
يعاني المواطنون في البلاد من ارتفاع الأسعار وتراجع قدرتهم الشرائية، لكن غلاء المعيشة، رغم تأثيره اليومي، لا يبدو أنه القضية الأولى التي ستحدد لمن سيصوت معظمهم في انتخابات الكنيست لعام 2026. فبحسب استطلاع “معهد سياسات الشعب اليهودي JPPI”، قال 11% فقط من المشاركين بالاستطلاع إن خفض غلاء المعيشة هو العامل الأول الذي سيحدد تصويتهم، فيما وضع 30% تغيير الحكومة في المرتبة الأولى، و23% ما يسمونه بـِ«الإصلاح القضائي» (أي التغييرات القضائية التي تسعى حكومة نتنياهو لإقرارها). لكن أهمية غلاء المعيشة ترتفع عند السؤال عن الأولويات التالية، إذ وضعه 20% في المرتبة الثانية و22% في المرتبة الثالثة.
وتأتي هذه النتائج في وقت يزداد فيه تشاؤم المواطنين بشأن أوضاعهم الاقتصادية. فقد انخفض مؤشر ثقة المستهلك الصادر عن دائرة الإحصاء المركزية في يوليو 2026 إلى سالب 22%، بعدما تراوح منذ بداية العام بين سالب 16% وسالب 20%. كما انخفض المؤشر الذي يقيس توقعات المواطنين بشأن الوضع الاقتصادي لأسرهم خلال السنة المقبلة إلى سالب 7%، وانخفض المؤشر المتعلق بتوقعاتهم للوضع الاقتصادي في البلاد خلال السنة المقبلة إلى سالب 40%، وهي أسوأ النتائج المسجلة في المؤشرين منذ بداية 2026.
ورغم أن الاقتصاد سجل نموًا بنسبة 15.4% في الربع الثاني من العام، بعد التراجع الذي أعقب الحرب الإسرائيلية على إيران، إلا أن تحسن المؤشرات الاقتصادية لا ينعكس بالضرورة على حياة المواطنين اليومية، في ظل ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة.
ويعتبر مقال لصحيفة TheMarker أن هناك فجوة بين معاناة المواطنين اليومية من غلاء المعيشة وبين تأثير هذه القضية على تصويتهم في الانتخابات. وتولّدت هذه الفجوة -بحسب الصحيفة- بفعل الانقسام السياسي الحاد، إذ يضع ناخبو اليسار والوسط تغيير الحكومة في مقدمة أولوياتهم، بينما يمنح ناخبو اليمين الأولوية للتغييرات في الجهاز القضائي.
ويربط المقال بين نتائج الاستطلاع وبين غياب خطط اقتصادية بارزة عن الخطاب الانتخابي. فطالما أنّ غلاء المعيشة لا يُمَثِّل العامل الأول الذي يُحدِّد تصويت غالبية الناخبين، فإن الأحزاب لا تواجه ضغطًا انتخابيًا كبيرًا يجعل مكافحة غلاء المعيشة وتخفيض الأسعار القضية الأساسية في حملاتها. ومع ذلك، فإن وضع 20% من المشاركين غلاء المعيشة في المرتبة الثانية و22% في المرتبة الثالثة يدل على أن القضية حاضرة بقوة لدى الناخبين، حتى لو لم تكن العامل الأول الذي يحسم اختيارهم للحزب.
وفي هذا السياق، يتناول المقال تحركات بنيامين نتنياهو داخل حزب الليكود، مشيرًا إلى أنه لم يُقدِّم حتى الآن شخصية اقتصادية بارزة في قائمة الحزب يمكن أن ترتبط لدى الناخبين بمعالجة غلاء المعيشة. وبعد انتهاء الانتخابات التمهيدية في الليكود وتحديد الفائزين فيها، سيبقى أمام نتنياهو تسعة أماكن محجوزة في القائمة، يمكنه اختيار مرشحين لشغلها قبل إغلاق القائمة النهائية. وكان نتنياهو قد ضغط على وزير المالية السابق موشيه كحلون للانضمام إلى أحد المراكز الخمسة الأولى في القائمة، لكن محاولته لم تنجح. ويرى المقال أن نتنياهو أراد من خلال ضم كحلون إظهار أن الليكود ينوي التعامل مع غلاء المعيشة.
ويتّخذ المقال من أسعار المواد الغذائية مثالًا على غلاء المعيشة، ويسلّط الضوء على مجموعة شتراوس-عليت التي تتمتع بمكانة قوية في عدة قطاعات. حيث ارتفع صافي أرباح المجموعة بنسبة 113%، خصوصًا بفضل مبيعاتها من القهوة والشوكولاتة. وتكمن المفارقة في أن أسعار المواد الخام المستخدمة في إنتاج القهوة والشوكولاتة انخفضت، لكن هذا الانخفاض لم ينعكس على الأسعار التي يدفعها المواطنون، حيث واصلوا دفع أسعار أعلى مقابل هذه المنتجات. وهكذا تُعدّ شتراوس مثالًا بارزًا يوضّح كيف يمكن أن يتزامن غلاء المنتجات الغذائية التي يشتريها المواطنون مع ارتفاع أرباح الشركات، في وقت تتراجع فيه بعض تكاليف الإنتاج، ولا تتخذ الحكومة خطوات حقيقية للحدّ من الغلاء.
وبذلك، لا يعني تراجع غلاء المعيشة في سُلَّم الأولويات الانتخابية أن المواطنين لا يكترثون به، إذ تعكس البيانات تشاؤمًا اقتصاديًا واضحًا وحضورًا قويًا للقضية في أولوياتهم. لكن عند اتخاذ قرار التصويت، تتقدم عليه قضايا أخرى، أبرزها تغيير الحكومة والنظام القضائي. ومع اقتراب الانتخابات، يبرز السؤال -بحسب الصحيفة- حول مدى نجاح المعارضة في تحويل غلاء المعيشة والقضايا الاقتصادية إلى محور أساسي في حملتها ضد الائتلاف الحاكم، إلى جانب قضية المساواة في تحمل الأعباء والامتيازات الممنوحة للحريديم.











