خبز وحشيش وحشبونيت

الإثنين, أغسطس 17, 2026 18:51
/
/
خبز وحشيش وحشبونيت

خبز وحشيش وحشبونيت

أيقون موقع وصلة Wasla
ماذا سيجيب الـ AI عندما يُسأل عنك؟ scaled

كيف تحوّلت الفواتير الوهمية من جريمة ضريبية خطيرة إلى مشكلة اجتماعية؟

عمّار غرّة، مراقب حسابات ومحامٍ

الفواتير الوهمية ليست مجرد مخالفة ضريبية أو وسيلة للتهرب من دفع الضريبة. مع مرور الوقت تحولت إلى سوق كامل، تتحرك فيه أموال كثيرة، وترتبط به جهات إجرامية، ويغذي ثقافة المال السهل، ويدفع المجتمع ثمنه اقتصاديًا واجتماعيًا.

لفهم الظاهرة، يجب أولًا فهم فكرة بسيطة في ضريبة القيمة المضافة. صاحب المصلحة يدفع الضريبة على مبيعاته، لكنه يحق له خصم الضريبة التي دفعها على مصروفاته، بشرط أن تكون بحوزته فاتورة ضريبية قانونية.

فإذا اشترى بضاعة بألف شيكل ودفع عليها 180 ش.ج ضريبة، ثم باعها بـ1,500 ش.ج جديد وفرض 270 ش.ج ضريبة، فإنه يخصم الـ180 ش.ج التي دفعها، ويدفع للدولة الفرق فقط، أي 90 ش.ج

ومن هنا تبدأ قصة الفواتير الوهمية.

ماريا يعقوب
ممكن نتعرف؟
عمار غرة
الدراسة مراقب حسابات ومحامٍ
العمل نائب مدير مكتب ضريبة القيمة المضافة بيتح تكفا، سلطة الضرائب

فكما في أي سوق، هناك عرض وهناك طلب. الطلب ينشأ أحيانًا لدى صاحب مصلحة لديه مصروفات حقيقية لا يستطيع توثيقها قانونيًا، مثل أجور غير مسجلة، أو تشغيل عمال بصورة غير قانونية، أو شراء بضائع مجهولة المصدر. وفي حالات أخرى، يكون الهدف اختلاق مصروفات لم تحدث أصلًا، فقط من أجل دفع ضريبة أقل، أو تبيض أموال مصدرها مصالح غير قانونية.

وفي الجهة المقابلة، يوجد من يبيع هذه الفواتير. أحيانًا تكون هناك مصالح مسجلة لا تملك نشاطًا تجاريًا حقيقيًا، وهدفها الأساسي هو إصدار الفواتير وبيعها. وأحيانًا تكون هناك مصالح حقيقية، لكنها إلى جانب نشاطها القانوني تبيع فواتير عن صفقات لم تحصل.

المشكلة أن التعامل بالفواتير الوهمية لا يتوقف عند إصدار ورقة. خلف الفاتورة توجد في كثير من الأحيان منظومة كاملة: تحويل أموال، صرف شيكات، تعامل بالنقد، مدفوعات غير مسجلة وأشخاص يعملون أصلًا خارج إطار القانون.

وعندما ينشأ خلاف بين هذه الأطراف، من غير الضروري اللجوء إلى الشرطة أو المحكمة، لأن أصل الصفقة نفسه غير قانوني. وعندما تغيب الوسائل القانونية لحل النزاعات، قد تدخل مكانها التهديدات والقوة والعنف. وهنا تصبح الفاتورة الوهمية جزءًا من اقتصاد غير قانوني أوسع، لا مجرد وسيلة لتقليل الضريبة.

e0a7e20a 1010 43db 9dfa f0a3fc78894c
عمّار غرّة، مراقب حسابات ومحامٍ

 

لكن الضرر لا يتوقف هنا. هناك أيضًا أثر اجتماعي خطير يتعلق بثقافة المال السهل. عندما يرى شاب أشخاصًا يبدو أنهم يحققون أرباحًا كبيرة خلال فترة قصيرة، دون دراسة طويلة أو مهنة أو عمل يومي، فإن الطريق الطبيعي لبناء المستقبل قد يبدو له أقل جاذبية. وبدل أن يصبح النموذج هو الشخص الذي يتعلم ويعمل ويتقدم خطوة بعد خطوة، يصبح النموذج أحيانًا من يحقق المال بسرعة وبأقصر طريق. ومع اتساع الظاهرة، قد تنشأ فئة من الشباب تبحث عن الربح السريع بدل بناء مهنة أو مصدر دخل حقيقي ومستقر.

الأخطر أن من يدخل هذا العالم قد يعرف في البداية أن ما يفعله غير صحيح، لكنه مع الوقت لا يغيّر سلوكه، بل يغيّر طريقة تفكيره ليبرّره، ويبدأ باعتباره “شطارة” أو ذكاءً. لكنه ليس كذلك. فالمال الناتج عن الاحتيال لا يبقى مجرد رقم في فاتورة، بل يتغلغل في الاقتصاد الأسود، ويقوي الجهات الإجرامية، وقد يستخدم أيضًا للاستيلاء على أموال عامة وميزانيات سلطات محلية.

لهذا أدخلت الدولة نظام رقم التخصيص للفواتير (“نظام فواتير إسرائيل”)، وخُفّضت تدريجيًا قيمة الفاتورة التي تحتاج إلى رقم تخصيص من 25 ألف ش.ج إلى 5,000 ش.ج، مع توجه لتوسيع النظام أكثر مستقبلًا.

مواجهة الفواتير الوهمية ليست فقط معركة على جباية الضرائب. إنها معركة على الاقتصاد القانوني، وعلى ثقافة العمل، وعلى مستقبل الشباب، وعلى مجتمع أقل عنفًا وأكثر استقرارًا وأكثر ثقة بالقانون والعمل المنتج.

“مشبك”، مجتمع مهني-تشغيلي يهدف إلى تعزيز التقدم المهني للمواهب العربية، من خلال التعلم، التشبيك، القيادة، وتبادل الخبرات. بمبادرة جمعية “كو-إمباكت”.

IBI SMART 1140x140 1

مقالات مختارة

Skip to content