
في الثاني عشر من يونيو/حزيران، أبلغت وزارة التجارة الأميركية شركة Anthropic بضرورة استخراج ترخيص تصدير لأي شخص أجنبي، سواء داخل الولايات المتحدة أو خارجها، لتمكينه من الوصول إلى نموذجي الذكاء الاصطناعي الأكثر تقدما لديها. لم يترك هذا للشركة أي اختيار سوى حجب النموذجين Fable 5 وMythos 5 عن الجميع، دون سابق إنذار. ورغم أن الولايات المتحدة ألغت هذا الشرط في الثلاثين من يونيو/حزيران، بعد أن اقتنعت فيما يبدو بأن شركة Anthropic عالجت المخاطر الأمنية، كانت الشركات والحكومات الأوروبية والباحثون الأوروبيون بحلول ذلك الوقت أمضوا 18 يوما في استخدام نماذج أقدم، دون أن يعرفوا متى قد يستعيدون حق الوصول.
بينما كانت أوروبا تستوعب حقيقة إمكانية إبطال قدرتها على الوصول إلى الذكاء الاصطناعي الرائد في أي لحظة، بث تطور آخر رسالة مختلفة تماما. أطلق مختبر مونشوت للذكاء الاصطناعي (Moonshot AI) في الصين نموذج Kimi K3 ــ وهو نموذج يحتوي على 2.8 تريليون متغير وأصبحت أوزانه الآن متاحة للتنزيل مجانا ــ بما يشير إلى احتمال أن تصبح تكلفة القدرات المتاخمة لحدود التطور القصوى قريبة من الصِفر قريبا. ونظرا لاستحالة معرفة أي من هذه الإشارات المتضاربة قد يثبت كونه نبوءة صادقة، يتعين على صُـنّاع السياسات الأوروبيين الآن وضع استراتيجية للذكاء الاصطناعي تناسب السيناريوين.
تستند المناقشات الدائرة حاليا حول استراتيجية الذكاء الاصطناعي في أوروبا إلى حد كبير على فرضية مفادها أن صُـنّاع السياسات يجب أن يختاروا احتمالا واحدا ويراهنوا عليه بكل قوتهم. يريد بعض المراقبين المراهنة على الإشارة الصينية: سوف تستقر قدرات الذكاء الاصطناعي، وتضيق الفجوة بين النماذج الرائدة ومنافسيها، ويصبح الذكاء الاصطناعي سلعة يمكن شراؤها بثمن بخس، تماما مثل الكهرباء. يدافع هذا المعسكر عن نوع من الاستسلام المتفائل: قبول حقيقة مفادها أن أوروبا تفتقر إلى القدرات الحاسوبية، ورأس المال، والمواهب اللازمة للفوز بسباق الذكاء الاصطناعي، ولكن دون الانشغال كثيرا بالأمر، لأن محاولة الوصول إلى طليعة الذكاء الاصطناعي في الوقت الحالي ستكون مضيعة للمال.
على الجانب الآخر، هناك من يريدون أن تندفع أوروبا بسرعة نحو تلك الصدارة، من خلال مبادرة ممولة من جانب القطاع العام والتي قد يبدو أي برنامج صناعي أوروبي منذ إعادة البناء بعد الحرب قزما بجانبها. يراهن هذا المعسكر على أن قدرات الذكاء الاصطناعي ستستمر في التراكم، وأن الفجوة بين النماذج الرائدة وبقية النماذج ستستمر في الاتساع. في هذا السيناريو، كما يحذرون، يعادل الاستسلام الانتحار الاقتصادي.
كل من الموقفين متماسك في سياق المستقبل الذي يفترضه. لكن لا أحد يستطيع التنبؤ بما سيحدث فعليا، ولا يملك أي من الطرفين خطة في حال تبين أن تصوره للمستقبل كان “خاطئا”. تنص نظرية اتخاذ القرار على أن الخطوة العقلانية عندما تواجه سيناريوين محتملين مختلفين جذريا، ولا يمكنك تحديد احتمالات كل منهما بقدر معقول من الثقة، تتمثل في اختيار مسار العمل الذي يتجنب الكارثة في أي من الحالتين ــ الاستثمار الجزئي وشراء خيار، بدلا من الدخول في التزام لا رجعة فيه.
من منظور أوروبا اليوم، يجب أن تدرك استراتيجية الذكاء الاصطناعي الفعّالة أن مكونات سيادة الذكاء الاصطناعي تسير وفق جداول زمنية مختلفة. فمن الممكن الحصول على الرقائق الإلكترونية في غضون 18 شهرا بمجرد تأمين رأس المال. أما الطاقة الخالية من الكربون، ومراكز البيانات، والخبرة في تدريب النماذج، ومؤسسات صنع القرار، فيستغرق بناؤها من خمس إلى عشر سنوات. إن توجيه الإنفاق مسبقا نحو القوة الحاسوبية يعني تأمين الرهان الأكبر حيثما يكون انعدام اليقين عند أعلى مستوياته على وجه التحديد. النهج الأفضل يبدأ بما يستغرق وقتا أطول. وسوف تكون الأصول الناتجة عن ذلك قَـيّـمة أيا كان المستقبل الذي سيتحقق.
من المؤكد أن المخاطر التي تثيرها التبعية حقيقية. تعمل تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي الرائدة على قدرات حوسبة محدودة. وتخدم المختبرات الأميركية عقود الحكومة الأميركية أولا، ثم عملاء الشركات ثانيا، وبقية العالم أخيرا. وعندما تصبح السعة تحت الضغط، سيكون المستخدمون الأجانب أول من يخسر القدرة على الوصول، وتشكل القيود التي تحد من القدرة على الوصول لدوافع جيوسياسية خطرا آخر. إن أوروبا التي تفتقر إلى قدرة الاستدلال محليا أو القدرة على تدريب النماذج الضخمة هي أوروبا التي تعمل بلا خطة احتياطية.
ولكن إذا كان الخطر متمثلا في خسارة القدرة على الوصول إلى النماذج الرائدة، فإن الحل لا يكمن بالضرورة في محاولة التفوق على المختبرات التي أبدعتها. بل يكمن الحل في بناء القدرات التي تجعل من الممكن التغلب على تلك الخسارة. وهذا يعني تأمين الطاقة والأراضي المرتبطة بشبكة الكهرباء؛ وإنشاء مراكز بيانات على أراض أوروبية، تديرها شركات أوروبية؛ وبناء قدرات التدريب، بالاستعانة بعقود شراء متعددة السنوات تضمن مواكبة الخبرات المحلية للتقدم التكنولوجي.
لا يتطلب أي من هذا الإنفاق الضخم الذي يدعو إليه بعض المراقبين الآن. بل على العكس، ستبلغ التكلفة الإجمالية بضعة مليارات يورو سنويا، ويمكن تمويلها إلى حد كبير من خلال رأس المال الخاص مقابل أصول إنتاجية، بدلا من الالتزامات العامة القائمة على فرضية تكنولوجية غير مؤكدة.
إذا استقر أداء النماذج وأصبح الذكاء الاصطناعي سلعة، فإن هذا الأساس سيمكّن أوروبا من المنافسة على بُـعدي الانتشار والتكامل ــ حيث تتمتع شركات برمجيات المؤسسات الأوروبية بمزايا حقيقية. وإذا استمرت القدرات في التراكم واستمر تقييد القدرة على الوصول، فسوف تكون أوروبا في وضع يسمح لها بإطلاق سباق نحو الحدود الجديدة، بتكلفة أقل كثيرا مما لو اضطرت إلى البدء من الصفر، ووفقا لجدول زمني تتحكم فيه أوروبا.
بالنسبة لقارة وقفت إلى حد كبير على الهامش بينما كانت مؤسسات وادي السيليكون تبني الاقتصاد الرقمي، يصبح الميل إلى اتخاذ تدابير جريئة وسريعة هذه المرة مفهوما. لكن التسلسل يهم أكثر من الحجم. الواقع أن الردع النووي الفرنسي، الذي يستشهد به غالبا أنصار الانطلاق في سباق الذكاء الاصطناعي، لم يبدأ برأس حربي؛ بل استغرق 15 عاما وتقدم على مراحل. وينطبق المنطق ذاته على الذكاء الاصطناعي.
إن بناء أساس صناعي لا يستبعد أي خيار، ولا يستنزف الموارد المالية، ولا يتطلب إذنا من الولايات المتحدة، ليس نهجا تنقصه الشجاعة. بل على العكس، إنه الاستراتيجية الوحيدة التي لا تعتمد على توقع مسار تكنولوجيا يعترف مبتكروها أنفسهم بأنهم لا يستطيعون التنبؤ بها.
إريك هازان شريك مؤسِّس في شركة Ardabelle Capital، وأحد مؤسسي Plateforme Progressiste، ومُحاضِر في HEC Paris (كلية الدراسات التجارية العليا في باريس)، ومعهد الدراسات السياسية في باريس. هو المؤلف الـمُشارِك، مع أوليفييه سيبوني، لكتاب “Faut-il encore décider ? La décision humaine à l’ère de l’intelligence artificielle” (Éditions Flammarion, 2026). ليني بنبارا أحد مؤسسي Global Trade Policy Observatory (مرصد سياسات التجارة العالمية). بابتيست ليفور أحد مؤسسي مرصد سياسات التجارة العالمية.
حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2026.
www.project-syndicate.org











