قبل الحرب، وفق تقرير لجمعية “غيشاه-مسلك”.

قانونيًا، يفترض أن يتمتع العامل الفلسطيني في المستوطنة بحقوق العمل الأساسية نفسها التي يتمتع بها العامل الإسرائيلي في مكان العمل ذاته. ففي عام 2007، قضت المحكمة العليا الإسرائيلية، في قضية رفعتها جمعية “عنوان العامل” العمالية، بأن علاقات العمل بين مشغّلين إسرائيليين وعمال فلسطينيين في المستوطنات تخضع لقوانين العمل الإسرائيلية، بما يشمل الحد الأدنى للأجور، الساعات الإضافية، أيام المرض، الإجازات، والتعويض عن إصابات العمل.

صورة توضيحية مصدر الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين
صورة توضيحية من موقع الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين

لكن أساف أديب، مدير عام في جمعية “معًا” العمالية، يقول إن المشكلة لا تكمن في غياب النص القانوني، بل في غياب الرقابة والتنفيذ. “المستوطنات جذبت أصحاب العمل منذ الثمانينيات لأنها خارج نطاق الرقابة الفعلية”، يقول أديب، مشبهًا انتقال المصانع إليها بانتقال مصانع النسيج إلى بنغلاديش: “لا أحد يسأل هناك عن ظروف العامل”. وبرغم أن حكم المحكمة العليا شكّل، بحسبه، نقطة تحول دفعت بعض المصانع الكبيرة إلى الامتثال التدريجي، إلا أنه يقدّر أن ما بين 30 و40% من أصحاب العمل ما زالوا يتهربون من تطبيق الحقوق الأساسية.

حتى حين تُدفع الحقوق الأساسية، يرى أديب أن التمييز يبقى قائمًا في مستوى آخر: غياب أي أفق مهني تقريبًا للعامل الفلسطيني. “عامل فلسطيني عمل عشر سنوات في نفس المصنع يتقاضى نفس أجر شاب إسرائيلي التحق بالعمل للتو”، يقول. “هذا بحد ذاته إهانة وهذا هو الأبارتهايد الحقيقي في سوق العمل”. بحسب أديب، فإن تطبيق الحد الأدنى للأجور لا يعني مساواة فعلية إذا كان العامل الفلسطيني يبقى محصورًا في أسفل السلم، بينما تُمنح الزيادات والترقيات والوظائف الأفضل للعمال الإسرائيليين.

هذه الفجوة بين القانون والواقع يعرفها محمود (اسم مستعار) جيدًا. محمود عامل فلسطيني في الثامنة والعشرين من عمره، من منطقة جنوب الخليل، عمل لمدة سنة ونصف في أحد المصانع في المنطقة الصناعية في معاليه أدوميم. المصنع، كما يقول، يضم وحده نحو 400 عامل فلسطيني، ويعمل على مدار الساعة. لكنه لا يحتاج إلى كثير من الكلمات لوصف المكان: “نسمّيها مقبرة العمال”.

كان يومه يبدأ في السابعة صباحًا، حين يغادر غرفة صغيرة يتقاسمها مع عامل آخر في منطقة الرام، مقابل 700 شيكل شهريًا. يتخطى الحواجز والطرق الالتفافية ليصل إلى المصنع في الثامنة والنصف، ثم يعمل حتى الثامنة مساءً، وأحيانًا حتى العاشرة ليلًا. لا يعود إلى غرفته إلا قرب منتصف الليل. “أحيانًا لا أجد وقتًا للاستحمام أو أكل العشاء”، يقول. مقابل هذا اليوم الطويل، كان محمود يتقاضى 250 شيكلًا فقط.

اساف أديب
اساف أديب – مدير عام في جمعية “معًا” العمالية

 

“عامل فلسطيني عمل عشر سنوات في نفس المصنع يتقاضى نفس أجر شاب إسرائيلي التحق بالعمل للتو. هذا بحد ذاته إهانة وهذا هو الأبارتهايد الحقيقي في سوق العمل”. – أساف أديب، مدير عام في جمعية “معًا” العمالية.

قبل الحرب، عمل داخل إسرائيل بتصريح رسمي في مسلخ في منطقة عيمق سارة، حيث كان أجر الساعة لا يقل عن 45 شيكل، والساعة الإضافية تصل إلى 60 شيكل. لذلك اعتقد أن الانتقال إلى العمل في المستوطنة قد يحسّن وضعه. لكنه بعد سنة ونصف يلخّص التجربة بعبارة واحدة: “أسوأ تجربة مررت بها في حياتي”.

لا يتحدث محمود عن الأجر وحده. يصف إهانات يومية، ومنعًا للصلاة في رمضان، وتهديدًا دائمًا بالاستبدال. “يعاملوننا مثل الكلاب. لا أحد يسأل عنا”، يقول. لكن أكثر ما بقي عالقًا في ذاكرته هو يوم أُصيب شقيقه داخل المصنع: تمزق في أوتار القدم بعد أن اصطدمت به رافعة شوكية (مازليج) أثناء العمل. لم يستطع الاتصال بالإسعاف، لأن لمس الهاتف كان ممنوعًا أثناء الدوام. وبحسب روايته، حضر صاحب العمل، دفع للمقاول مبلغًا لمعالجة المصاب في العيزرية، ثم اقتُطعت التكلفة لاحقًا من الأجر. لم يحصل شقيقه على تعويض عن الإصابة، ولا عن الأيام التي بقي فيها في البيت خلال فترة التعافي.

يقول محمود إن حادثة شقيقه لم تكن استثناء. قبلها بأسبوع، فقد عامل آخر إصبعًا في حادث عمل، من دون أن يحصل، بحسب الشهادة، على تعويض أو حتى على بدل الطريق. “لا قسيمة راتب، ولا نرى حتى الشيك الذي نحصل عليه في نهاية الشهر”، يقول. “المقاول يصرفه، ثم يعطينا المبلغ بعد أن يخصم نحو 600 شيكل للمواصلات”.

“نعمل في مقبرة، ولا أحد يسأل عنا، ولا علاج عند الإصابات. يعاملوننا مثل الكلاب، إهانات يومية ومنع من الصلاة، وتهديد دائم. لا قسيمة راتب، ولا نرى حتى الشيك، فالمقاول يصرفه، ثم يعطينا أجرنا الشهري بعد أن يخصم 600 شيكل للمواصلات” محمود – عامل في مصنع بمعاليه أدوميم

***

في موقع آخر داخل إحدى المستوطنات، لم يحتج أحمد (اسم مستعار) إلى أكثر من ثلاثة أيام ليدرك أن الخطر ليس احتمالًا بعيدًا، بل جزء من يوم العمل نفسه. كان قد عمل سابقًا في مستوطنات عدة، لذلك لم يكن جديدًا على هذا العالم. ومع ذلك، يقول إن ما رآه في الموقع الأخير كان “أصعب من كل اللي شفته قبل“.

عمل أحمد في مجال البناء، وتحديدًا في تجهيز الملاجئ والغرف المحصّنة التي تُنقل لاحقًا إلى داخل إسرائيل أو إلى المستوطنات. منذ لحظة الوصول، كما يقول، يبدأ العامل يومه تحت ضغط التفتيش والانتظار. “على البوابة كنا نستنى نص ساعة أحيانًا. تفتيش وتشديد، وبعدها بندخل على الشغل كأننا داخلين على معسكر”.

لكن التفتيش المشدد عند الدخول لم يكن يقابله أي تشدد في حماية العمال داخل الموقع. يروي أحمد أن نحو 120 عاملًا كانوا يعملون في مساحة لا تتجاوز 400 أو 500 متر. “واحد بقطع بالديسك، واحد شايل خشب فوق راسه، واحد برفع ألواح تقيلة، وواحد ماشي جنبك بحمولة مش مربوطة منيح. كل واحد خايف من الثاني. مش بس خايف على حاله، خايف من غلطة عامل جنبه”.

في هذا الاكتظاظ، لم ير أحمد وسائل حماية حقيقية. “كان في يافطات حمرا مكتوب عليها انتبه وخطر، بس على الأرض ما في إشي. لا خوذة، لا سترة، لا حذاء شغل. إذا بتطلب، بقلك: ما عندي. عاجبك عاجبك، مش عاجبك الله يسهّل عليك”.

عمل أحمد ثلاثة أيام فقط. كان الدوام يبدأ عند السادسة صباحًا، ويفترض أن ينتهي عند الثالثة، لكنه امتد في بعض الأيام حتى الخامسة أو السادسة مساءً. “اشتغلنا زيادة، بس ما حد حسبلنا ساعات زيادة. بتحس إنهم معتبرين وقتك مش إلك”. بعد نحو عشرة أيام من انتهاء عمله، تسلم أجر الأيام الثلاثة: نحو 700 إلى 715 شيكلًا. “يعني تقريبًا 230 شيكل باليوم. شغل بناء، خطر، وتعب، وبالآخر أقل من حق يوم عادي”.

أسواق المال 2
صورة توضيحية – “شغل بناء، خطر، وتعب، وبالآخر أقل من حق يوم عادي”

 

“120 عاملًا يعملون في مساحة لا تتجاوز 400 متر. واحد بقطع بالديسك، واحد شايل خشب فوق راسه، واحد برفع ألواح تقيلة. كل واحد خايف من غلطة عامل جنبه. لا خوذة، لا سترة، لا حذاء شغل. إذا بتطلب، بقلك: ما عندي. مش عاجبك الله يسهّل عليك. اشتغلنا زيادة، بس ما حد حسبلنا ساعات زيادة. معتبرين وقتك مش إلك”. أحمد – عامل في تجهيز الملاجئ والغرف المحصّنة

لكن الأجر المتدني وغياب وسائل السلامة ليسا سوى جزء من الصورة. في شهادات العمال تتكرر آليات أخرى تجعل المطالبة بالحق شبه مستحيلة: تصريح يمكن إيقافه في أي لحظة، وسيط يتحكم بالدفع، خصومات لا يعرف العامل كيف تُحسب، وكمبيالات يوقّع عليها بعض العمال قبل بدء العمل أو خلاله، لتتحول لاحقًا إلى أداة ضغط إذا حاولوا التوجه إلى القضاء.

جواد (اسم مستعار) عرف هذه المعادلة بسرعة. في مستوطنة ميتاريم، لم يحتج إلى أكثر من ثلاثة أيام حتى يفهم أن المشكلة لا تتعلق فقط بالأجر أو ظروف العمل، بل أيضًا بمن يملك القدرة على طرد العامل من المكان قبل أن يرفع صوته.

يقول جواد إنه في اليوم الثالث علم أصحاب العمل أنه على تواصل مع نقابة عمالية، فأوقفوا تصريحه فورًا. “هم ما بدهم ناس تفهم بحقوق العمال”، يقول. “بدهم العامل يشتغل ويسكت. أول ما يعرفوا إنك بتسأل أو بتحكي مع نقابة، بخلصوا منك”.

كان أجره 220 شيكلًا مقابل تسع ساعات عمل. أما الساعة الإضافية، فكانت تُحتسب له بعشرين شيكلًا فقط. وبعد خصم المواصلات والطعام، لم يكن يبقى في يده سوى نحو 150 شيكلًا في اليوم. “بتطلع من الصبح، وبتتعب طول النهار، وبالآخر بتحسبها بتلاقي أغلب اليوم راح على الطريق والأكل والخصومات”، يقول. “يعني أنت شغال، بس مش قادر تعيش من الشغل”.

حتى الطريق إلى العمل لم يكن آمنًا. يروي جواد أنه تعرض مع عمال آخرين للاستهزاء والشتائم من مستوطنين في الطريق، وسمع عن حالات رشق بالحجارة تجاه عمال فلسطينيين كانوا في طريقهم إلى مواقع العمل أو عائدين منها. “العامل هناك مش مرتاح لا في الطريق ولا في الشغل”، يقول.

لكن الأخطر، في نظره، هو استخدام التصاريح نفسها كأداة للسيطرة. فقد سمع من عمال آخرين أن بعض الشركات توقف تصريح العامل بعد أشهر قليلة من العمل، ثم تعيده لاحقًا، حتى لا تتراكم له مدة خدمة متواصلة يمكن أن تمنحه حقوقًا إضافية. “التصريح بإيدهم”، يقول. “إذا بدهم يشغلوك بشغلوك، وإذا بدهم يوقفوك بوقفوك. وإنت ما معك تعمل إشي”.

“علم أصحاب العمل أنني على تواصل مع نقابة عمالية، فأوقفوا تصريحي فورًا. هم ما بدهم ناس تفهم بحقوق العمال، بدهم العامل يشتغل ويسكت. أول ما يعرفوا إنك بتسأل أو بتحكي مع نقابة، بتخلصوا منك”. جواد – عامل في مستوطنة ميتاريم

الأغوار: عمال بلا أسماء في السجلات

إذا كانت المناطق الصناعية في المستوطنات تكشف فجوة واسعة بين القانون والتطبيق، فإن مستوطنات الأغوار الزراعية تكشف واقعًا أكثر قتامة. هناك، بحسب ناشط نقابي يتابع ملف العمال الفلسطينيين في الأغوار منذ سنوات وطلب عدم الكشف عن اسمه، لا تبدأ المشكلة من انتهاك الحقوق بعد تشغيل العامل، بل من إنكار وجود علاقة العمل أصلًا.

يقول الناشط إن نحو 35 مستوطنة زراعية تمتد من شاطئ البحر الميت حتى منطقة بيسان، تعتمد على آلاف العمال الفلسطينيين في الزراعة، خصوصًا في مزارع التمر والعنب والخضروات. “نتحدث عن نحو أربعة آلاف عامل طوال السنة”، يقول. “وفي مواسم العنب والتمر يمكن أن يصل العدد إلى عشرة آلاف عامل”. وبحسبه، فإن نحو ربع هؤلاء العمال من النساء، فيما يشكل الأطفال قرابة عشرة بالمئة في بعض المواسم.

الفارق الأساسي بين هذه المزارع والمناطق الصناعية، كما يشرح، أن العامل في الأغوار يدخل غالبًا بلا تصريح، بلا قسيمة راتب، وبلا أي وثيقة تثبت أنه عمل هناك. “لا يوجد حاجز، لا يوجد تصريح، لا يوجد تسجيل”، يقول. “العامل يصل مع السمسار، يشتغل في الأرض، يقبض آخر اليوم، وعلى البيت. إذا حدثت مشكلة، يستطيع صاحب الأرض الزراعية، أي المستوطن، أن يقول ببساطة: أنا لا أعرفه”.

في هذه المنظومة، يتحول السمسار الفلسطيني (“المعلّم” كما يسميه العمال) إلى حلقة مركزية. فهو يجمع العمال من القرى، ينقلهم إلى المزارع، ويتلقى المال من المشغّل الإسرائيلي، ثم يدفع للعمال أجورهم اليومية نقدًا. “العامل لا يعرف كم دفع صاحب المزرعة فعليًا”، يقول الناشط. “هو يعرف فقط أنه في نهاية اليوم سيأخذ 110 أو 120 شيكلًا نقداً بيده وانتهى الموضوع.”

 

هذه الطريقة، بحسب الناشط، لا تحرم العمال من حقوقهم فقط، بل تجعل ملاحقة المشغّل شبه مستحيلة. “إذا ذهب العامل إلى المحكمة وقال: اشتغلت في مزرعة فلان، سيقول صاحب المزرعة: لا أعرف هذا الشخص. لا يوجد ما يثبت أنه دخل إلى أرضي. وهنا تنتهي القضية.”

النساء والأطفال، بحسب الناشط النقابي، هم الأكثر عرضة للاستغلال في المستوطنات الزراعية: أجور اقل، حماية أقل، وعجز تام على الاعتراض. خلال المواسم الزراعية، خصوصًا في العطلة الصيفية، يصل إلى الحقول أطفال في الثانية عشرة والثالثة عشرة من العمر، يعملون في القطف والفرز والحمل ساعات طويلة، من دون تصاريح أو أوراق أو أي حماية قانونية.

“الأهل لا يرسلون أولادهم إلى هناك لأنهم يريدون ذلك”، يقول الناشط. “العائلة التي لا تجد مصدر دخل، والتي مُنع الأب أو الأخ فيها من العمل داخل إسرائيل، تبحث عن أي دخل. الطفل يشتغل لأنه لا يوجد خيار آخر”.

“إذا ذهب العامل إلى المحكمة وقال: اشتغلت في مزرعة فلان، سيقول صاحب المزرعة: لا أعرف هذا الشخص. لا يوجد ما يثبت أنه دخل إلى أرضي. وهنا تنتهي القضية.”ناشط نقابي مطّلِع

أما النساء، فيعمل كثير منهن داخل بيوت بلاستيكية أو مصانع تعبئة، في ظروف قاسية من الحرارة والرطوبة، وأحيانًا قرب مبيدات وأسمدة كيماوية من دون قفازات أو كمامات أو ملابس واقية. يقول الناشط إن نقابته وثّقت حالات التهابات جلدية مزمنة والتهابات في جفون العيون لدى عاملات تعاملن مع مواد كيماوية بأيدٍ مكشوفة. “قفازات بسيطة لا تكلف شيئًا كانت كافية”، يقول. “لكن لا أحد اشترى قفازات”.

بين المشغّل الإسرائيلي والوسيط الفلسطيني والتصريح العسكري، يضيع العامل. إسرائيل تسيطر على المستوطنات وتدير نظام التصاريح وتملك أدوات التفتيش والإنفاذ، لكنها لا تضع رقابة فعلية كافية على مواقع العمل التي تستفيد من العمال الفلسطينيين. والسلطة الفلسطينية، رغم محدودية صلاحياتها داخل المستوطنات، تبقى مطالبة بملاحقة السماسرة الذين يقتطعون من أجور العمال أو يستخدمون الكمبيالات والضغط الاجتماعي ضدهم. أما العامل، الحلقة الأضعف في السلسلة، فيجد نفسه وحيدًا أمام منظومة يستفيد منها أكثر من طرف، ولا يتحمل مسؤوليتها أحد.

توجهنا لوزارتي العمل الإسرائيلية والفلسطينية للحصول على ردود لكن لم يصلنا أي رد حتى موعد نشر التحقيق.

مقالات ذات صلة: الكل يفكر بالهجرة فماذا يقول من فعلها: “لأول مرة أرى أطفالي يعيشون حياة حرة وهادئة”

366091 5 SMART REFRESH Arabic 53 1140x145px 300 ppi

مقالات مختارة

Skip to content