
كشفت تقرير لصحيفة بلومبرغ عن لجوء قطر والإمارات إلى أساليب ملاحة غير معتادة لنقل شحنات الغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز، في ظل استمرار التوترات مع إيران وسيطرة طهران على الممر البحري الحيوي. وتشمل هذه الأساليب إطفاء أجهزة التعريف والتتبع الخاصة بالسفن والإبحار بسرية، وهي ممارسات كانت ترتبط في السابق بسفن تعمل في أسواق النفط الخاضعة للعقوبات، وليس بقطاع الغاز الطبيعي المسال المعروف بدرجة عالية من الشفافية.
وسلط التقرير الضوء على رحلة ناقلة الغاز القطرية “الريان”، التي كانت تحمل شحنة من الغاز الطبيعي المسال من قطر. وقبل عبورها مضيق هرمز أطفأت أجهزة التتبع وبدأت الإبحار خلف ناقلة أخرى تدعى “فايفوريت”. وخلال الرحلة دخلت الناقلة المياه الإيرانية التي تنتشر فيها زوارق الحرس الثوري وتغمر أجواؤها المسيّرات. وبعد اختفاء إشارات التتبع الخاصة بالسفينتين، ساد القلق بين أفراد الطاقم الذين لجأ بعضهم إلى الصلاة، قبل أن تظهر الناقلتان مجددًا بعد يوم في خليج عُمان وتواصلا طريقهما شرقًا.
ومنذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى في فبراير، وجدت قطر نفسها أمام أزمة تحيق بصادراتها من الغاز الطبيعي المسال. ومع دخول الحرب شهرها الرابع واستمرار السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز، بدأت الدوحة بتطبيق أساليب نقل سرية للحفاظ على تدفق الإمدادات. وتعد قطر ثاني أكبر منتج للغاز الطبيعي المسال في العالم وثالث أكبر مصدر من حيث القدرة التصديرية.
وبحسب بيانات التتبع ومصادر مطلعة تحدثت للصحيفة، عبرت أربع ناقلات قطرية على الأقل المضيق سرًا خلال شهر مايو، كما أرسلت شركة أدنوك الإماراتية عددًا مشابهًا من السفن باستخدام أساليب مماثلة. ومثلت هذه الشحنات متنفسًا مهمًا لزبائن مثل الهند وبنغلادش، اللتين اضطرتا خلال الأزمة إلى شراء الغاز من السوق الفورية بأسعار بلغت ضعف أسعار الشحنات القطرية.
ويرى خبراء في الاستخبارات البحرية أن تزايد عمليات الإبحار دون بث إشارات التتبع يعكس تدهورًا خطيرًا في أمن الملاحة الدولية. وقالت ميشيل ويز بوكمان من شركة “ويندوارد” إن العالم يشهد ارتفاعًا في عدد السفن التي تعبر الممرات البحرية الحساسة في الظلّ، ما يزيد المخاطر على حركة التجارة العالمية.

وتشير المعطيات إلى أن قطر بدأت خلال الشهر الماضي مطالبة السفن المملوكة لها أو المستأجرة من قبلها بإطفاء أجهزة التتبع قرب ميناء رأس لفان أكبر محطة لتصدير الغاز الطبيعي المسال في العالم، والذي يقع على الساحل الشمالي الشرقي لقطر، سواء عند دخول الخليج أو الخروج منه. كما طُلب من الناقلات الإبحار في أزواج لزيادة مستوى الأمان. وفي الوقت نفسه، جرى استبدال قادة وطاقم سفن رفضوا أو لم يتمكنوا من العمل في هذا المسار الخطير.
وأدى التصعيد العسكري إلى مغادرة عدد كبير من البحارة العاملين على ناقلات الغاز. وكانت ناقلة “الريان” راسية قرب منشأة رأس لفان عندما تعرضت المنطقة لهجوم صاروخي إيراني في مارس، ما اضطرها إلى مغادرة الميناء بشكل عاجل. وروى أفراد من الطاقم الفلبيني أنهم سمعوا صفارات الإنذار وشاهدوا النيران في المنشأة بعد الضربة. وبعد ذلك غادر العديد منهم العمل رغم حصولهم على مكافآت وحوافز إضافية.
ولتعويض النقص، لجأت شركات التوظيف إلى استقطاب بحارة جدد مقابل أجور مضاعفة، من دون اشتراط خبرة سابقة في تشغيل ناقلات الغاز الطبيعي المسال. وتم تجنيد 25 بحارًا إندونيسيًا بعد إبلاغهم بالمخاطر المحتملة، التي شملت هجمات بطائرات مسيرة أو الاصطدام بسفن أخرى أو البقاء عالقين في البحر لأشهر. كما أُبلغوا مسبقًا بأن الناقلة قد تضطر إلى إطفاء أجهزة التتبع بالكامل أثناء عبور مضيق هرمز لتجنب التحول إلى هدف.
وفي مثال آخر على هذه الأساليب، حصلت باكستان في مايو على موافقة إيرانية لاستقبال شحنة غاز قطرية كانت ضرورية لتخفيف أزمة الكهرباء في البلاد. وعندما اقتربت الناقلة “ميهزم” من المضيق، غيرت مسارها فجأة واختفت من أنظمة التتبع، ما أثار ارتباكًا لدى المسؤولين الباكستانيين الذين بدأوا البحث عن مصادر بديلة للغاز. لكن تبين لاحقًا أن المناورة كانت مقصودة، إذ عادت السفينة للظهور بعد عبورها المضيق بسلام، ووصلت الشحنة كما كان مخططًا.
كما تبنت شركة أدنوك الإماراتية إجراءات مشابهة بعدما عارض قادة السفن الإبحار مع تشغيل أجهزة التتبع، معتبرين أن إطفاءها يقلل الحاجة إلى التنسيق مع السلطات الإيرانية أثناء العبور. ووفق الإجراءات المعتمدة حاليًا، تتوقف السفن أولًا في منطقة خورفكان شرق المضيق قبل إطفاء أجهزة التتبع ومواصلة الرحلة.
وفي 23 مايو غادرت ناقلة “الريان” خليج عُمان متجهة إلى الصين، أكبر زبون للغاز القطري، في أول شحنة غاز طبيعي مسال قطرية تسلك هذا المسار منذ اندلاع الحرب. وفي الوقت نفسه، واصلت شركات التوظيف البحث عن أطقم جديدة استعدادًا لرحلات أخرى عبر المضيق، في مؤشر على أن أسلوب الإبحار السري قد يستمر طالما استمرت المخاطر الأمنية في المنطقة.












