
ترى صحيفة إيكونوميست أنّ انتقال إدارة دونالد ترامب من الهجوم العسكريّ على إيران إلى محاولة خنق اقتصادها قد لا يمنع جولة قتال جديدة، بل قد يدفع طهران إلى التصعيد. فبعد أن فشلت عمليّة «الغضب الملحميّ»، التي أطلقها ترامب قبل ستّة أشهر على أمل السحق السريع للنظام الإيرانيّ، عرضت واشنطن في حزيران تخفيف العقوبات واستثمارات بمليارات الدولارات مقابل فتح مضيق هرمز وتخلّي إيران عن طموحاتها النوويّة، لكنّ هذا العرض فشل أيضًا. لذلك انتقل ترامب إلى ما وصفه قبل أسبوعين بـ«الحرب الاقتصاديّة»، حيث كشف وزير الخزانة الأميركيّ سكوت بيسنت في 24 آب أنّ واشنطن ستشدّد الحصار على صادرات النفط الإيرانيّة، وتضغط على الدول التي تتاجر مع إيران وعلى المؤسّسات التي تساعدها في تحويل الأموال والالتفاف على العقوبات.
وتراهن الإدارة الأميركيّة على أنّ الأزمة الاقتصاديّة ستجعل النظام أكثر عرضة للضغوطات ما قد يسفر عن تقديم تنازلات في الملفات الهامة. ففي هذا الصدد، فقد الريال الإيرانيّ قرابة نصف قيمته مقابل الدولار منذ بداية السنة، وسجّل أدنى سعر له على الإطلاق، وبلغ التضخّم السنويّ 88% والبطالة بحسب التقديرات الحكومية 9.1%، وهي الأعلى منذ 2023، مع تقديرات غير رسميّة أعلى بكثير. كما دمّرت الحرب أجزاء كبيرة من الصناعة الإيرانيّة، وأدّى تضرّر مصافي النفط إلى نقص الوقود وطوابير أمام المحطّات، في وقت تطبع فيه الحكومة الأموال لتمويل قسائم غذائيّة. وأدّى الحصار الأميركيّ على مضيق هرمز إلى شلل صادرات النفط الإيرانية، وهي مصدر الدخل الرئيسيّ للنظام، وقال محافظ البنك المركزيّ الإيرانيّ في 20 آب إنّها انخفضت إلى الصفر. وبحسب شركة «كبلر»، هناك 80 مليون برميل من النفط الخام الإيراني على متن سفن خارج المضيق،لكنّ بيع هذه الكميّة لن يعوّض إلا جزءًا صغيرًا من الإيرادات الإيرانية المعتادة من تصدير النفط.. ويأمل بيسنت أن يصل الضغط إلى حدّ عجز النظام عن دفع رواتب الجنود، ما يدفعهم إلى إلقاء أسلحتهم ويساهم في انهيار النظام.
لكنّ نجاح هذه الخطة يتطلّب من واشنطن الضغط على شركاء تجاريّين مهمّين لإيران، وفي مقدّمتهم الصين والإمارات. فالصين تشتري 90% من صادرات النفط الخام الإيرانيّة، واشترته خلال الحرب بسعر يقلّ عن سعر السوق بـ7-12 دولارًا للبرميل، رغم الحظر الأميركيّ. وتقدّر الولايات المتّحدة أنّ هذه التجارة وفّرت قرابة نصف ميزانيّة النظام الإيرانيّ في السنة الماضية. أمّا الإمارات فهي أكبر مصدِّر للسلع إلى إيران، ووفّرت 30% من إجماليّ وارداتها في 2024، كما تستضيف شبكة من شركات الصرافة والقنوات الماليّة التي يستخدمها النظام للالتفاف على العقوبات. وكانت وزارة الخزانة الأميركيّة قد طلبت من قادة الإمارات في نيسان وقف نشاط جهات تعمل ضمن هذه الشبكة. وبعد أن خفّفت أبو ظبي موقفها تجاه إيران خلال الأشهر الأخيرة، واستأنفت التجارة معها وسمحت للإيرانيّين بالعودة إلى أراضيها، أعلنت في 18 آب وقف جميع أشكال التجارة والمعاملات الماليّة مع إيران بعد هجمات إيرانيّة على سفن إماراتيّة، وهو قرار أشاد به بيسنت.
الصين، في المقابل، لا تبدو مستعدّة للانصياع إلى الضغط الأميركيّ. فقد حذّرت من أنّ العقوبات الجديدة قد تضرّ بالنموّ العالميّ والاستقرار الماليّ، وتعهدت بحماية «حقوقها ومصالحها المشروعة». وسبق لواشنطن أن فرضت في نيسان عقوبات على مصفاة «هنغلي» الصينيّة، بعدما اتّهمتها بشراء نفط إيرانيّ بمليارات الدولارات، لكنّ إدارة ترامب قد تتردّد في توسيع العقوبات على شركات صينيّة خشية الإضرار بالمساعي الدبلوماسيّة مع بكين خصوصًا قبل القمة المرتقبة بين الزعيمين الصيني والأمريكي. ويرى إسفنديار باتمانغليج، من معهد «بورصة وبازار» البريطانيّ، أنّ ملاحقة الشركات الصينيّة ستجعل المسألة تتجاوز إيران لتصبح جزءًا من سياسة واشنطن تجاه الصين نفسها.
وفي إيران، تعترف القيادة بخطورة الأزمة الاقتصاديّة، لكنّها لا تبدو مستعدّة للاستسلام للضغط. فقد قال رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف في 20 آب إنّ إيران «لن تصمد» من دون نموّ اقتصاديّ، فيما دعا الرئيس مسعود بزشكيان الولايات المتّحدة إلى العودة إلى مذكرة التفاهم التي عرضتها في حزيران، والتي تضمّنت إطارًا لإنهاء الصراع وإعادة دمج إيران في الاقتصاد العالميّ. ويقول باتمانغليج إنّ الإيرانيّين لا يريدون أن تصبح بلادهم مثل كوريا الشماليّة، وأن تتحمّل تكاليف اقتصاديّة ضخمة لسنوات بسبب استمرار العقوبات. ومع ذلك، سخر قاليباف من الخطة الأميركيّة، ووصف محسن رضائي، أمين المجلس الأعلى للأمن القوميّ، تهديدات ترامب بالحرب الاقتصاديّة بأنّها «دعاية»، متسائلًا عمّا يمكن لواشنطن فعله ولم تفعله سابقًا. كما بنت إيران خلال سنوات العقوبات شبكة معقّدة من قنوات التجارة وتحويل الأموال يصعب على الولايات المتّحدة تفكيكها.
وترى إيكونوميست أنّ الخطر الحقيقيّ على الإدارة الأمريكية هو أن تعتبر القيادة الإيرانيّة الانتقال الأميركيّ من القصف إلى الحرب الاقتصاديّة دليلًا على فشل الخيار العسكريّ، ما قد يشجّعها على الردّ بهجمات جديدة بدل تقديم تنازلات. وقد تشمل هذه الهجمات قواعد عسكريّة ومنشآت طاقة في الخليج العربيّ. ففي هذا الصدد، حذّر رضائي من أنّ أيّ دولة تتعاون مع واشنطن ستُعامل بوصفها «عدوًّا» وقد تتعرّض للهجوم. كما تملك إيران أوراق ضغط على دول مجاورة، بينها العراق الذي يشتري الغاز الإيرانيّ ويوجد فيه جماعات مسلّحة تابعة لطهران، إضافة بالطبع إلى ورقة مضيق هرمز الورقة الأهم. وقبل ساعات من إعلان بيسنت عن الخطة الجديدة، هدّدت إيران بفرض غرامات على قرابة 50 سفينة في المضيق أو مصادرتها، متّهمة إيّاها بمخالفة قواعد العبور التي تفرضها.
ويبقى اندلاع احتجاجات داخليّة واسعة بسبب الأزمة الاقتصاديّة أحد أخطر السيناريوهات بالنسبة إلى النظام الإيراني، على غرار الاحتجاجات التي اندلعت في كانون الثاني، لكنّ إيكونوميست ترى أنّ ذلك لا يبدو مرجّحًا حاليًّا، في ظلّ ما وصفته الصحيفة بـ”الإعدامات العلنيّة التي ينفّذها النظام بحقّ محتجّين لقمع المعارضة”. كما تشير الصحيفة إلى أنّ إدارة ترامب سبق أن أخطأت في تقدير قدرة إيران على تحمّل الضغوط؛ ففي نيسان توقّع بيسنت أن يؤدّي الحصار الأميركيّ على مضيق هرمز إلى تدمير صناعة النفط الإيرانيّة بسرعة، وهو ما لم يحدث. لذلك، فإنّ رهان واشنطن على أنّ الوقت سيضعف النظام قد يفشل مجدّدًا. وبما أنّ إيران لا تزال قادرة على إلحاق الضرر بخصومها، فإنّ محاولة خنق اقتصادها لتجنّب جولة عسكريّة أخرى قد تنقلب على الولايات المتّحدة وتؤدّي تحديدًا إلى المواجهة التي تحاول منعها.










