
يشهد قطاع الهايتك الإسرائيلي ظاهرة جديدة تُعرف باسم “AI wash”، أي استخدام الذكاء الاصطناعي كذريعة لتبرير تقليص الوظائف وتجميد التوظيف، بينما يمكن السبب الحقيقي في كثير من الحالات في قوة الشيكل وتراجع الدولار، الأمر الذي رفع بشكل بالغ تكلفة الموظفين الإسرائيليين على هذه الشركات. ويأتي ذلك بعد سنوات صعبة مرّ بها القطاع الذي يشكّل 25% من إيرادات الضرائب في إسرائيل و20% من الناتج المحلي.
وبحسب تقرير لصحيفة كالكاليست، ارتفعت رواتب العاملين في الهايتك في البلاد بنسبة 15%-20% خلال أشهر قليلة عند احتسابها بالدولار. وأصبح المهندسون والمبرمجون الإسرائيليون من بين الأغلى عالميًا، وفي بعض الحالات أعلى تكلفة من العاملين في وادي السيليكون، وبفارق كبير مقارنة بالعاملين في أوروبا وشرق آسيا.
أحد رواد الأعمال الذي يعمل حاليًا على إطلاق شركة ناشئة مختصة بالعلاج النفسي المعتمد على الذكاء الاصطناعي، قال في مقابلة مع الصحيفة إنه لو كان الأمر بيده لوظّف جميع العاملين في شركته من خارج البلاد بسبب سعر صرف الشيكل الحالي. وأثارت تصريحاته نقاشًا واسعًا داخل قطاع الهايتك حول ما إذا كانت الكفاءات الإسرائيلية تستحق فعلًا هذه الرواتب المرتفعة، وحول ضرورة تدخل بنك إسرائيل عبر خفض الفائدة لإضعاف الشيكل. ويخشى مسؤولون في القطاع من تقلص تدريجي لصناعة الهايتك الإسرائيلية إذا استمر الدولار دون 3 شواكل أو تراجع أكثر باتجاه 2.5 شيكل.
وتقول مصادر في قطاع الهايتك للصحيفة إن شركات عديدة تبرر وقف التوظيف أو تقليص أعداد الموظفين بالحديث عن تحسين النجاعة بفضل الذكاء الاصطناعي، بينما السبب الفعلي هو ارتفاع الرواتب داخل إسرائيل بفعل قوة الشيكل. ومن الأمثلة التي أوردها التقرير شركة البرمجيات “إنتويت”، التي أعلنت عن تقليص 17% من قوتها العاملة بسبب الذكاء الاصطناعي، بما يشمل مركزها في إسرائيل الذي يشغل مئات العاملين. لكن عاملين في الفرع الإسرائيلي قالوا إن التقليصات في إسرائيل كانت أكبر من باقي دول العالم بسبب ارتفاع رواتب العاملين بفعل قوة الشيكل، وإن العديد من الوظائف تم نقلها إلى الهند. وهو ما قامت به شركات كثيرة أخرى أيضًا بحسب التقرير، التي أوقفت التوظيف في إسرائيل وبدأت بنقل وظائف إلى دول أرخص بعد ارتفاع تكلفة العامل الإسرائيلي بأكثر من 20% بالدولار.
وبحسب التقرير، بدأت شركات إسرائيلية مدرجة في وول ستريت، بينها “Riskified” و”Pagaya” و”Oddity”، بتجميد التوظيف داخل إسرائيل مؤقتًا. كما تحدثت مصادر للصحيفة عن “وظائف وهمية” يُعلَن عنها على مواقع الشركات لإظهار أن العمل مستمر بشكل طبيعي، بينما لا توجد نية فعلية لتوظيف موظفين جدد.
وذكر التقرير أيضًا أن شركة “Monday.com” تراجعت عن خطة استئجار 10 طوابق في تل أبيب، بعد أن عزت قرارها إلى غياب الحاجة لتوظيف موظفين جدد بسبب استخدام الذكاء الاصطناعي. لكن مصادر مقربة من الشركة قالت للصحيفة إن ارتفاع تكلفة العاملين في إسرائيل كان سببًا أساسيًا في القرار، خاصة أن 55% من موظفي الشركة يعملون في البلاد.
ولا تقتصر المشكلة على الشركات الإسرائيلية فقط، بل تشمل أيضًا مراكز التطوير التابعة لشركات عالمية. وقال مسؤول في القطاع إن المديرين الذين يقررون أين سيتم تطوير المشاريع الجديدة باتوا يفضلون دولًا أرخص من إسرائيل، خاصة بعد فترة الحرب الطويلة والتوترات الأمنية المستمرة وارتفاع كلفة الرواتب المرتبطة بقوة الشيكل. وأضاف أن الشركات تستطيع اليوم توظيف مبرمجين من بولندا أو البرتغال بتكلفة أقل بكثير من الموظف الإسرائيلي، الذي يصل متوسط راتبه في بعض الوظائف إلى 170 ألف دولار سنويًا، أي 40 ألف شيكل شهريًا، مقارنة بـ100 ألف دولار فقط لمبرمج يملك خبرة مشابهة في البرتغال.
وأشار التقرير إلى أن الشركات الناشئة الإسرائيلية هي الأكثر تضررًا، لأنها تعتمد بالكامل تقريبًا على التمويل بالدولار من صناديق الاستثمار، بينما تدفع رواتب كبيرة بالشيكل لموظفيها. وذكرت مصادر أن بعض صناديق الاستثمار طلبت من الشركات التي تستعد لجولات تمويل جديدة تقليص عدد الموظفين 10% على الأقل لتقليل المصاريف. كما بدأت شركات ناشئة توجيه ميزانياتها نحو التوظيف خارج إسرائيل بدل الاستثمار في توظيف موظفين محليين. وقالت إحدى الشركات إنها فضلت استثمار الموارد في توظيف عاملين خارج إسرائيل بدل خدمات التسويق الخاصة بجذب موظفين داخل إسرائيل.
وأوضح التقرير أن الشركات الناشئة التي حصلت على استثمارات عندما كان سعر صرف الدولار يبلغ 3.7 شيكل تواجه الآن أزمة حقيقية، لأن الأموال التي جمعتها لم تعد تكفي للفترة الزمنية التي خُطط لها بعد الارتفاع الكبير في الرواتب. وقال مستثمر في صندوق استثماري للصحيفة إن شركات ناشئة بدأت تطلب من المستثمرين وصناديق الاستثمار زيادة التمويل بنسبة تتراوح بين 22% و25%، لأن الأموال التي جمعتها سابقًا لم تعد تكفي بعد ارتفاع الرواتب.
وحذر أحد المستثمرين البارزين في قطاع الهايتك الإسرائيلي، من أن استمرار تراجع الدولار قد يؤدي إلى أزمة كبيرة ليس فقط للشركات الناشئة، بل أيضًا للشركات الأجنبية العاملة داخل إسرائيل. وأضاف أن الشركات العالمية أقامت مراكز تطوير في إسرائيل أصلًا لأن تشغيل المبرمجين فيها كان أرخص في السابق، لكن الوضع تغيّر اليوم، وبات من الممكن توظيف مبرمجين في الهند أو أوروبا الشرقية بكفاءة جيدة وتكلفة أقل بكثير. وأضاف أن مستقبل الهايتك الإسرائيلي يعتمد أساسًا على الشركات الصغيرة والناشئة، وليس فقط على الشركات العملاقة.
ويؤكد تقرير لمعهد أهارون نُشِرَ في أبريل أنه للمرة الأولى في تاريخ الهايتك الإسرائيلي تم تسجيل تراجع في عدد العاملين في البحث والتطوير داخل إسرائيل خلال 2025 بنسبة 1.1%، حتى قبل الانخفاض الأخير للدولار. وأشار هذا التقرير إلى أن شركات ناشئة إسرائيلية بدأت توظف عاملين خارج إسرائيل، بما في ذلك إسرائيليون يعيشون في الخارج، ما أدى إلى ظهور شركات إسرائيلية بالكامل من حيث المؤسسين والعاملين لكنها تعمل فعليًا من الولايات المتحدة أو دول أخرى. ومن الأمثلة على ذلك شركة السايبر “Artemis”، التي أسسها إسرائيليون ويعمل فيها إسرائيليون، لكنها مسجلة وتعمل من الولايات المتحدة وليس لديها مركز تطوير داخل إسرائيل.
وفي ختام التقرير، حذر مسؤولون في القطاع من أن تضرر الهايتك لن يقتصر على شركات التكنولوجيا فقط، بل سيؤثر على الاقتصاد الإسرائيلي كله، باعتبار أن القطاع يُعد محرك النمو الأساسي للاقتصاد، ويدعم سوق العقارات والبورصة وصناديق التقاعد وقطاعات اقتصادية أخرى.











